بيروت - لبنان 2019/10/17 م الموافق 1441/02/17 هـ

«ثورة الرغيف» بوجه الفساد والمديونية.. والطبقة السياسية تنقسم!

الراعي يدافع عن سلامة.. وبعبدا تتساءل لماذاً التصويب على الرئيس دون سواه؟

ثورة رغيف الخبز تعم مختلف المناطق (تصوير: جمال الشمعة)
حجم الخط

وفقاً لما اشارت إليه «اللواء» في عددها السبت الماضي، صرخة معبرة عن عمق معاناة فقراء لبنان، وحتى ميسوريه، العاطلين عن العمل، أو الذين فقدوا أعمالهم.. من جرّاء السياسات الخاطئة أو المتهورة، والمعالجات الاقتصادية، التي ادخلت حتى رغيف الخبز، في بازار التسابق على نهب الثروة الوطنية وتقاسمها، في تجربة لم يعتد عليها اللبنانيون، في أسوأ ظروف الحرب الكبيرة منها والصغيرة..

وبدل ان تلتفت الطبقة السياسية إلى صرخة النّاس، التي سمّاها أصحابها «بثورة الرغيف» راحت تسوق الاتهامات ذات اليمين وذات الشمال، تارة بكلام عن «متطفلين» أو مشاغبين أو مندسين أو طابور خامس، وتارة تصوير ما يجري بأنه استهداف للعهد..

وبصرف النظر عن دروع فهود قوى الأمن وهراواتهم، وإصابة متظاهرين، وضابط وعناصر آخرين، فإن المراقبين الدبلوماسيين والاعلاميين الأجانب، يصفون ما جرى من قطع طرقات واشعال اطارات بأنه «قمة جبل الجليد» رفضاً للقهر والكبت والقلق، بتعبير وكالة «رويترز».

وبانتظار انكشاف الأبعاد لما جرى من تحركات، مرشحة للإستمرار، اعتبرت دوائر العهد أن التحرّك موجّه ضده وضد تياره، في وقت توجه فيه الرئيس سعد الحريري إلى باريس لتمثيل لبنان في وداع الرئيس جاك شيراك، على ان ينقل إلى الرئيس ايمانويل ماكرون تعازي اللبنانيين باسم الرئيسين ميشال عون ونبيه برّي والحكومة اللبنانية.

الأزمة تحت ضغط الشارع

مثلما كان متوقعاً، انفجرت الأزمة الاقتصادية- المعيشية في الشارع، بسبب استفحال المشكلات اليومية، واخرها شح الدولار والمضاربات على الليرة في السوق السوداء، ما انعكس خوفاً من فقدان بعض السلع الأساسية كالمحروقات والطحين والدواء، عدا عن ارتفاع الأسعار، من دون إجراءات سريعة كان يفترض اتخاذها من قبل المصرف المركزي ووزارة المال وجمعية المصارف والجهات الرسمية المعنية، وليس الانتظار حتى يوم غد الثلاثاء للمعالجة، وهي بحسب مصادر متابعة لن تكون إجراءات جذرية، بل ترقيع بينما يستمر فلتان الدولار،  بانتظار ما سيصدر اليوم عن حاكم مصرف لبنان رياض سلامة من مواقف بالنسبة لأزمة النقد، في ضوء الاجتماع الذي سيتم صباحاً مع رئيس الجمهورية ميشال عون في بعبدا.

وفيما أرجئت جلسة مجلس الوزراء التي كانت مقررة اليوم إلى عصر غد الثلاثاء، بسبب سفر الحريري إلى باريس، كان لافتاً للانتباه دخول رأس الكنيسة المارونية البطريرك بشارة الراعي على خط دعم الحاكم سلامة في وجه محاولات تحميله وزر أزمة شح الدولار، وفلتان سعره في السوق الموازية، كما كان لافتاً تجاهل المسؤولين للتحذيرات التي أطلقتها الهيئات الاقتصادية والنقابية والمجتمع المدني بضرورة الاستعجال بدل التلكؤ في معالجة الأزمة الأخيرة، على رغم تأكيد الجميع انها جزء من الأزمات الاقتصادية المتلاحقة التي لم تجد حلولاً بالرغم من انها موجودة، سواء عبر قرارات مؤتمر «سيدر» أو خطة «ماكينزي» أو حتى في ورقة بعبدا الاقتصادية.

وبحسب وزير الشباب والرياضة محمّد فنيش، فإن ما حصل في الشارع وقبله مسألة شح الدولار، والارباك في سوق النقد والمحروقات هي نتيجة الأزمة الاقتصادية والمالية التي يعانيها البلد منذ أعوام.

وأضاف لـ «اللواء»: ان التظاهر والاعتصام والاحتجاج حق مكفول للناس، لكن شرط عدم تخريب المنشآت العامة.

وقال: «هذه الأزمة المستجدة هي قيد المعالجة، لكن الحل ليس بكبسة زر نتيجة التراكمات الكبيرة والقديمة»، مشيراً إلى ان «الجهات المعنية بدأت بالمعالجة ويجب ان ننتظر النتائج».

الراعي يدعم سلامة

وكان البطريرك الراعي، قد دعا السياسيين في عظة الأحد، إلى الكف عن التراشق بالتهم، والعمل بروح المسؤولية على إيجاد السبل السريعة والناجحة للخروج من الأزمات الاقتصادية والمالية والمعيشية، مشيرا إلى ان المقلق في هذه الأزمة هو محاولة التنصل من المسؤولية ورميها على رجل واحد أو مؤسسة واحدة، فيما الدولة بكل اركانها ومؤسساتها هي المسؤولة، ولم تقم بأي خطوة إصلاحية أو مبادرة عملية لالتزامها بوقف الهدر والفساد أو حتى لمجرد التقشف في المظاهر».

وفي جريمة دعم قوية، قال البطريرك الراعي: «ليس من المقبول التصويب على مصرف لبنان برئاسة حاكمه الذي حاز على التقدير الدولي، ونجح في الحفاظ على الاستقرار النقدي في هذه الظروف الضاغطة اليوم كما الامس»، لافتاً إلى ان البحث عن كبش محرقة لن يؤدي الا إلى زعزعة الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي والمالي والنقدي، وبدلا من الهروب من المسؤولية ورميها على الغير يجب على السلطة القائمة تحمل مسؤولياتها».

تساؤلات عونية

وعلى خط مواز، فتح الرئيس عون، منذ لحظة عودته إلى بيروت من نيويورك، خطوط الاتصالات بين بعبدا وكل المسؤولين الماليين والاقتصاديين في مقدمهم وزير المال علي حسن خليل والحاكم سلامة للبحث عن مآل الأوضاع وسبل العلاج، خصوصاً بالنسبة إلى أزمة نقص الدولار في الأسواق.

وعلم في هذا السياق، ان الرئيس عون كان يستفسر من المعنيين عن أسباب تفاقم أزمة شح الدولار، بعدما كانت قيد السيطرة قبل سفره، وتساءل عن مصير الدولارات وأين ذهبت، بعدما كانت مكدسة في المصارف؟ كما استفسر عن الحلول السريعة والممكنة قبل تفاهم الأزمة أكثر.

وسألت مصادر مقربة من رئيس الجمهورية عبر لـ«اللواء» عن سبب التصويب على العهد وسيده في حين انه صاحب الحلول الكبرى وأنه تصرف بمسؤولية في مواقف محددة وقدم مقترحات في الورقة الأقتصادية وتعاطى مع القضايا ضمن المصلحة الوطنية ودعم خطة الكهرباء وحمل شعار مكافحة الفساد، في حين قدم تكتل لبنان القوي مشاريع قوانين كرفع السرية المصرفية عن المسؤولين والأموال المنهوبة فضلا عن دعمه مكافحة التهرب الضريبي وعدم اثقال كاهل المواطن؟

وسألت المصادر: نريد أن نعرف من المسؤول عن تأجيل بت كل هذه الأمور ولماذا استغلال عناصر تأزيم الأزمة ولكننا نحن لا ننكر ان هناك شعبا متألما.

وقالت: ان العهد قد يضطر الى تسمية الأمور بأسمائها دون ان يكون الهدف تقاذف الأتهام انما الأتيان بالحلول الى طاولة القرار الأجرائي او التشريعي، مشيرة الى أهمية مواقف عون في نيويورك في الملفات التي تناولتها كلمته واللقاءات التي عقدها وقالت: عاد من هناك ورأى بأم العين الإستغلال لعناصر تأزيم الأزمة بصورة اعتباطية او مفاجئة، لماذا؟

واضافت: هل قيض للرئيس ان تتبع سياسته او مقترحاته او مقترحات تكتل لبنان القوي سواء في الكهرباء والموازنة والأصلاح وظهر ما يسمى بالثورة اليوم؟ لذلك قال الرئيس عون في طريق العودة من نيويورك لا ادري ماذا يحصل في بيروت.

واوضحت انه عندما تحدث عن وزير المال وحاكم مصرف لبنان فكان بسبب توزيع المسؤوليات عليهما وفق اجتماع بعبدا بحيث طلب من الأول تمويل معين والأفراج عن دفعات المستشفيات والمقاولين ومن الثاني اعادة تحريك القروض الأسكانية مثلا.

وقالت: يجب ان نعرف لماذا الأن وسوف نتصدى لهذا السؤال وقد نسمي الأمور بأسمائها والأمر متروك لتقدير الرئيس عون في التوقيت المناسب دون ان يعني الأتهام او تقاذف الأتهامات انما قول الكلام المسؤول ورئيس الجمهورية هو مسؤول عن سلامة الأرض والشعب.

احتجاجات متنقلة

إلى ذلك، كان لافتاً للانتباه، ان تحركات الاحتجاج المنظمة والعفوية، امتدت من بيروت إلى المناطق وشملت كل لبنان، ولو بنسب متفاوتة، وكان ثمة «مايسترو» يقودها، على الرغم من عدم وجود رأس للمتظاهرين، وابتعاد الأحزاب السياسية عن الانخراط بينهم، باستثناء حزب «سبعة» الذي أعلن مشاركته رسمياً رافعاً شعار «استعادة الأموال المنهوبة» واجراء انتخابات نيابية مبكرة». لكن نشطاء هذا الحزب انكفأواعن الاستمرار في التظاهر بعد الاصطدامات التي حلت بين القوى الأمنية والمتظاهرين الذين حاولوا اجتياز الحواجز والأسلاك الشائكة للدخول إلى السراي الحكومي ورشق القوى الأمينة بالزجاجات الفارغة والحجارة، واستمرت هذه المحاولات على فترات طيلة ساعات النهار، قبل ان تنتقل حركات الاحتجاج إلى الخطة «ب» وهي قطع الطرقات وشرايين التواصل إلى وسط العاصمة، من خلال قطع جسر «الرينغ»، وطرقات بشارة الخوري والباشورة، بالاطارات المشتعلة ومستوعبات النفايات، وحتى بالفواصل الاسمنتية ما تسبب بأزمات سير في الشوارع والطرقات الخلفية، وبقيت هذه الشوارع مقفلة لغاية الخامسة عصراً، وهو الوقت نفسه تقريباً، الذي أفادت فيه غرفة التحكم المروري التابعة لقوى الأمن الداخلي، عن إعادة فتح طريق شتورة - بعلبك عند منطقة جلالا من قبل الجيش، وكذلك فتح طريق صوفر - المديرج، وفتح اوتوستراد المتن السريع باتجاه بعبدا، واوتوستراد صيدا - صور عند محلة الزهراني، واوتوستراد طرابلس - بيروت في محلة رأس مسقا، ولكن ما لبثت حركة الاحتجاجات ان تجددت مساءً، بقطع طريق صيدا القديمة - الشويفات وقطع طريق الفرزل - الكرك وكذلك طريق عام كفردجال  حبوش - النبطية بالاطارات المشتعلة وطريق بخعون الضنية، فيما افيد عن مسيرة على طريق تعلبايا وسعدنايل باتجاه زحلة، كما عمد شبان إلى إشعال الاطارات عند مفرق بلدة منيارة في عكار تضامناً مع الاعتصامات الاحتجاجية.

وفي طرابلس، وبخلاف صيدا التي نفذ فيها العشرات من أبناء المدينة تظاهرة جابت الشوارع احتجاجاً على تردي الأوضاع الاقتصادية، فقد شهدت اعتصاماً في ساحة عبد الحميد كرامي، عمد خلاله المشاركون إلى إحراق شعارات سياسية كانت رفعت في وقت سابق في الساحة واضرموا النار في عدد من الاطارات، واقدم عدد من المحتجين إلى إزالة صور للرئيس الحريري واحراقها في الساحة، كما تمّ إحراق صورة أخرى للرئيس نجيب ميقاتي، وأفيد عن تظاهرة جابت شوارع طرابلس مطالبة بإسقاط العهد والوزير باسيل.

وفيما ذكرت معلومات ان حركة الاحتجاجات قد تتجدد اليوم، اثنت وزيرة الداخلية ريّا الحسن على أداء القوى الأمنية، والانضباط الذي تميز به عناصرها، مما فوت على المتظاهرين اخذهم إلى مكان آخر، في إشارة إلى المحاولات التي جرت للاصطدام بين المتظاهرين والقوى الأمنية، سواء في ساحة رياض الصلح، أو تحت جسر الرينغ، ما أدى إلى إصابة ضابط و3 عناصر بجروح نتيجة هذه الاشتباكات.

لكن مواقع التواصل الاجتماعي، ووسائل إعلامية بثت مقطعاً من شريط فيديو يظهر اقدام عناصر من قوى الأمن تنهال بالضرب على أحد المواطنين تحت جسر فؤاد شهاب، أثناء التظاهر.

وأوضحت مديرية قوى الأمن في بيان ملابسات هذا الحادث بأن 5 عناصر من قوى الأمن حوصروا تحت الجسر من قِبل مواطنين مقنعين واقدموا على رشقهم بالحجارة والمواد الصلبة، كما جرى نزع الدروع منهم، وتحطيم احداها عليهم، فقام العناصر بردة فعل عنيفة وشديدة وتعرضوا لبعض المهاجمين بالضرب،ولا سيما الشاب الذي ظهر بالفيديو، وقد اصيب أحد العناصر الذين تعرضوا للرشق والضرب ونقل إلى المستشفى.

وكشف البيان، ان العناصر الذين ظهروا في شريط الفيديو أوقفوا فوراً لأنهم لم يحافظوا على رباطة جأشهم، الا ان المديرية اثنت على الانضباطية والالتزام بالقانون وقامت قطعات قوى الأمن بواجباتها في الحفاظ على حرية التعبير ضمن القانون.



أخبار ذات صلة

الرئيس الحريري مترئساً جلسة مجلس الوزراء في السراي وحوله الوزير سليم جريصاتي وأمينا رئاسة الجمهورية انطوان شقير ورئاسة الحكومة مكية (تصوير: طلال سلمان)
خليل لـ «اللواء»: أصبحنا في الشوط الإضافي الأخير والجلسة النهائية [...]
جريدة اللواء 17-10-2019
ذهول ورعب إزاء ما خلّفته الحرائق من اضرار في الأحراش والوديان والممتلكات والمنازل (تصوير: طلال سلمان)
تمديد جلسات مجلس الوزراء: الموازنة قبل الإثنين أو خراب البصرة!