بيروت - لبنان 2019/11/19 م الموافق 1441/03/21 هـ

لاءات نصر الله تشطر الشارع... وباسيل عقدة المخرَج الحكومي!

غويتريش لحوار بين الحكومة والمتظاهرين.. ومخاوف مصرفية من فتح البنوك قبل الإستقرار

قوة من قوى الأمن تحاول فض الإشتباك بين المتظاهرين وعناصر مؤيدة لحزب الله (تصوير: جمال الشمعة)
حجم الخط

... في اليوم التاسع، أخذت احداث انتفاضة الشعب اللبناني ابعاداً، تنم عن إعادة فرز الأوضاع السياسية، بين محور السلطة، والثنائي الرافع لها: حزب الله والتيار الوطني الحر، ومعهما باقي الأركان من رئيسي المجلس النيابي والحكومة والنائب السابق وليد جنبلاط، وقوى سياسية أخرى، ومحور ثانٍ، قوامه حراك الشارع، ومن ورائه قوى سياسية، في المعارضة أو انضمت إليها كحزب «القوات اللبنانية» فضلاً عن قوى يسارية ومجموعات المجتمع المدني، ومجموعات طلابية وشبابية ومئات المجموعات وأكثر من 2000 موقع الكتروني..

الجديد، انقسام الشارع، المنتفض إلى شارعين، وسط تحذير الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصر الله من ان يؤدي الفراغ في السلطة إلى الانهيار، مشيراً: لا نقبل إسقاط العهد، ولا نؤيد استقالة الحكومة، ولا نقبل الآن بانتخابات نيابية مبكرة.

مع العلم ان السيّد نصر الله، على الرغم من لاءاته التي ألهبت الشارع، وشطره إلى نصفين، في عملية ظن اللبنانيون انها أصبحت من ماضي تصنيفاتهم.. أبقى الباب مفتوحا للحل، عبر نقاش يسبعد «الفراغ القاتل».

ومع ان جهات رسمية، تحدثت عن إجراءات سيقوم بها اليوم الجيش وقوى الأمن وتهدف إلى فتح الطريق وتسهيل تنقل المواطنين، دعا الأمين العام للأمم المتحدة انطونيو غوتيريش أمس إلى «الحوار» في لبنان الذي يشهد حركة احتجاج تطالب برحيل كل الطبقة السياسية. وقال خلال لقاء مع الإعلام ردا على سؤال حول الرسالة التي يوجهها إلى رئيس وحكومة لبنان «رسالتي بسيطة جدا (...) على البلاد معالجة مشاكلها بالحوار». واضاف: «أدعو إلى أقصى درجات ضبط النفس وعدم اللجوء إلى القوة ان من جانب الحكومة أو من جانب المتظاهرين».

تحذير نصر الله

ولعل أخطر ما في كلام السيّد نصر الله، في نظر مصدر سياسي، هو تسييس انتفاضة الحراك الشعبي، وربطها بالمحور المناهض لمحور المقاومة، واتهامها بالارتباط بأجهزة مخابرات أجنبية، وكذلك تحذيره من ان «الوضع في لبنان دخل في دائرة الاستهداف الإقليمي والدولي، وهذا يعني، بحسب المعطيات التي قال السيّد نصر الله انه يملكها، وجود مساعٍ لجر البلاد إلى حرب أهلية، على غرار ما حصل في دول عربية عدّة لم تخرج منها إلى الآن».

وعلى الرغم من تأكيد السيّد نصر الله استعداده لدفع ضريبة حماية البلد سياسياً، إلا ان ما حدث في أعقاب انتهائه من إلقاء كلمته، سواء في وسط بيروت، حيث كانت تجددت أعمال الشغب والتوتر بين مجموعات تدين الولاء لحزب الله، ومجموعات أخرى من المتظاهرين، قبل ان تترك لاحقاً ساحتي الشهداء ورياض الصلح، تلبية لدعوته، ومن ثم انطلاق هؤلاء وغيرهم من جمهور المقاومة في مواكب هائلة من السيّارات والدراجات النارية، جابت احياء وشوارع الضاحية الجنوبية ومدناً وبلدات جنوبية وبقاعية، تأييداً للسيد نصر الله، في مشهد أعاد إلى الأذهان الاصطفافات السابقة التي كانت تعتمد على تعبئة الشارع في مقابل شارع آخر، رغم ان الشارع الجديد الذي ولد من رحم انتفاضة 17 تشرين لا يعترف بالخصومة الطائفية، ولا بالتفرقة المناطقية ويعتبر لبنان واحداً، ويحصر خطابه في مطالب حياتية واجتماعية، وضد الفقر والجوع والعوز والكرامة الإنسانية.

وفي هذا السياق، لفتت مصادر سياسية إلى انه ما لم تتم معالجة الوضع الذي نشأ عن تطوّر الأحداث في الأيام التسعة من الانتفاضة، خلال 4 أيام، فإن البلاد ذاهبة في اتجاه وضع مزعج أبعد بكثير من المطالب المعلنة، وابعد من مسألة تغيير الحكومة، مشيرة إلى ان ما يجري في بلدة الفاكهة البقاعية بين متظاهرين ومناصرين لحزب الله، حيث افيد عن سقوط قتلى، وكذلك ما حدث في قصقص حين تعرض موكب الدراجات أثناء عودتها إلى الضاحية من وسط بيروت، إلى إطلاق نار، مؤشر على احتمال تدهور الوضع بين المحورين (بحسب تصنيف حزب الله)، ما دفع الامين العام للأمم المتحدة انطونيو غوتيريش الدعوة إلى ضبط النفس في لبنان وعدم استخدام العنف سواء من الحكومة أو من المتظاهرين.

لكن قناة «المنار» الناطقة بلسان حزب الله نقلت عن مصادر مسؤولة قولها، بأن الدولة ستكون بأذرعها كافة على الأرض اليوم لحماية المتظاهرين وتسهيل حركة المواطنين لجهة التنقل في الشوارع وبين المناطق في إشارة إلى عزم الدولة على فتح كل الطرق المقفلة أو المقطوعة من قبل المتظاهرين، وكان آخرها في بيروت قطع التقاطع فردان- دار الطائفة الدرزية، وجسر الرينغ، قبل إعادة فتحهما.

ولاحظت المصادر السياسية ان نصر الله أعطى في أكثر من محطة في كلامه فرصة للدولة لكي تلاقي الحل، بدليل انتقال الرئيس سعد الحريري مباشرة إلى قصر بعبدا، بعد انتهاء الأمين العام للحزب من كلمته.

واشارت إلى ان «حزب الله» إذا أعطى موافقته على التشكيلة الحكومية التي يفترض ان تكون جاهزة سيُصار فوراً إلى استقالة الحكومة، وتأليف حكومة أخرى لتجنب الفراغ، لافتة إلى انه وجه رسالة مهمة إلى واشنطن من خلال إعلان حرصه على الوضع الاقتصادي المالي الذي هو مطلب أميركي، وكان لافتاً عدم ذكره مسألة العقوبات وعدم مهاجمة الإدارة الأميركية.

وحذرت المصادر من ان نكون امام مشهد مماثل لما يحصل في العراق، معتبرة ان قرار نصرالله بالانسحاب من الساحات والتفرج يستشف منه عتبه على الجيش لعدم حسمه الوضع.

غير ان الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي فديريكا موغريني، أكدت في بيان تقدير الاتحاد الأوروبي الطبيعة الشاملة غير العنفية للاحتجاجات، وتشجيعه القوى الأمنية على متابعة سياسة ضبط النفس.

وشددت على وقوف الاتحاد إلى جانب لبنان وهو ملتزم باستقرار البلاد والمنطقة ويدعم الأهداف الإصلاحية التي حددها رئيس الحكومة سعد الحريري، واننا على ثقة من ان السلطات ستستجيب سريعاً وبحكمة للتطلعات المشروعة للشعب اللبناني بتنفيذ الإصلاحات الملحة والتي طال انتظارها.


تظاهرة لأنصار حزب الله في شارع السيّد هادي نصر الله في الضاحية الجنوبية (تصوير: طلال سلمان)


مشاورات الحكومة

في هذا الوقت، استمرت المشاورات على اكثر من خط لمعالجة الازمة المستجدة والمستفحلة بكل تشعباتها الشعبية- المطلبية والحكومية، وزار الرئيس الحريري عصر أمس القصر الجمهوري بشكل مفاجيء والتقى رئيس الجمهورية ميشال عون، وغادر القصر من دون الادلاء بأي موقف.

لكن مصادر وزارية قالت أن المشاورات تناولت كل الاوضاع المستجدة، إلا ان الشأن الحكومي لم تنضج معالجاته بعد، نتيجة المواقف المتضاربة من استقالة الحكومة كلها وتشكيل حكومة جديدة، أو إجراء تعديل وزاري لملء الشغور الذي حصل نتيجة استقالة وزراء «القوات اللبنانية» او لملء الشغور وايضا استبدال بعض الوزراء الاخرين.

واشارت المصادر الى ان المسألة معقدة، منها ما يتعلق بالخلاف السياسي حول استقالة الحكومة، كما يطالب الحزب التقدمي الاشتراكي وبعض المكونات الاخرى، وترفضها مكونات اخرى مثل «حزب الله»، وتدعو الى تعديل وزاري، خوفا من الوقوع في الفراغ لأن تشكيل حكومة جديدة قد يطول وتحصل حوله خلافات ومشكلات. ومنها ما يتعلق بكيفية إرضاء الشارع الذي لا يقبل اقل من إسقاط الحكومة. 

ولوحظ ان بكركي رفعت أمس سقف التأييد لانتفاضة الحراك الشعبي، حيث وجه البطريرك الماروني بشارة الراعي نداء جديداً أعلن فيه تأييده لتشكيل حكومة جديدة بكل مكوناتها تكون جديرة بالثقة ومصغرة مؤلفة من شخصيات وذات اختصاص وإنجازات ومن خارج الأحزاب والتكتلات.

لقاء بعبدا

وفي حين لم يتم تسريب أي شيء عمّا دار في اللقاء الخاطف بين الرئيسين عون والحريري، تحدثت معلومات عن ان الاجتماع كان للتشاور في تطوّر الوضع الداخلي، وان لا مؤشرات لأي بحث بتعديل أو تغيير حكومي، وشددت على ان البحث تناول 3 نقاط رئيسية: الوضع الميداني على الأرض، تقييم كلمة نصرالله، والوضع الحكومي، لافتة إلى انه تمّ تناول النقطة الأخيرة بتروي من دون تسرع، على ان يعقد اجتماع آخر في وقت قريب.

وقالت مصادر مقربة من الحريري لوكالة «الأناضول» ان استقالة بدون اتفاق مسبق على حكومة جاهزة أمر مستبعد، فيما نسبت قناة «العربية» للمكتب السياسي لتيار «المستقبل» ان استقالة الحريري انتحار سياسي، لكن الأمين العام للتيار أحمد الحريري أكّد عبر «تويتر» بأن هذا الكلام غير صحيح، وان المكتب السياسي لم يجتمع أمس، ولم يصدر عنه أي كلام.

وترددت معلومات لمصادر وزارية انه تمّ صرف النظر عن موضوع التعديل الحكومي بفعل التمسك ببعض الوزراء، كما ان لا قرار باستقالة الحكومة، وقالت انه سيُصار إلى إعادة هيكلة الحكومة بمعنى تعيين بديل وزراء «القوات» الذين استقالوا، وتردد هنا انه سيُصار إلى تعيين وزير واحد، بدل الأربعة، فيصبح عدد أعضاء الحكومة 27، لكن مصادر رسمية استبعدت هذا الأمر، لأن الحكومة ستصبح في هذه الحالة غير متوازنة طائفياً.

لجنة الكهرباء

وقبل توجهه الى قصر بعبدا، رأس الرئيس الحريري اجتماعاً للجنة الوزارية المكلفة متابعة تنفيذ خطة الكهرباء في بيت الوسط، حضره الوزراء: علي حسن خليل، محمد فنيش، يوسف فنيانوس، جمال الجراح، وائل أبو فاعور، ندى البستاني، عادل افيوني وعدد من المستشارين.

وذكرت مصادر وزارية ان البحث تركز على تعديل القانون رقم 462 المتعلق بتنظيم قطاع الكهرباء ومن ضمنه تشكيل الهئية الناظمة للقطاع الكهرباء، وقد حصل تقدم فيه وسيُرسل بعض الوزراء ملاحظاتهم عليه، ويفترض الانتهاء منه بعد جلسة او جلستين.

واوضحت المصادر ان هذا القانون مهم جدا لمعالجة ازمة الكهرباء وهو يقع من ضمن برنامج الاصلاحات المالية لتخفيف عجز الكهرباء.

مصرفياً

وقالت وكالة ستاندرد آند بورز للتصنيف الائتماني إن قدرة الحكومة المحدودة على تلبية مطالب المحتجين قد تضر بثقة المودعين في البنوك ويكون لها تأثير سلبي على احتياطيات البلد من النقد الأجنبي.

وعقدت جمعية مصارف لبنان اجتماعات أزمة مع حاكم مصرف لبنان المركزي والرئيس في الأيام القليلة الماضية بحثا عن سبيل لإعادة فتح البنوك وسط مخاوف متزايدة من أن يؤدي تدافع المودعين إلى تبدد ودائعها من النقد الأجنبي المحدودة أصلا.

وقال مصرفي بارز «في الوقت الراهن نستخدم ذريعة المظاهرات لعدم فتح البنوك. نخشى عندما نفتح البنوك أن يهرع المودعون لسحب أموالهم أو تحويلها إلى الخارج».

وتفاقم الوضع الاقتصادي مع تباطؤ تدفقات رأس المال الحيوية لتمويل عجز الدولة والواردات مما سبب ضغوطا مالية لم تشهدها البلاد منذ عقود بما في ذلك ظهور سوق سوداء للدولار.

وفي حين أن احتياطيات مصرف لبنان المركزي من العملات الأجنبية القابلة للاستخدام كافية لخدمة الدين الحكومي في الأمد القريب قالت ستاندرد آند بورز إن المخاطر على الجدارة الائتمانية للحكومة ارتفعت.

وأضافت أن هذا «يعكس وجهة نظرنا بأن انخفاض تدفقات النقد الأجنبي قد يؤدي إلى تفاقم الضغوط المالية والنقدية ويحد من قدرة الحكومة على الاستجابة للمطالب الاجتماعية الملحة».

هدوء الساحات

ميدانياً، استعادت ساحتا الشهداء ورياض الصلح، في وسط العاصمة، هدوئهما، بعد انسحاب المجموعات المؤيدة لحزب الله، كما استعادت زخم الحشد التي تأثر ظهراً، نتيجة التوتر واعمال الشغب بين المتظاهرين والتضارب بالايدي والعصي ورمي الحجارة والذي دفع بعدد من المتظاهرين للخروج من الساحتين.


مواجهة بين عنصر حزبي ورجل أمن (تصوير: محمود يوسف)


لكن قوة مكافحة الشغب في قوى الأمن تدخلت للفصل بين المشتبكين، وبقيت حوالى 50 دقيقة بين كر وفر مع المجموعة الحزبية، إلى حين انتهاء السيّد نصر الله من إلقاء كلمته، حيث باشرت بالانسحاب من الساحتين، لكن أفراد هذه المجموعة عمدوا إلى رمي المتظاهرين بالحجارة والكراسي واصيب ضابط في قوى الأمن وإعلاميون.

وبعد الإشكالات والتضارب الذي حصل في الساحتين أفادت معلومات، ان المجموعات التي خرجت عن الحراك تعرّضت لاطلاق نار من أحد الأبنية في قصقص واصيب نتيجته شخصان من مناصري «حزب الله» و«امل» تمّ نقلهما بواسطة الصليب الأحمر، فتوتر الجو وقامت مجموعات اخرى على دراجات نارية توقفت عند مستديرة قصقص- مدخل صبرا قرب جامع الشيخ شمس الدين، لمنع الراغبين من التوجه الى قصقص أو النزول الى ساحة الشهداء او ساحة رياض الصلح بعد تعرض عدد من الشبان للضرب في قصقص.فتدخل الجيش لفض المشكل وامّن مرور وعودة من يرغب باتجاه الضاحية، خاصة بعد التضارب الذي حصل في رأس النبع على الطريق العام، ونتيجة لذلك تدخل الجيش بكثافة وانتشر من جسر البربير حتى قصقص وعمل على وقف التوتر. فتراجع مناصرو الطرفين.

وأكدت معلومات رسمية لـ«اللواء» ليلاً ان إجراءات ستتخذ اليوم من الجيش وقوى الأمن لفتح الطرق وتسهيل تنقل المواطنين.

وكانت قيادة الجيش حذّرت في بيان شديد اللهجة من الاستمرار في التعرّض للحريات العامة والشخصية، مذكرة بأن حرية التعبير والتظاهر مصانة بموجب الدستور، ودعت إلى احترام حرية التنقل والكف عن القيام بالممارسات المسيئة والمخالفة للقوانين.



أخبار ذات صلة

جريدة اللواء 19-11-2019
فتاتان تمران في ساحة رياض الصلح، من أمام نعش السلطة التي سقطت (تصوير: جمال الشمعة)
النِصاب بين الوصول والتهريب: كِباش في ساحة النجمة اليوم
العراق: المدارس أغلقت أبوابها والمحتجّون يسدّون مدخل أحد الموانئ