بيروت - لبنان 2020/02/24 م الموافق 1441/06/29 هـ

ثقة «الحكومة المكشوفة» بين نارين: مواجهة عون - الحريري وانتفاضة الشارع!

عظة «مار مارون» جرس إنذار كنسي.. واتصالات استثنائية للحؤول دون العنف

حجم الخط

بات ناس الانتفاضة ليلتهم، في الخيم، تحسباً لما يُمكن ان يقدم عليها نشطاؤها في سياق كباش حادٍ، ومضنٍ، وربما طويل، مع الطبقة السياسية، التي ادركت خطورة ما جنت يداها، من ممارسات أدّت إلى انكماش اقتصادي، وندرة هائلة في العملة الصعبة، وحملت راعي أبرشية بيروت للموارنة، في عظة مار مارون المطران بولس عبد الساتر إلى مخاطبة الرؤساء الثلاثة ورهط من الوزراء والنواب والسياسيين بالدعوة إلى الاستقالة بشرف، ما لم يفلحوا في العمل، مع الثوار الحقيقيين، للخروج من الوضع الصعب، وتحمل المسؤولية.

والحال، وأيا كانت حصيلة ما سيؤول إليه يوم الثقة «اليتيم» أو يوم الثقة «بالحكومة الميتة» على الرغم من طموحات الوزراء الجدد، الراغبين في العمل، وتبديد الصورة، وإعطاء شحنة أمل، وتفاؤل بإمكان الخروج من نفق الأزمات المالية والنقدية، أو «إعطاء فرصة» وفقا لما يأمل وزير الخارجية والمغتربين ناصيف حتي.. فإن الموقف بدا ليل أمس، ان الحكومة محاصرة، كما البلد بين نارين: نار المواجهة السياسية بين التيار الوطني الحر وتيار «المستقبل» أو بين بعبدا و«بيت الوسط»، والرئيس ميشال عون، صاحب «وان تيكيت» عندما كان رئيساً لتكتل «الاصلاح والتغيير» والرئيس الحريري الذي قال في معرض تبرير نقل الاحتفال بذكرى 14 شباط (استشهاد الرئيس رفيق الحريري) إلى بيت الوسط، لتأكيد رسالة لمن «يحاول إقفال «بيت الوسط» لنظهر له بأن هذا البيت مفتوح لكل الناس».. مشيراً إلى ان «في ناس بتعطي وان واي تيكيت ومش قدها»، مضيفاً: «ليدلني أحد على إنجاز واحد قام به التيار الوطني الحر للاقتصاد الوطني منذ 30 عاماً».

ولم يتأخر التيار الوطني الحر، فاتهم فريق الحريري بأنه «ادار البلد وأفلسه»، واصفاً ما صدر عن تيّار المستقبل بأنه «بيان إفلاس».

في يوم الفصل هذا، والحاسم في آن معاً، يجري التركيز على تجنّب التصعيد، الذي قد يؤدي إلى العنف، أو إشكالات من شأنها تعقيد الوضع، ودفعه إلى ما لا تحمد عقباه، وسط خشية كثرة من النواب من الوصول إلى ساحة النجمة لاعتبارات بعضها يتعلق بالحماية فالبعض الآخر بتجنب الصدامات.             

المواجهة الثانية بعد الموازنة

وعلى وقع أصوات المنتفضين في الشارع: «لا ثقة»، والعزلة القسرية لمنطقة المجلس النيابي التي فرضتها الإجراءات الأمنية، لضمان وصول النواب إلى ساحة النجمة، تبدأ اليوم المواجهة الثانية بين السلطة والانتفاضة في الشارع، بالتزامن مع المبارزة الثانية بين الحكومة والنواب، ولا سيما المعارضين القدامى والجدد لنيل حكومة الرئيس حسان دياب الثقة، في صورة لا تشبه البروفه الأولى التي تجسدت بجلسة الموازنة.

فالشارع لم يكن مستنفراً بالحجم الذي استعد له أمس، وستتجلى اليوم بسلسلة تحركات واعتصامات وقطع طرقات، مدعوماً بدعوة إلى إضراب عام واقفال يشمل تعليق الدروس في الجامعات الرسمية والخاصة  تحت شعار «لا ثقة»، بعدما كان سبقها تحضيرات وتعبئة شعبية تمثلت بسلسلة تظاهرات للحراك في عدد من المناطق رغم الطقس العاصف، مما يرجح ان تكون المواجهة اعنف واشد قساوة مما حصل في جلسة الموازنة.

اما الحكومة فستمثل اليوم بكامل أعضائها الذين سيحيطون برئيسها، والذي كان معدوماً في جلسة الموازنة، حيث جلس الرئيس دياب وحيداً في الصفوف الحكومية، فيما مسألة الحضور النيابي والنصاب القانوني يبقى رهن الإجراءات المتخذة في الخارج، ومن يكسر مَنْ في الكباش الحاصل بين السلطة والشارع، لكن اللافت، ان الكتل النيابية التي أعلنت انها ستحجب الثقة عن الحكومة، مثل كتلة «المستقبل» وكتلة «القوات اللبنانية» ستحضران الجلسة لتأمين الثقة للحكومة رغم معارضتها لها، بخلاف الشارع المنتفض الذي انسجم مع نفسه بحجب الثقة، وكذلك كتلة «الوسط المستقل» التي يرأسها الرئيس نجيب ميقاتي، التي أعلنت مقاطعة الجلسة والثقة، والموقف نفسه أعلنه عدد من النواب المستقلين، وكتلة الحزب السوري القومي الاجتماعي.

النصاب مؤمن بالمعارضة؟

وإذا كانت الثقة محسومة لصالح من سمى الرئيس دياب، ولو كان البعض خرج من هذا التكليف إلى عدم المشاركة وحجب الثقة، مثلما حصل مع الحزب القومي والنائبين شامل روكز ونعمة افرام، ولكن بشرط نجاح السلطة في تأمين النصاب، فإن هذا النصاب سيتأمن بفضل النواب المعارضين مدفوعين بشهية التصويب على الحكومة الجديدة، ولو تحت عنوان «عدم التعطيل»، رغم محاولات جرت على أكثر من جبهة لتقليص عدد طالبي الكلام، جوبهت الكتل المعارضة التي ترى في الجلسة فرصة للتركيز على الحكومة وعلى الطريقة التي جاءت بها إلى الحكم، مما يبقى سياق الجلسة التي حددها الرئيس نبيه برّي بيومين صباحية ومسائية رهن مجريات الأمور في الداخل والخارج، خصوصا بعد توسيع الرقعة الأمنية، وصعوبة خروج النواب في حال وصلوا وأمنوا النصاب، وسط محاصرة على محورين لمداخل المجلس، امنياً وسط منطقة معزولة تماماً ببلوكات الباطون والاسلاك الشائكة واستنفار القوى الأمنية والجيش، وشعبياً من خلال محاولات سيسعى إليها الحراك للتقدم إلى ساحة النجمة بهدف اسماع صوته إلى المجتمعين في الداخل (لا ثقة) ومحاولات لمنع النواب من الوصول إلى الساحة.

ولوحظ ان اعداداً لا بأس بها، بدأت بالتوافد مساء أمس إلى ساحة الشهداء، من مختلف المناطق اللبنانية، من طرابلس والبقاع والاقليم، ومن الجبل، وباتوا ليلتهم في الخيم استعداداً للجلسة اليوم التي يعتبرها الحراك بمثابة استحقاق مفصلي لانتفاضة 17 تشرين.

ونظمت مسيرات سيّارة في شوارع العاصمة والضواحي، وصولاً إلى جونيه وصيدا، رفعت الإعلام اللبنانية، ودعت المواطنين إلى المشاركة في الاحتجاجات التي ستقام اليوم لمنع النواب من الوصول إلى المجلس، تحت شعار «لا ثقة».

ومن جهتها، أعلنت قيادة الجيش في بيان لمديرية التوجيه، ان وحدات من الجيش اتخذت إجراءات أمنية استثنائية في محيط مجلس النواب والطرقات الرئيسية والفرعية المؤدية إليه. ودعت القيادة المواطنين إلى التجاوب مع التدابير المتخذة وعدم الاقدام على قطع الطرقات انفاذاً للقانون والنظام العام وحفاظاً على الأمن والاستقرار، مع التأكيد على دورها في حماية مؤسسات الدولة والاستحقاقات الدستورية، كما على أحقية التظاهر والتجمع السلمي في الساحات العامة.

في كل الأحوال، وعلى افتراض تأمن النصاب، بأكثرية نصف عدد النواب زائداً واحداً، أي 65 نائباً، فإن الحكومة، تملك الأغلبية التي تتيح لها نيل الثقة، استناداً إلى عدد الأصوات التي نالها الرئيس دياب لدى تكليفه أي 69 صوتاً، لكن هذا الرقم تناقص لاعتبارات سياسية وشخصية لدى عدد من النواب المستقلين مثل النواب: جهاد الصمد، وجميل السيّد، ونواب كتلة الحزب القومي، بحيث يتقلص عدد مانحي الثقة إلى ما بين 63 و65 صوتاً، فيما يحجبها نواب «المستقبل» (19نائباً) اللقاء الديموقراطي (9 نواب) و«القوات اللبنانية» (15 نائباً) والنائب فؤاد مخزومي. علماً ان عدد المقاطعين للجلسة سيكون بدوره كبيراً، إذ انضمت كتلة الرئيس ميقاتي (4 نواب) إلى الغياب مع كتلة حزب الكتائب (3 نواب) مع كتلة الحزب القومي (3 نواب) والرئيس تمام سلام والنواب: ميشال المرّ (لأسباب صحية) اسامة سعد، نعمة افرام، شامل روكز، نهاد المشنوق، بولا يعقوبيان، وادي دمرجيان، الذي يتجه إلى عدم منح الثقة اذا حضر.

الحريري: هجوم على التيار

أما الحريري فقد أوضح  في دردشة مع الصحافيين بعد ترؤسه عصر امس اجتماعا لـ«كتلة المستقبل» النيابية في «بيت الوسط»، ان إحياء ذكرى 14 شباط في «بيت الوسط» هذا العام هو «لتوجيه رسالة لكل من يحاول إقفال هذا البيت، وللتأكيد بأنه سيبقى مفتوحا لكل الناس»، وقال: «وحدها دماء رفيق الحريري هي التي استعادت السيادة للبنان».

وفي ما يشبه بداية حملة على «التيار الوطني الحر» والعهد عموماً، اعتبر الحريري ان الذين يحاولون اقفال «بيت الوسط» هم أنفسهم الذين حاولوا اقفال بيت رفيق الحريري باغتياله، مضيفاً، في إشارة إلى كلام سابق للرئيس ميشال عون: «هناك ناس بتعطي وان واي تيكيت ومش قدها».

وتابع: «ماذا فعل «التيار الوطني الحر»، فليدلني أحد على إنجاز واحد قام به التيار للاقتصاد الوطني منذ 30 عاماً».

ولاحقاً، اكمل المكتب السياسي لتيار «المستقبل» هجومه على التيار العوني، رداً على ما اسماه «الحملة المتجددة على الحريرية الوطنية» مشبهاً المرحلة بالظروف السياسية بالذي كانت عليه البلاد في تسعينات القرن الماضي من معارك عبثية الغائية وبخطاب عنصري وطائفي بغيض، واصفاً هؤلاء بالعبثيون العابثون بمصير الوطن والمواطن».

العظة المدوية

وخارج هذا السجال، وربما على مقربة من ساحة النجمة، بقيت عظة مار مارون لمطران بيروت للموارنة بولس عبد الساتر، محور الحدث السياسي، لا سيما وأنها توجهت مباشرة إلى الرؤساء الثلاثة: ميشال عون ونبيه برّي وحسان دياب، الذين كانوا في صدارة الحاضرين، مع عدد كبير من المسؤولين، فيما خاطبهم قائلاً: «أما ان تصلحوا الخلل في الأداء السياسي والاقتصادي والمالي والاجتماعي، وان تعملوا مع الثوار الحقيقيين على إيجاد ما يؤمن لكل مواطن عيشة كريمة، والا فالاستقالة اشرف».

علماً أن هؤلاء المسؤولين كانوا ينتظرون دعوة الاستقالة من الثوار خارج جدران الكنيسة في الجميزة، حيث تحسبوا لها بنشر أرتال من القوى الأمنية والعسكرية لحمايتهم، لكن «الهزة» جاءتهم من الداخل، ولم تكن مدرجة في حساباتهم، فتفاوتت ردّات الفعل ازاءها بين من اعتبر نفسه غير معني فصفق بحرارة، ومنهم من بلع الموسى فسكت، ومنهم من تجاهل بإعتباره لا يتحمل المسؤولية، ومنه من حاول قراءة رسائل مطران بيروت على طريقته، وبما يناسبه، لكن في الحقيقة كانت الرسالة واحدة، وهي الاستقالة لمن هو غير قادر أو عاجز عن الحل، وهي الرسالة التي اعتبرها كثيرون، ان الكنيسة المارونية اصطفت إلى جانب الانتفاضة، لا سيما وان البطريرك الماروني بشارة الراعي، الذي كان موجوداً في الفاتيكان، صلى في المناسبة على نية ثوار الانتفاضة.

واللافت ان العظة التي باتت وثيقة كنسية، بالنظر إلى انها توجهت مباشرة إلى الرؤساء وتجاهل الإعلام الرسمي ردود الفعل عليها، انتهت بعبارة شكلت بحد ذاتها «جرس إنذار»، أو «تهديد» بعد «الاستقالة أشرف».

استشهاد 3 عسكريين

على صعيد آخر، نعت قيادة الجيش – مديرية التوجيه، العسكريين الثلاثة الذين استشهدوا قبل ظهر الأحد في منطقة المشرفة – الهرمل، إثر تعرض آلية عسكرية لكمين مسلح وإطلاق نار أثناء ملاحقة سيارة مسروقة، وهم: الرقيب الأول علي اسماعيل والرقيب الأول أحمد حيدر أحمد والجندي حسن عز الدين. وقد شيعوا أمس، فيما توالت، المواقف المنددة بالتعرض للمؤسسة العسكرية على لسان المرجعيات السياسية والروحية، في حين استغربت مصادر سياسية عدم صدور أي موقف من بعبدا.



أخبار ذات صلة

من سيقدم المشورة القانونية لسندات لبنان الدولية؟
لا كمامات في بعض قرى الجنوب
جرحى في عملية دهس في المانيا