بيروت - لبنان 2019/12/09 م الموافق 1441/04/11 هـ

موازنة الـ«136 معبَر»: فضيحة التهريب المالي المُشَرعَن!

برّي يُرجئ التصويت لإحتواء «غضَب العسكر» واستقالة نوّاف الموسوي وتنحِّي المقداد

التدافع بين قدامى العسكريِّين ووحدات الحماية لمجلس النواب، من الجهة الشمالية قبل توقُّف الاندفاعة (تصوير: طلال سلمان)
حجم الخط

لم يقضَ الأمر مع ساعات الليل الأولى، وتحت تأثير ضغط قدامى المحاربين وجمهور المجتمع المدني، اضطر الرئيس نبيه برّي إلى رفع الجلسة إلى الساعة الثالثة من بعد ظهر اليوم، لتسوية النقاط الملتبسة في الموازنة، والتي يعترض عليها العسكريون والمدنيون المحالون إلى التقاعد، رفضاً للمس بمكتسباتهم في معاشات التقاعد أو الطبابة.

وإذا كانت الاتصالات أنطلقت لإيجاد «صيغة مقبولة» من المتقاعدين العسكريين والمدنيين، فضلا عن احتساب الدفعة الأخيرة من الزيادة التي لحقت برواتب المتقاعدين، وثمة خلاف مع ممثلي المتقاعدين عسكريين ومدنيين على احتسابها، فإن جلسة مجلس الوزراء، التي يسعى الرؤساء إلى عقدها، ما تزال عصية على التوافق، إذ لم تسفر الاتصالات عن حلحلة في إصرار النائب طلال أرسلان وحلفائه على إحالة احداث قبرشمون إلى المجلس العدلي.

تمديد تحت ضغط الشارع

وبخلاف ما كان متوقعاً بأن تستمر جلسة التصويت على مواد مشروع الموازنة حتى منتصف الليل، على ان ترفع إلى ما بعد ظهر اليوم (الجمعة)، بالنظر إلى كثرة عدد بنود المشروع (96 بنداً)، فاجأ الرئيس نبيه برّي النواب، برفع الجلسة المسائية باكراً، بعدما تناهى إلى مسامعه اخبار الاشتباكات التي حصلت بين العسكريين المتقاعدين والقوى الأمنية، اثر نجاح هؤلاء العسكريين الذين كانوا يواصلون اعتصاماتهم في ساحة الشهداء، بمباغتة القوى الأمنية والتسلل إلى نقطة قريبة جداً من مبنى المجلس، وانهم استطاعوا تجاوز العوائق الحديدية مهددين باقتحام البرلمان على الرغم من منعهم من قبل القوى الأمنية، وجرى تدافع واشتباكات بالايدي، فيما سجلت حالات اغماء في صفوف العسكريين الذين اصروا على محاولات اقتحام مبنى المجلس، للتأكيد على رفضهم المس بحقوقهم، من خلال فرض ضريبة دخل على معاشات التقاعد وعلى الطبابة.

وكان هؤلاء العسكريون، بدأوا بتصعيد موقفهم بالتزامن مع بدء انعقاد الجلسة المسائية التي كانت مخصصة لرد وزير المال علي حسن خليل ورئيس الحكومة على مداخلات النواب الذين بلغ عددهم 52 نائباً على مدى يومين، وسجل قرابة السادسة قطع الطرقات في ساحة الشهداء، باشعال النار في اطارات السيّارات في محلة الصيفي، في وقت جرت اتصالات بين ضباط الجيش في الخدمة والضباط المتقاعدين ودخل عدد من العسكريين إلى المجلس لمقابلة وزير الدفاع الياس بو صعب الذي اعتبر ان المعلومات الواصلة للعسكريين بمعظمها مضخمة.

وبالتزامن مع تحرك العسكريين الذي سيتواصل اليوم، دعت رابطة موظفي الإدارة إلى الإضراب العام اليوم أيضاً، وستعقد الرابطة مؤتمراً صحفياً عند الحادية عشرة من قبل الظهر لاعلان موقفها الرافض لفرض المزيد من الضريبة على الدخل وتعويضات المعيشة.

في هذا الوقت، وتداركاً للاسوأ، رفع الرئيس برّي الجلسة إلى الثالثة من بعد ظهر اليوم، مكتفياً بعد الاستماع إلى ردّ وزير المال ورئيس الحكومة بالتصويت على اقتراح قانون معجل مكرر تقدّم به النائب في تكتل «لبنان القوي» آلان عون قضى بإعطاء الحكومة مهلة ستة أشهر لتقديم قطوعات الحسابات المالية النهائية والمدققة من سنة 1993 حتى سنة 2017 ضمناً، واجاز الاقتراح للحكومة خلال شهر واحد من تاريخ نفاذ القانون، تأمين الموارد البشرية والمالية اللازمة لتمكين ديوان المحاسبة من إنجاز مهمته في تدقيق الحسابات المالية النهائية، خلافاً لأي نص مغاير يتعلق بمنع التوظيف على انواعه.

وقد اعترض على الاقتراح الذي جاء كصيغة حل للمادة 87 من الدستور التي تمنع إقرار الموازنة قبل التصويت على قطع حساب السنة التي قبلها، 11 نائباً، هم نواب حزب الكتائب الثلاثة الذين كانوا متواجدين داخل القاعة، ونواب في «القوات اللبنانية» واسامة سعد وجميل السيّد وبولا يعقوبيان وجهاد الصمد وميشال معوض.

ويفترض ان يشرع المجلس اليوم في التصويت على مشروع الموازنة مادة مادة، بأغلبية كبيرة، علماً ان الممتنعين عن التصويت باتوا معروفين ولا يتجاوزون العشرين نائباً.

ردّ الحريري

على ان اللافت في ردّ الحريري كان في لفت نظر النواب، إلى ان الإحصاءات الرسمية بينت ان أقل من 3 في المائة من المشاهدين كانوا يتابعون النقل المباشر على محطات التلفزيون في إشارة قالها الحريري صراحة ان النّاس ملت السجالات والمزايدات، وبالتالي لم يكن من داع للنواب في رفع صوتهم لاجتذاب الجمهور.

وفي مضمون الرد ركز الحريري على مسألة انتقاد النواب لخلو الموازنة من رؤية اقتصادية، مشيراً إلى ان الرؤية موجودة ومعلنة ومفصلة في البيان الوزاري واساسها ما عرضته الحكومة في مؤتمر «سيدر»، معتبراً ان مشروع الموازنة هو ركيزة أساسية من ركائز الرؤية الاقتصادية التي تقوم على أربعة ركائز هي: الإصلاح المالي، أي تخفيض العجز وبرنامج الاستثمار الوطني، وبرنامج الإصلاحات الهيكلية والقطاعية وتحفيز القطاعات الانتاجية لتفعيل النمو وتكبير حجم الاقتصاد.

وقال: إذا كان أحد غير موافق على هذه الرؤية أو لديه رؤية بديلة فليتفضل ويطرحها على اللبنانيين، وليتفضل ويخبرنا ويقول لنا ويعلمنا ويفسر لنا، مشيراً إلى انه في الحكومة اعتبرنا انفسنا اننا قمنا بإنجاز، لكنه وصف انتقادات النواب للموازنة بأنها كانت مزايدات سياسية لا يعرف هدفها ولا هي لمصلحة من ولا مفهوم الديمقراطية، إلا انه استدرك بأنه مع ان يقول كل شخص رأيه، لكن شرط ان يعطينا مشاريع بديلة أو قوانين بديلة أو ايرادات مختلفة، مشدداً على ان الضرائب هي لتأمين الإيرادات، ولافتاً إلى انه لا يمكن ان نطلق النار على كل جهد نقوم به، دائماً لدينا فرص ذهبية لكننا نهدرها.

وشدّد الحريري على ان تخفيض العجز إلى 7.6 في المائة في موازنة 2019 خط أحمر لا نستطيع تجاوزه، مشيراً إلى ان أهم ما في المشروع انه أرسى المبادئ الأساسية للاصلاح الذي نريد ان نستكمله في موازنات 2020 و2021. وقال بصراحة: «ليست هناك عملية إصلاحية من دون كلفة، وعلى الجميع ان يتحمل هذه الكلفة، ولا يجب ان يتهرب منها أحد»، لافتاً إلى انه لا نستطيع ان نكمل بقطاع عام منقخ بمؤسسات وادارات لا تعمل، واصفاً هذا الأمر بأنه غير طبيعي وغير صحي.

وختم مؤكداً على «التزام الحكومة بالحفاظ على الاستقرار النقدي واحترام جميع الموجبات المالية، والتأكيد على دور مصرف لبنان بالمحافظة على سلامة القطاع المصرفي والتزام المعايير والقوانين الدولية».

ردّ خليل

وقبل ردّ الحريري، كان لوزير المالية علي حسن خليل مداخلة مستفيضة، ردّ فيها على انتقادات النواب، فجر من خلالها قنبلة معايير التهريب غير الشرعي، وابرز وثيقة أمنية تتحدث عن وجود 136 معبراً غير شرعي على طول الحدود البرية مع سوريا، وان كل معبر يُطلق عليه اسم المهرب وانواع التهريب ونوع البضائع، معلناً اعترافه بأن الدولة عاجزة عن التعامل حيال هذه المعابر، كما ان إمكانيات الدولة غير متوافرة لمكافحة التهرب الجمركي.

ووصف خليل الموازنة انها أفضل الممكن، مؤكداً بأنه ليس صحيحاً ان هناك كتلاً ووزراء اعترضوا على المشروع في مجلس الوزراء، بل سجلت اعتراضات على بعض المواد، وانه كان من الذين تحفظوا، مشدداً على انه لاحظ من خلال المناقشات عدم انسجام في المواقف، وأظهرت بعض الكلمات على ان الموازنة لقيطة، في حين ان كل الفرقاء شاركت في وضع المشروع.

وكشف ان تقديرات الوزارة للايرادات ستكون خلال الأشهر المقبلة بحدود 18 ألف مليار ليرة، في حين ان النفقات ستتجاوز الـ23 ألف مليار يضاف إليها 2500 مليار ليرة للكهرباء، لتصبح نسبة العجز 7.45 في المائة.

وكشف الوزير خليل ان الدولة اللبنانية المثقلة بالديون تحتاج إلى خطة لإدارة دينها العام وخدمة الدين، وهو أمر يتطلب حواراً يشمل الحكومة ومصرف لبنان المركزي والبنوك التجارية.

وأبلغ خليل المجلس «نعم هناك خطة مطلوبة لإدارة الدين العام وخدمة الدين العام تؤمن الفرصة لتحرير الموازنة العامة من عبء تراكم قاتل للدين وخدمة الدين».

واعتبر كثيرون ان الأزمة الفضيحة تكمن في التهريب المالي المتمثل بـ136 معبر غير شرعي، بعلم الأجهزة الأمنية، الأمر الذي يعني شرعنة هذه المعابر!


خلال إلقاء وزير المال كلمته حول الموازنة والتخفيضات

«مجموعة رؤساء الحكومات»

سياسياً، ظهرت زيارة الرؤساء نجيب ميقاتي وفؤاد السنيورة وتمام سلام إلى المملكة العربية السعودية الحاجة إلى ولادة «مجموعة رؤساء الحكومات» في وقت «تطغى فيه الدويلات على الدولة»، ويتم الابتعاد عن الدستور والممارسات المؤسساتية العجيبة، وفقاً للرئيس السنيورة، في لقاء مع مجموعة من الإعلاميين، كاشفاً ان الزيارة إلى المملكة واللقاء مع خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز انطلاقاً من ان الواقع وما افرزه من تحدثات، أوجب «التحرك باتجاه العمق الطبيعي للبنان لاستعادة المظلة التي فقدها».

قبر شمون

إلى ذلك، بقيت معالجات حادثة قبرشمون في الجبل، في صدارة الاهتمامات، بالنظر لانعكاسها المباشر على وضعية مجلس الوزراء، لجهة شروط ربط عقد جلسة محتملة باحالة الحادثة إلى المجلس العدلي، وكان البارز في هذا السياق الاجتماع الثلاثي الذي عقد بين الرئيس الحريري ورئيس «اللقاء الديموقراطي» النائب تيمور جنبلاط والوزير أبو فاعور، على هامش الجلسة، للتداول في المعطيات المتوافرة عن مسعى المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم في هذا الصدد. لكن فهم ان الأمور لا تزال تراوح مكانها، بسبب فيتوات متبادلة من الطرفين: الحزب الاشتراكي والحزب الديمقراطي اللبناني.

وعلم ان اللواء عباس ابراهيم زار قصر بعبدا امس في اطار مواصلة مساعيه لمعالجة تداعيات الحادثة. وقالت مصادر مطلعة لـ«اللواء» ان موضوع اللجوء الى التصويت في اعتماد إحالة الحادثة الى المجلس العدلي في مجلس الوزراء المقبل هو موضوع لم يحسم بعد وان كان قائما بفعل الأصرار على الأحالة مشيرة الى انه في حال عدم توفر الأكثرية لهذا الأمر فإن خيار اللجوء الى القضاء العسكري يبقى قائما.

ودعت المصادر الى انتظار جولة مساعي اللواء ابراهيم على ان اي مصالحة متوقعة في قصر بعبدا ينتظر ان تقوم بعد التفاهم على صيغة الحل.

واشارت الى انه حتى الساعة لم يتم حسم موعد انعقاد جلسة مجلس الوزراء.

واشارت المصادر الى ان مقترحات اللواء ابراهيم تتضمن إحالة التحقيق القضائي الى المحكمة العسكرية ومن هناك يتقرر بعد التحقيق الدقيق والموضوعي الاتجاه القضائي الاخير هل تبقى ضمن القضاء العسكري ام تُحال الى المجلس العدلي، اذا ما ظهرت معطيات تفيد هذا الاتجاه. برغم ما اشيع عن تحفظ لرئيس الحزب التقدمي وليد جنبلاط على بعض هذه الافكار، ومنها الاحالة على القضاء العسكري، لكن البحث في التفاصيل قد يُعالج تحفظات جنبلاط، فيما اعلن رئيس الحزب الديموقراطي النائب طلال ارسلان ان لا تراجع عن مطلب الاحالة الى المجلس العدلي، حتى لو تم التصويت في مجلس الوزراء وسقط الاقتراح.

وكررت مصادر مقربة من قصر بعبدا تأكيدها ان رئيس الجمهورية العماد ميشال عون وقف دائما الى جانب حقوق العسكريين المتقاعدين واول من تدخل من اجل المحافظة عليها رافضا اي مساس بها.

استقالة الموسوي

وعدا ذلك حضرت أيضاً في مجلس النواب خطة وزير العمل كميل أبو سليمان لمكافحة اليد العاملة غير الشرعية في لبنان من بوابة العمال الفلسطينيين وكان للرئيس الحريري موقف لافت باعلانه انه سيطلب من وزير العمل رفع هذه الخطة إلى مجلس الوزراء لاتخاذ القرار المناسب وهو ما فسّر بأن هناك توجهاً لسحب هذا الموضوع من التداول بعد الحالة الاعتراضية التي شهدتها المخيمات الفلسطينية والمواقف السياسية التي أعربت عن رفضها لهذا القرار والعودة إلى القرار السابق.

وليلاً، انشغل النواب بما تمّ التداول فيه عن استقالة النائب عن حزب الله نواف الموسوي حيث عقدت لقاءات جانبية بين أعضاء كتلة «الوفاء للمقاومة» بشأن هذا الموضوع، وقد تولى النائب محمّد رعد الإجابة على استفسارات بعض النواب مؤكداً حقيقة هذا الأمر، فيما نفى الأمين العام لمجلس النواب عدنان ضاهر ان تكون دوائر المجلس حتى انتهاء الجلسة العامة ليلاً قد تسلمت أي كتاب استقالة من النائب الموسوي.

استقالة الموسوي وتنحي المقداد

وفي تطوّر حزبي- عائلي اثار اهتمام الرأي العام في الأيام الماضية، بعد حادث الدامور، بين النائب نواف الموسوي ونجل الشيخ محمّد المقداد.

وبعد ساعات قليلة من إعلان النائب نواف الموسوي تقديم استقالته من المجلس النيابي، كشف أحد المواقع (لبنان 24) ان الشيخ محمّد المقداد تنحى من منصبه كوكيل للسيد علي الخامنئي في لبنان، بعد ساعات على اعتكافه.



أخبار ذات صلة

جريدة اللواء 9-12-2019
عودة الحشود إلى محيط ساحة النجمة ليل أمس احتجاجاً على طريقة تشكيل الحكومة (تصوير: جمال الشمعة)
أسبوع التأجيل: فسحة للتفاهم أو توسيع التفاقم؟!
ميسي يتوهج بالليغا وصلاح يقود ليفربول للتحليق بصدارته