بيروت - لبنان 2019/06/27 م الموافق 1440/10/23 هـ

سقوط المبادرة الرئاسية يُعيد أزمة التأليف إلى المربّع الأول

عون يصعِّد.. وبرّي قلق.. وحزب الله متمسِّك بموقفه

حجم الخط

وسط التطورات الميدانية في الإقليم، بدءاً بالانسحاب الأميركي من الداخل السوري، والذي أطلق يد إسرائيل عسكرياً في سوريا، حيث تجددت الغارات الصاروخية على المواقع الإيرانية وحزب الله، قرب دمشق، والتي كادت ان تُهدّد الطيران المدني بكارثة إنسانية في الأجواء اللبنانية، بحسب تعبير وزير الاشغال يوسف فنيانوس، مروراً بالانتهاكات الإسرائيلية المستمرة في الجنوب، ولو كان غرضها الصراع على الحكومة الإسرائيلية، بعد حل الكنيست ايذاناً بانتخابات مبكرة في نيسان، ثم تحريك الشارع تحت عناوين اجتماعية واقتصادية لمحاربة الفساد والبطالة والهجرة، وان كان ضمن لعبة «عض الأصابع»، لم تعد مسألة تأليف الحكومة في لبنان سوى تفصيل صغير، لا يثير اهتمام أحد من الدول الكبرى، لا سيما بعد انفجار الخلافات بين المعنيين بالتشكيل، «قبل وصول اللقمة إلى الفم» كما يقول المثل الشائع، ما أعاد الوضع الحكومي إلى «عنق الزجاجة»، بسبب سقوط المبادرة الرئاسية لحل عقدة تمثيل سُنة 8 آذار، لاعتبارات ما تزال يشوبها الكثير من الالتباسات والغموض، خصوصاً وان أطرافها كانوا دائماً في «الخندق الواحد»، الأمر الذي حمل الرئيس نبيه برّي إلى الاعراب عن خشيته من «قطبة مخفية» لها علاقة بالخارج، في أول إشارة منه إلى علاقة العجز عن تأليف الحكومة، بالتطورات الإقليمية، وان كان لم يصل إلى حدّ اتهام الخارج بالتواطؤ لتعطيل الحكومة، في حين لم يتوان الرئيس ميشال عون، من بكركي، في يوم الميلاد، من تصعيد موقفه حيث اتهم البعض صراحة «بخلق تقاليد جديدة في تأليف الحكومة لم نألفها سابقاً، ونحتاج لبعض الوقت لإيجاد الحلول لها»، من دون ان يُحدّد من هو هذا البعض؟ وماذا يقصد؟ وان كان واضحاً ان المقصود هي الجهات التي كانت وراء نسف مبادرته الأخيرة لإخراج الحكومة من عقدة تمثيل «اللقاء التشاوري» لسُنة 8 آذار، وبالتالي إجهاض الأمل بولادة الحكومة في الميلاد، حيث «اختنقت فرحة العيد من قبل أصحاب القلوب الفارغة من الولاء للوطن والاخلاص للشعب»، بحسب تعبير البطريرك الماروني بشارة الراعي في عظة الميلاد، وأمام الرئيس عون الذي كان حاضراً.
لا حراك ولا مبادرات
وكانت عطلة الميلاد، طغت على الحركة السياسية التي لم تشهد أي حراك ولو بالواسطة من اجل دفع عملية تشكيل الحكومة الى الامام، ولو خطوة تعالج احدى العقد المستحكمة بالتشكيل، وتبشّر بقرب الفرج على البلاد والعباد، لكن المبادرات تعطلت إن لم تكن قد اجهضت بالكامل حتى الآن على الاقل، ما يدفع بعض الاوساط السياسية المتابعة الى ترقب امر من اثنين: تفعيل مبادرة رئيس الجمهورية لمعالجة مسألة تمثيل «اللقاء التشاوري للنواب السُنة المستقلين» بعد تعديلها لجهة آلية اختيار من يمثل اللقاء، او طرح مبادرة جديدة تختلف فيها المعايير المعتمدة. وإما تفعيل الاتصالات واللقاءات لمعالجة مسألة تبديل الحقائب التي اقترحها رئيس «التيار الوطني الحر» الوزير جبران باسيل وتبنى بعضا منها الرئيس المكلف سعد الحريري، الذي لا يزال يلتزم الصمت في دارته في «بيت الوسط» من دون ان يجري أي لقاءات أو مشاورات في الإعلام.
وقالت مصادر سياسية مطلعة على أجواء بعبدا لـ«اللواء» ان أي شيء جديد لم يحصل، مع أي تطوّر، مرجحة ان تبقى الأمور جامدة، إلى ما بعد السنة الجديدة، ريثما يتم خرق ما في مكان ما.
واللافت انه لم يصدر عن بعبدا أي إيضاح عن الجهات التي قصدها الرئيس عون بإنشاء تقاليد واعراف جديدة في تأليف الحكومة، الا ان مصادر متابعة ومطلعة على توجهات الرئيس عون اوضحت «ان الرئيس لم يقصد بالتأكيد حزب الله وحده انما اطرافا اخرى ايضا، واللبيب من الاشارة يفهم، ويعرفون انفسهم اذا ارادوا ان يفهموا». وقالت المصادر: ان الامور مجمدة الان الى الاسبوع المقبل على اقل تقدير لدى كل المرجعيات المعنية بتشكيل الحكومة، لعل شيئا ما يظهر بعد تهدئة النفوس والعقول».
ولفتت إلى ان الرئيس عون اكتفى بهذا الكلام حتى الآن ريثما تأخذ الأمور منحى اخر وتحصل حلحلة وليس واضحا ان بعبدا ستعطي اي شروحات في الوقت الحاضر على الاقل افساحا في المجال امام اتصالات اكثر هدوءا بعيدا عن التشنجات. واكتفت المصادر نفسها بالقول ان الاتصال الذي أجراه الرئيس المكلف سعد الحريري برئيس الجمهورية كان للمعايدة.
وأوضحت المصادر ان خلوة بكركي التي جمعت رئيس الجمهورية والبطريرك الماروني صبيحة الميلاد تناولت مواضيع ثلاثة هي: الحكومة والوضع الاقتصادي والملف الاجتماعي، وانه جرى استعراض للصعوبات التي واجهت ملف تأليف الحكومة والعراقيل التي وضعت امامه وملف مشاركة «اللقاء التشاوري» وما يحيط به. اما في الملف الاقتصادي فكانت هناك اكثر من علامة استفهام حول مستقبل الوضع الاقتصادي اذا بقيت الامور على ما هي عليه وحصلت شروحات. وفي الملف الإجتماعي كان هناك نقاش في هذا الملف ككل. ولفتت المصادر الى ان الخلوة خصصت لعرض الامور اكثر من الخوض في التفاصيل.
وأكدت، من جهة ثانية، ان توقيع الرئيس عون مرسوم ترقية الضباط هو اجراء طبيعي مع نهاية العام، مع الإشارة إلى ان هذا الاجراء كان يتأخر سابقاً بعدما كانت تقوم حوله تسويات.
حزب الله وتجاوزات باسيل
أما مصادر «اللقاء التشاوري» فأوضحت من جهتها ان اي تحرك او اتصال لم يسجل لا خلال اليومين الماضيين ولا منذ تعطلت مبادرة تسمية اربعة شخصيات من اللقاء ليختار منها الرئيس عون اسماً، مشيرة الى ان المسألة باتت عند الرئيس عون في ماخص تفعيل مبادرته او تعديلها بالنسبة لتمثيل «اللقاء»، وعند الرئيس المكلف والوزير باسيل لجهة معالجة مسألة تبديل الحقائب التي اضافت تعقيدات اكبر من عقدة تمثيل «اللقاء التشاوري».
وعن سبب طرح الوزير باسيل لموضوع تبديل الحقائب الان، ذكرت مصادر متابعة للموضوع «انه بعدما اجرى التيار الحر مقاربة جديدة لتوزيع الحقائب ظهر لديه ان حقيبة الاعلام ليست حقيبة اساسية فطرح تبديلها بحقيبة اخرى مثل البيئة (التي خصص لها مؤتمر سيدرنحو مليار و400 مليون دولارلمعالجة مشكلة النفايات الصلبة) فطلب من الحريري باستبدالها بحقائب اخرى كالتربية او الصناعة او الزراعة، وهو ما لم يعجب لا الرئيس برّي ولا «حزب الله» الذي اندفع نحو توجيه رسالة شديدة اللهجة إلى رئيس الجمهورية، عبر سحب تسمية مرشّح «اللقاء التشاوري» جواد عدرة، لمنع ما وصفته مصادره «تجاوزات باسيل وضبط الامور»، معتبرة ان ما يقوم به بدأ يمس بالتحالف بين الطرفين.
وفي معلومات «اللواء» ان الثنائي الشيعي يحاول تجاوز سقطة وزير الخارجية الحكومية قدر الإمكان، وتبشر رغم قتامة المشهد السياسي بأن الأمل بتشكيل الحكومة ما زال موجوداً، ولكنها تستدرك كلامها الايجابي بالتاكيد وبشكل رسمي على لسان احد قيادييها على اصرارها على اعادة البحث مجددا في توزيع الحصص والحقائب اذا استمرت المماطلة وعرقلة التاليف، قائلة حرفيا «وليتحمل حينها الاصدقاء والحلفاء قبل الخصوم مسؤولية تصرفاتهم».
وتعتبر المصادر ان انزعاج حزب الله من اداء باسيل لم يصل الى حد اتهامه بتجاوز الخطوط الاستراتيجية العريضة لتفاهم مار مخايل ، وتؤكد بان الحزب ما زال يراعي باسيل ولا يجاهر علنا باستيائه منه كرمى الرئيس عون لا اكثر ولا اقل.
وتكشف المصادر بان باسيل طلب مرارا وتكرارا من حزب الله ضمانات ولو بشكل سري بانتخابه خلفا لعون بعد انتهاء ولايته، وحين لم يجد التجاوب المطلوب، او بشكل اوضح حين سمع بانه من المبكر الحديث في مسالة الرئاسة، بما يوحي بعدم رغبة الحزب عمليا في تبنيه، بدا بتجاوز الخطوط الحمر السياسية تارة عبر استهداف حليف الحزب الرئيس بري وتارة اخرى في الانتخابات النيابية ومؤخرا في عرقلة تشكيل الحكومة للاحتفاظ بالثلث المعطل للي ذراع الحزب واجباره على انتخابه.
بري: لست نادماً
أما الرئيس برّي، فأوضح امام «لقاء الأربعاء النيابي»: انه قدم كل ما يمكن من تسهيلات لتأليف الحكومة وانه لم ولن يندم على ما فعله في هذا الإطار، وانه «كان يجب ان تتشكل الحكومة قبل عيد الفطر ، لكن للأسف لم تتألف حتى الآن، ولا اريد ان احمل طرفا معينا مسؤولية ذلك». 
واشار الى ان «الإتصالات جامدة وأحد لا يقوم بأي خطوة في ملف تشكيل الحكومة بعد كلّ هذه العقد». وأعلن وفق ما نقل عنه النواب «اننا قلنا للرئيس الحريري منذ اليوم الأول إننا نريد 6 وزراء كثنائي شيعي علماً أنه يحق لنا بـ8 وزراء وبضرورة تمثيل النواب السنّة ونخشى من قطبة مخفية لها علاقة بالخارج».
واكد بري ان «لا حل إلا بالدولة المدنية فكل المصائب التي نعاني منها ناجمة عن الطائفية والمذهبية اللتين تستشريان أكثر فأكثر».
تظاهرة الحراك المدني
في غضون ذلك، بدأت تطرأ خلافات على منظمي الحراك المدني، بالنسبة إلى التظاهرات في الشارع، مما انعكس على ضآلة التحرّك الذي شهدته ساحة الشهداء عصر أمس، حيث اقتصر على مجموعة من الناشطين الذين تجمعوا امام نصب الشهداء في وسط بيروت استعداداً للقيام بتظاهرة شبيهة بتظاهرة الأحد الماضي التي كانت أكثر كثافة، لكن عدد المشاركين لم يتجاز بضع عشرات الذين أكدوا استمرار التحرّك الأحد المقبل، وواكبهم الجيش اللبناني، الذي كان حذرهم صباحاً بأنه سيتخذ إجراءات لحماية الممتلكات وحفظ الأمن، ومنعهم من قيام عناصر بالاندساس في صفوفهم.
وبالفعل انتهت التظاهرة بسلام من دون حصول أي احتكاك برجال الأمن، بعد ان انتقلت من ساحة الشهداء إلى مرفأ بيروت، لتنفيذ اعتصام رمزي للمطالبة بممارسة أعمال الرقابة ومنع التهريب، وقطع المتظاهرون الطريق عند جادة شفيق الوزان باتجاه شارل حلو، ما تسبب بزحمة سير كثيفة، ثم عاد المتظاهرون من المرفأ إلى ساحة رياض الصلح، عبر شارع المصارف، قبالة السراي، مطالبين بتشكيل الحكومة وتفعيل الرقابة والحد من اليد العاملة الأجنبية ووقف التهريب ووقف العجز الاقتصادي.
شكوى ضد إسرائيل
وفيما كانت الحدود الجنوبية مع الأراضي الفلسطينية المحتلة، تشهد المزيد من الانتهاكات الإسرائيلية حيث تصدى الجيش اللبناني لمحاولات من جنود الاحتلال لاختراق الخط الازرق، أثناء طمر عشرات الجرافات الإسرائيلية للانفاق التي قالت إسرائيل انه تمّ اكتشافها على الحدود بالباطون المسلح، بالإضافة إلى تفجير نفق قيل انه يمتد من قرية عيتا الشعب ويخترق الحدود، كادت الأجواء اللبنانية عُرضة لكارثة إنسانية كادت تصيب ركاب طائرتين مدنيتين بسبب الغارات الاسرائيلة التي استهدفت ليل أمس الأوّل مواقع في العمق السوري للحرس الثوري الإيراني ولـ«حزب الله»، الا ان العناية الالهية جنّبت الطائرات اللبنانية التي عادة ما تعبر الأجواء السورية إلى دول الخليج وإلى بيروت الاستباحة الإسرائيلية، فلم تكن في هذه الاثناء فوق الأجواء اللبنانية سوى طائرة عراقية كانت تنقل حجاجاً من النجف الأشرف وطائرة ثانية تركية في مدار الصواريخ الإسرائيلية والسورية.
وقال وزير الأشغال يوسف فنيانوس لـ«اللواء» ان الجانب الروسي تحدث عن مخاطر على الطيران المدني فوق الاجواء اللبنانية من احتمال حصول رد صاروخي سوري على الطيران المعادي الذي كان يقصف من فوق الاراضي اللبنانية، وهو خطر حقيقي كان يهدد الطيران المدني الذي كان يحلق وقت حصول الغارات.
واوضح ان الطائرتين اللتين كانتا تحلقان فوق مطار بيروت واحدة عراقية والثانية تركية، وانه ابلغ الرئيس سعد الحريري بالموضوع فتقرر رفع شكوى الى مجلس الامن نظرا للمخاطر التي يشكلها خرق الطيران المعادي للاجواء اللبنانية على حركة الطيران المدني.
وفي ضوء ما حصل، أدانت وزارة الخارجية اللبنانيّة الغارات الجوية الإسرائيلية، وأكدت على حق سوريا في الدفاع المشروع عن أرضها وسيادتها، ودعت الوزارة المجتمع الدولي ومجلس الأمن لإدانة هذه الغارات ولإستعمال الطائرات الإسرائيلية الاجواء اللبنانية لشن هجمات على دولة شقيقة، في خرق واضح للقرار 1701.
وأعطى وزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل تعليماته إلى مندوبة لبنان الدائمة لدى الأمم المتحدة لتقديم شكوى أمام مجلس الامن بالخروقات الإسرائيلية الخطيرة التي تهدّد الإستقرار في المنطقة، والتي شكلت خطراً على حركة الطائرات المدنية وكادت تتسبب بكارثة جوية كبيرة.



أخبار ذات صلة

جريدة اللواء 27-6-2019
الرئيس بري خلال الجلسة
جرعة نيابية للتسوية.. وخطاب للحريري اليوم يسبق المصالحة مع جنبلاط
حذاري غضب الناس من الحركات المطلبية..