بيروت - لبنان 2020/02/19 م الموافق 1441/06/24 هـ

«هدنة الموازنة»: تعايش على ضفاف «المخاطر المتبادلة»

برّي يستنجد بجنبلاط وكتلة المستقبل تنقذ النصاب وباسيل أبرز الغائبين

متظاهر أرتمى على الأرض لمنع مرور سيّارة أحد النواب، بينما جندي من الجيش يُشير بيده إلى السيّارة للتوقف (تصوير: جمال الشمعة)
حجم الخط

بين خير الكلام مَا قلَّ ودل، وخير البرِّ عاجله، عاجل الرئيس نبيه برّي الوسط السياسي، والوسط الحراكي، والوسط الدبلوماسي بضربة جلسة الموازنة، التي اخترقت تهويلات الانتفاضة.. والسلسلة البشرية، واقفال الطرقات والشوارع، بجلسة، وفرت لها كتلة «المستقبل» «الميثاقية»، وانتجت ليس فقط إقرار موازنة العام 2020، التي قدمتها حكومة الرئيس سعد الحريري، وتبناها الرئيس حسان دياب كشرط طلبه الرئيس سعد الحريري لتشارك كتلته في جلسة إقرار الموازنة، التي اعدتها حكومته على قاعدة ان كتلة «المستقبل» لن تكون أداة للمقاطعة، وتعطيل المؤسسات، وهي قامت بواجبها، وقالت كلمتها في المجلس بصراحة تحت سقف الدستور، حسبما أعلن الحريري في تغريدة عبر «تويتر»، فأمنت النصاب للجلسة، لكنها صوتت ضد الموازنة، لأن «الارقام الواردة فيها لم تعد تعكس الواقع لأن الاقتصاد اختلف حجماً ونوعاً عما كان عليه عندما أقرّت الحكومة السابقة مشروع الموازنة»، كما جاء في بيان كتلة «المستقبل».

وهكذا، مرّت الجلسة بفترات عصيبة، أبرزها احتمال عدم اكتمال النصاب، في ظل رسائل داخلية وخارجية ملغومة، جعلت الأطراف اللاعبة، سواء في الحكومة وخارجها مضطرة للتعايش على ضفاف «المخاطر المتبادلة» فكل طرف استشعر الخطر، وعمل مع الطرف الآخر على «مبادلة المنافع» لدرئه، فالرئيس دياب لم يكن امامه من مناص سوى قبول الموازنة التي وضعتها حكومة الرئيس الحريري التي صوتت الكتلة التي يرأسها ضدها.

وسجلت أوساط سياسية ونيابية جملة من الملاحظات والتساؤلات:

1- عدد من الكتل الممثلة بالحكومة الجديدة بوزراء لم تشارك كما يجب في الجلسة، فلا رئيس التيار الوطني الحر وهو رئيس أكبر تكتل نيابي كان أبرز الغائبين، فضلاً عن غياب الأمير طلال أرسلان الممثل بوزير في الحكومة، كما غاب عن الجلسة أعضاء اللقاء التشاوري السني، كالنواب: عبد الرحيم مراد، وفيصل كرامي وجهاد الصمد ولم يُشارك سوى النائبين وليد سكرية وقاسم هاشم.

2- يُشكّل الثنائي الشيعي مع تكتل لبنان القوي حوالى 60 نائباً، فكيف يمكن ان يفسّر حصول الموازنة عند التصويت 49 نائباً بينهم نواب من كتلة اللقاء الديمقراطي، وتيار المستقبل..

3- استنجد الرئيس برّي بالنائب السابق وليد جنبلاط، الذي طلب إليه إرسال نواب من كتلته، فحضر النائبان فيصل الصايغ وبلال عبد الله.

ولم يتوفر النصاب، فأتى نائبان اضافيان هما: اكرم شهيب وهادي أبو الحسن..

4- والموازنة التي رافقها جدل دستوري وتساؤلات تتعلق بعدم قطع الحساب، قبل اقرارها، سجل رئيس لجنة المال والموازنة إبراهيم كنعان ان نسبة العجز المتوقعة فيها هي 7٪ من إجمالي الناتج المحلي..

وشدّد وزير الخارجية الفرنسية جان ايف لودريان على ان «الكرة الآن في ملعب اللبنانيين وعلى الحكومة اتخاذ الإجراءات التي نص عليها اجتماع باريس لدعم لبنان».

وعما إذا كان يعتبر حكومة حسان دياب حكومة حزب الله، قال: «لا يعود لي إطلاق احكام على الحكومة وننتظر البيان الوزاري».

البيان الوزاري

وفيما انصرفت حكومة الرئيس حسان دياب إلى اعداد بيانها الوزاري، بعدما أمنت إقرار موازنة العام 2020، بإعلان تبني مشروع الموازنة المقدم من الحكومة السابقة، بقيت العين على صياغة هذا البيان بعد خروج الموازنة من الصراع، ولا سيما الفقرات المتعلقة بالخطة الاقتصادية والمالية الإنقاذية والتي تنوي اعتمادها للخروج أو أقله التمهيد للخروج من الأزمة الراهنة، اضافة إلى الشق السياسي في البيان، والذي يتصل بموضوع النأي بالنفس وعلاقات لبنان الخارجية، والعلاقة مع المقاومة.

وبحسب المعلومات، فإن الرئيس دياب أبلغ الوزراء أعضاء لجنة صياغة البيان الذين عاودوا مساء أمس اجتماعهم الرابع، بأنه سيأخذ على عاتقه الصياغة التي سيتم اعتمادها في شأن العلاقة مع المقاومة، بعد التشاور مع القوى السياسية التي جاءت بالحكومة، مشيراً إلى انه سيتم تعديل صياغة البيان الوزاري للحكومة السابقة، والذي ألتف على صيغة الثالوث الذهبي: الجيش والشعب والمقاومة، بالنسبة لمسألة تحرير الأراضي المحتلة، لكنه وعد بأن الصيغة التي سيقترحها ستكون غير مستفزة للمجتمع الدولي.

وشدّد دياب في الاجتماع على ان يكون البيان قابلاً للتطبيق، وطلب من الوزراء عقد اجتماعات في وزاراتهم لوضع لائحة بالمشاريع المنوي تحقيقها ضمن الحدود المتاحة. ثم جرت قراءة أولى للجزء الذي تمّ إنجازه من البيان وتم تعديل بعض البنود واضيفت فقرات تتعلق بخطط عمل بعض الوزارات، بحسب ما أعلنت وزيرة الإعلام منال عبد الصمد، التي أوضحت ان اللجنة الوزارية ستواصل تلقي باقي برامج عمل الوزارات خلال اليومين المقبلين، بعدما تمّ تحديد سلسلة اجتماعات متتالية خلال هذا الأسبوع لمتابعة اعداد مسودة البيان.

وستعقد اللجنة اجتماعاً آخر اليوم، فيما توقعت مصادرها ان تنتهي هذا الأسبوع من اعداد البيان، تمهيداً لمثول الحكومة امام المجلس النيابي لنيل الثقة.

تهريب الموازنة

وكانت مسألة الثقة بالحكومة الجديدة، أحد المآخذ الرئيسية الدستورية لعدم مشروعية مثولها امام المجلس النيابي، لدرس موازنة العام 2020، وكاد ان يُشكّل مخرجاً لتهريب نصاب الجلسة، أو حتى عدم تأمينه، تحت ضغط ووطأة التحركات الاحتجاجية في الشارع، لولا مبادرة كتلة «المستقبل» إلى تأمينه، عبر حضورها مجتمعة إلى البرلمان، انطلاقاً من مسؤوليتها بأن «لا تكون أداة للمقاطعة وتعطيل المؤسسات»، على حدّ ما أكّد الرئيس سعد الحريري في تغريدة له على «تويتر»، علماً ان عدد النواب الذين كانوا وصلوا حتى الساعة الحادية عشرة قبل الظهر، لا يتجاوز الـ62 نائباً، في حين ان النصاب يتطلب 65 نائباً، أي النصف زائداً واحداً.

ومن جهته، حرص الرئيس دياب على حضور الجلسة، ولو منفرداً، موفراً للمجلس مشروعية التشريع، ولو في ظل حكومة تصريف أعمال بالمعنى الضيق، وأعلن انه لهذه الناحية، أي تصريف الأعمال، لا يمكنها ان تمثل مجتمعة امام المجلس النيابي، كما انه لا يحق لها استرداد الموازنة، إلا انه أكّد ان الحكومة لن تُعرّقل موازنة اعدتها الحكومة السابقة، وناقشتها لجنة المال والموازنة النيابية واكتملت اجراءاتها.

وقال ان الظروف الاقتصادية والمالية والنقدية تملي علينا التصرف من منطق الضرورة وايضاً الاستثناء، لأن كل شيء في البلد استثنائي.

إلا ان هذه الاستثنائية التي شدّد عليها رئيس الحكومة، مع الاحتفاظ بحقه في تقديم مشاريع قوانين لتعديلات في الموازنة بعد نيل الثقة، لم تقنع نواب كتلة «المستقبل» بأن الجلسة دستورية، على اعتبار انها تنعقد من خارج دورة عادية أو دورة استثنائية، بحسب ما تشترط المادة 37 من الدستور، وعلى هذه الخلفية، دارت وقائع سجال بين الرئيس نبيه برّي وعضو كتلة «المستقبل» النائب سمير الجسر الذي انسحب من الجلسة لاحقاً بعدما كان طلب أيضاً من الرئيس دياب تحديد موقفه من الموازنة سائلاً اياه عمّا إذا كان يتبنى المشروع، فحاول الرئيس برّي التملص من هذه النقطة، مؤكداً على حق التشريع المطلق لمجلس النواب، مشيراً إلى الظرف الاستثنائي، وإلى ان الحكومة امامها ثلاثة أو أربعة أشهر لتثبت انها ستقدم جديداً لتكتسب ثقة النّاس.

لكن النائب السيدة بهية الحريري كررت السؤال على الرئيس دياب وكذلك النائب محمد الحجار، وهنا سأل الرئيس برّي رئيس الحكومة عمّا إذا كان لديه ما يقوله في هذا الشأن، فقال دياب: «لو كنت لا أتبنى الموازنة لما كنت هنا اليوم».

ويبدو ان الجواب أرضى نواب «المستقبل» وكذلك الرئيس برّي، فأنطلقت عمليات مناقشة الموازنة، بدءاً بتقرير لجنة المال والموازنة الذي تلاه رئيسها إبراهيم كنعان ومن ثم النواب، بعدما اختصرهم الرئيس برّي من 23 نائباً إلى ستة نواب فقط لاختصار النقاش، والانصراف إلى التصويت على الموازنة، خصوصاً وان الشارع في الخارج كان «يغلي» باعتصامات احتجاجية واشتباكات مع القوى الأمنية، لمنع النواب من الوصول إلى ساحة النجمة، وهو (أي برّي) توجه إلى النواب قائلاً «سيصعب على نائب إذا خرج ان يعود».

واضاف: «عملنا السبعة وذمتها اليوم، وطلبنا تدخل الجيش حتى نستطيع ان نعقد الجلسة»، مؤكداً اصراره على إنهاء عملية التصويت على بنود الموازنة بعدما كانت الجلسة مقررة ليومين، وهكذا تمّ تسريع الشروع في التصويت على بنود الموازنة بنداً بنداً وبسرعة قياسية، وصفت بأنها كانت أشبه بعملية «تهريب» للموازنة، بعدما تمّ سلق الجلسة من يومين إلى ساعتين.

وكانت حصيلة التصويت ان 49 نائبا قالوا نعم للموازنة، هم: النواب الحاضرون من تكتل «لبنان القوي» وكتلة «الوفاء للمقاومة» وكتلة «التنمية والتحرير» والكتلة «القومية» إضافة إلى النائبين نقولا نحاس وعدنان طرابلسي، فيما قال: لا 13 نائباً هم نواب كتلة «المستقبل» الذين انقسموا بين الامتناع والمعارضة، إلى جانب النائب فريد هيكل الخازن من كتلة «المردة» كما امتنع عن التصويت 8 نواب من بين نواب «اللقاء الديمقراطي».

تبرير «المستقبل»

وبرر مصدر قيادي في تيّار «المستقبل» تصويت الكتلة ضد مشروع الموازنة، بقوله: «لو ان حكومة تصريف الأعمال السابقة هي التي مثلت أمام المجلس لمناقشة الموازنة لكان اول موقف يعلنه الرئيس سعد الحريري خلال الجلسة هو استرداد مشروع الموازنة، لأن ما صح في المشروع قبل ١٧ تشرين الاول لم يعد كافياً لمقاربة المتغيرات الاقتصادية والمالية والنقدية التي استجدت بعد ١٧ تشرين الاول. وقد تصرفت الكتلة انطلاقاً من هذه الحقيقة ومن موقفها المبدئي الذي جرى الاعلان عنه خلال الجلسة».

وأوضحت الكتلة في بيان انها صوتت ضد الموازنة انطلاقاً من قناعتها بأن الأرقام الواردة فيها لم تعد تعكس الواقع، لأن الاقتصاد اختلف حجماً ونوعاً عما كان عليه عندما أقرّت الحكومة السابقة مشروع الموازنة.

واكدت ان موقف الكتلة المبدئي هو بوجوب انتظار حصول الحكومة الحالية على الثقة قبل مشاركتها في جلسة مناقشة الموازنة، أما ولم يأخذ المجلس النيابي برأي الكتلة حول انتظار الثقة، فإن الكتلة طالبت رئيس الحكومة حسان دياب في الجلسة بإعلان تبنيه لمشروع الموازنة، منعا لأي تأويلات أو ذرائع لاحقة، خصوصا في ظل الموقف الملتبس بهذا الشأن لرئيس الحكومة وبعض الوزراء فيها سابقا. وقد أعلن الرئيس دياب تبنيه الصريح لهذه الموازنة، ردا على سؤال مباشر من الكتلة.

اما رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط فقد رأى في خطوة تصديق الموازنة بأنها أفضل من الفراغ واعتماد القاعدة الاثني عشرية، لكنه طلب من الحكومة ان تطرح الإصلاحات الجدية، وفي مقدمها قطاع الكهرباء مع الهيئة الناظمة وقانون استقلالية القضاء، معتبرا انها «بداية طريق طويل»، آخذاً بعين الاعتبار القوى واشباح الماضي المهيمنة على الحكومة والتي لا تبشر بالخير».

مواجهات في الشارع

وكانت الجلسة قد التأمت خلف اسوار عالية من جدران الباطون التي أحاطت بساحة النجمة، وإجراءات أمنية غير مسبوقة عزلت الساحة عن محيطها الذي شهد محاولات حثيثة من مجموعات الحراك الشعبي لمنع النواب من الوصول الى مقر المجلس، ما أدى إلى تدافع واشتباكات ومواجهات في بعض الأحيان اوقعت نحو 30 إصابة بحسب الصليب الأحمر والدفاع المدني، نقل بعضها إلى المستشفيات (4 اصابات) فيما عولجت الحالات الأخرى على الأرض.

وشكل المتظاهرون الذين بدأوا بالتجمع عند نقاط رئيسية ثلاث قرابة السابعة صباحاً حاجزاً بشرياً في محيط البرلمان، وحاولت مجموعة كبيرة من المحتجين إزالة الشريط الشائك امام مبنى جريدة النهار في ساحة الشهداء، وحصل تدافع مع القوى الأمنية التي عملت على إزاحة المحتجين، بعدما تقدمت باتجاه الصيفي، كما حصلت إشكالات عدّة بين المتظاهرين وعناصر من الجيش في محلة فوش، وفي النقطة المؤدية إلى أسواق بيروت، وبقيت الحال هكذا إلى ان نقل إلى المعتصمين اخبار بدّء الجلسة، فهدأت الإشكالات، فيما انسحب آخرون بعد انتهائها، رغم ان بعضهم انتظروا خروج النواب لقذفهم بالبيض الفاسد، الا انه لم يسجل أي حادثة، إذ ان السيّارات التي خرجت من معابر المرور لم تكن لنواب، مما اضطر المتظاهرين إلى الاعتذار منهم.

وفي إطار التحرّكات المواكبة للجلسة، قطع محتجون أيضا، تقاطع كورنيش المزرعة أمام السيارات بمستوعبات النفايات المشتعلة، وتحوّل الإحتجاج الى إشكال حصل بين المعتصمين وعناصر الجيش قرب جامع عبد الناصر، كما جرى قطع نفق البربير- المتحف، وقد استخدم المتظاهرون الحجارة والمفرقعات النارية، في حين أطلق الجيش الرصاص المطاطي لتفريقهم، وأعاد فتح الطريق أمام السيارات، واستمر قطع كورنيش المزرعة وتقاطع عبد الناصر ونفق البربير، ومن ثم إعادة فتحه، بين كر وفر حتى فترتي الظهر والمساء.

كما قطع محتجون منذ الصباح الباكر الطريق نحو قصقص - شاتيلا حتى المستديرة، بواسطة مستوعبات النفايات المشتعلة، وحولت قوى الأمن السيارات باتجاه الطيونة، لتعود قوى الأمن وتفتح الطريق مجددا في قصقص، وكذلك، جرى اقفال تقاطع المدينة الرياضية بمستوعبات النفايات والإطارات المشتعلة، وعملت قوى الأمن والجيش على اعادة فتحه أمام السيارات.

مالياً، اشارت وكالة «رويترز» إلى ان سندات لبنان الدولارية تراجعت وان إصدار 2022 هبط 1،9 سنتات قبيل قرار محتمل بشأن إعادة هيكلة الديون.

وزار وفد من موظفي المصارف حاكم مصرف لبنان واقترح عليه تأييد مطلبه التعطيل استثنائياً ايام السبت، الذي سيناقش مع مجلس إدارة جمعية مصارف لبنان.



أخبار ذات صلة

"الوفاق الليبية" تقاطع مفاوضات جنيف
حكومة الوفاق الليبية تعلّق مشاركتها في مفاوضات جنيف
حصيلة وفيات "كورونا" تسجل "ألفية ثانية"