بيروت - لبنان 2019/10/16 م الموافق 1441/02/16 هـ

«اللـواء» تفتح ملف «تبليط البحر» في عين المريسة (1)

قباني: المسألة قد تكون «تنفيعة» لأحد المقاولين وخلفه سياسيون

«تبليط البحر» لا يجب أن يكون على حساب التراث
حجم الخط

«تبليط البحر لا يجب أن يكون على حساب التراث»، بهذه العبارة استقبلني النائب السابق محمد قباني لدى وصولي إلى مكتبه لتسليط الضوء على مشروع «تبليط البحر» الذي تنوي بلدية بيروت تنفيذه من المنطقة الممتدة من بيت المحترف اللبناني إلى مسجد عين المريسة، وذلك بهدف إقامة المهرجانات الموسيقية والدينية والسياسية وغيرها...

أضف إلى ذلك، تصوّر البعض أن تتحوّل هذه «البلاطة» كمنطقة «مونمارتر» التي تقع في ضواحي «باريس»، حيث هي مخصصة كساحة للفنانين، لكن ما غفلوا عنه أن هذه المنطقة تقع على الأرض وليس على البحر.

في المقابل، كلفة المشروع تصل إلى 25 مليون دولار أميركي، وتبعا للخبراء فإن هذه الكلفة المادية لن تكون كافية بل ستتعدّى هذا الرقم بكثير.

لكن المسألة ربما تكون مدخلا لما نسمّيه في لبنان «تنفيعة» لأحد المقاولين وخلف المقاول يكون هناك سياسيون، حسب قول النائب السابق قباني.

والمؤسف أننا في ظل احتياجنا للفتة كريمة من بلدية بيروت تجاه المدينة التي تحتاج للكثير الكثير من الإهتمام نرى المسألة تنحصر بـ «تبليط البحر» بينما الكورنيش يحتاج لأكثر من «التبليط» فهو يحتاج إلى صيانة الحمامات الشعبية وزيادة عددها، كذلك تحتاج المدينة لتأهيل الحدائق العامة وإنشاء مواقف للسيارات.

والأهم تأهيل مناطق عدة في بيروت، ولا سيما في كل من: حي اللجا والطريق الجديدة.

ألأولويات كثيرة، لكن بلدية بيروت تركّز اهتمامها على «تبليط البحر» دون الإهتمام بمصلحة المدينة وأبنائها.

أهالي عين المريسة وقفوا احتجاجا وأقاموا الإعتصامات لكن دون جدوى، لذلك ارتأوا أن يلجأوا للنائب السابق محمد قباني الذي باشر على الفور متابعة القضية والإهتمام بتفاصيلها نتيجة المراجعات المتكرّرة من قبل الأهالي.

تاريخ وتراث

إنطلاقا من هذا الواقع وحرصا على أهمية المحافظة على تاريخ وتراث بيروت، قررت «اللواء» فتح ملف خاص بمشروع «تبليط البحر» لمناقشته مع العديد من الشخصيات التي تتابع هذا «المشروع».

الإنطلاقة أتت مع النائب السابق محمد قباني للوقوف على رأيه تجاه هذا «المشروع» ومعرفة كافة الخلفيات والأضرار التي من الممكن أن تنتج عنه، على أن تتبعه العديد من اللقاءات التي تصبُّ ضمن هذا الإطار.

قباني


النائب السابق محمد قباني


فيما يلي نص الحوار: 

  •  ما هو هذا المشروع الذي تلتزم بلدية بيروت تنفيذه؟

- باختصار مشروع بلدية بيروت يتضمن أمرين، الأول توسعة الرصيف بمسافة متر و90 سنتم، وكان المخطط بالأساس يقضي بردم هذه المساحة. ثم عندما قامت الصرخة في وجه إتلاف الصخور استبدلوه بمشروع ما يسمّى باللغة الإنكليزية «بايلز» أي نوع من الأعمدة التي تشكّل أساسا لجسر أساساته من جهة واحدة، بمعنى آخر لا يغطي الصخور، هذا بالنسبة للرصيف.

يضاف إلى ذلك إنشاء «بلاطة» (أي تبليط البحر) في المنطقة الممتدة من بيت المحترف اللبناني إلى مسجد عين المريسة، وبالتالي هذه «البلاطة» التي هي بطول 100 متر وعرض 50 مترا ستكون مواجهة لمسجد عين المريسة.

والواقع أن هذا المشروع، باعتقادي على المدى البعيد سوف ينقلب سلبا على أصحابه، فما يمنع أن تصبح هذه «البلاطة» مركزا للدعارة والتحشيش؟ وأيضا لإقامة مهرجانات سياسية ودينية وموسيقية عليها، الأمر الذي يفقدها قيمتها.

ما نريد أن نقوله هنا، أنه يجب أن يكون البدء بالأشمل ثم الأصغر، بعبارة أخرى فإن واجهة بيروت البحرية تمتد مسافة 13 كلم تبدأ بنهر بيروت وتنتهي بـ «السمرلاند»، أي أن المسافة الكاملة هي حوالى 13 كلم.

إنطلاقا من ذلك، يجب أن يتم وضع مخطط توجيهي لهذه المنطقة ولا يجوز إجتزاؤها قبل الإتفاق على هذا المخطط التوجيهي، وبعد المخطط التوجيهي تتم دراسة الأثر البيئي لهذا الشاطىء ككل.

بعد ذلك يتم دراسة كل قسم من الشاطىء إذا شئنا ذلك.

فكورنيش عين المريسة أو كورنيش المنارة كما يسمّى هو جزء من هذا المشروع وطوله حوالى كلم ونصف، وبالتالي هو 10% فقط من واجهة بيروت البحرية فلا يجوز أن يجتزأ هذا المشروع.

لذلك، نحن نقول إبدأوا بالكبير ثم ادرسوا التفاصيل.

«تنفيعة»

  •  يقال أن كلفة المشروع تقارب الـ 25 مليون دولار؟

- أعتقد كما يعتقد الخبراء أن 25 مليون دولار لن تكون كافية، وبالتالي سيكلّف هذا المشروع أكثر من ذلك بكثير.

وهذا ربما يكون مدخلا لما نسمّيه في لبنان «تنفيعة» لأحد المقاولين، وخلف المقاول يكون هناك سياسيون. 

«مونمارتر» على الأرض

  •  ما هي ملاحظاتك على «المشروع»؟

- الحقيقة أن هناك ملاحظات عديدة حول هذا المشروع، وقد قيل لي أننا نريد هذه «البلاطة» أن تكون كمنطقة «مونمارتر» التي تقع في ضواحي «باريس»، وهي للفنانين، يرسمون اللوحات فيها.

لكنني لا أعتقد أن هذه «البلاطة» سوف تكون مثل منطقة «مونمارتر» لأن البحر قد يأتي ويضرب هذه «البلاطة»، حينها ماذا يحدث للفنانين؟

«مونمارتر» في «باريس» هي ضاحية على الأرض، وليست في البحر.

كذلك إن أردنا ان نقيم مساحة معيّنة تراثية للفن وسواه فهناك أراضٍ كافية في منطقة «سوليدير»، ما الذي يمنع أن تقتطع مساحة توازي هذه المساحة وتكون مركزا للفنون والأعمال الثقافية بدلا من هذه المنطقة؟

وهذا أمر متيسّر ودون كلفة، فلماذا ننفق المال الكثير؟!

أما بالنسبة لتوسعة رصيف الكورنيش، فأنا أعتقد أن الرصيف كما هو في مساحته الحالية وعرضه الحالي كافٍ لمختلف النشاطات التي يستخدمها الناس بما فيها المشي والركض وسوى ذلك.

أما فيما يخصُّ الدراجات الهوائية فلا يجوز أن يحصر مسار الدراجات الهوائية بمسافة كلم ونصف يجب أن يكون هناك مساحات أكبر، وهناك الكثير من المساحات في مناطق أخرى من لبنان ومن بيروت الكبرى أيضا.

فيما مضى عندما كان يراد تعجيز أحد كان يقال «روح بلّط البحر»، فلماذا نتجه نحن لهذه المعجزات وإلى تبليط البحر؟

هذا أمر يجب أن يطرح وبصراحة.

ثم بالنسبة لهكذا مشاريع يجب أن يكون هناك ما يسمّى بالنموذج الحسابي والنموذج المائي عن الأمواج التي تتعرّض لها المنطقة كل 5 سنوات حتى الـ 20 سنة ثم موجة الـ 100 سنة.

وهنا، أشير إلى أن حائط «سوليدير» بالنسبة إلى المد البحري صمّم على أساس مقاومة موجة الـ 100 سنة.

ما أريد أن أقوله أن «المشروع» يحتاج إلى دراسة أكثر وإلى مراجعة عملية لموضوع الأمواج.

وهناك مركزان في العالم:

ألأول في «غرونوبل» في فرنسا، والآخر في الجزائر لهذا النموذج العملي للبحر.

وضمن هذا الإطار، أوضح لي الخبير في الشؤون البحرية وهو مدير عام النقل البحري الدكتور عبد الحفيظ القيسي أن إنشاء درج من الباطون كما هو مخطّط ليكون بمثابة مسرح، سيتسبّب بأن الموج بدلا من أن يضرب حائط الكورنيش ويتوقف سوف يصعد على هذا الدرج وسيكسب قوة إندفاع وبالتالي بدلا من أن تقف الموجة عند رصيف الكورنيش سوف تصل إلى جامع عين المريسة»، فهل هذا ما نريده؟

بالطبع ليس هذا ما نريده، لذلك المشروع يحتاج لمزيد من الدرس المعمّق وإلى جانب عملي قبل أن نقول: «روح بلّط البحر».

الصخور هي «الذاكرة»

  •  ما الأضرار التي يمكن أن تنتج عنه خصوصا لبيروت وتاريخها ولا سيما على المستوى البيئي؟

- بقي في بيروت وفي لبنان ربما القليل القليل من الشواطىء الصخرية، وربما يكون هذا أحد الشواطىء الصخرية القليلة بل النادرة على الشاطىء اللبناني.

فبقية الشواطىء إما تمّ البناء عليها، وإما هي شواطىء رملية.

والشواطىء الصخرية جميلة، أنا أذكر أنني عندما تعلّمت السباحة هنا في بحر عين المريسة ما زلت أذكر الصخور التي كنا نستعملها. وبعضها كان بمثابة برك صغيرة تعلّمنا فيها السباحة، لذلك يجب أن نحافظ على هذا التراث.

وهنا، أريد أن أقول أن لي صديقا فلسطينيا ذهب إلى الولايات المتحدة منذ سنوات طويلة وما زال يعيش هناك، ذهب كأميركي إلى فلسطين المحتلة وذهب إلى يافا بلده القديم واستطاع التعرّف على منزله القديم من خلال الصخور البحرية الذي تذكّر أنه كان يتعلّم السباحة عليها.

هذه الصخور تشكّل «الذاكرة» وأنا بدوري كوني نشأت في بحر عين المريسة فإن هذه الصخور أيضا عزيزة وهي بمثابة «ذاكرة».

أعتقد أنني وسواي من أهالي المنطقة نحرص عليها.

محافظة على التراث

  • هل سيقوم أهالي عين المريسة بتحرّك لإيقاف هذا المشروع؟

- الحقيقة ان الأهالي قاموا بالعديد من النشاطات في سبيل هذا الإتجاه، ووقفوا احتجاجا على رصيف الكورنيش لكن مع الأسف دون جدوى.

هذا بالإضافة إلى أن معظم الأهالي غادروا المنطقة نتيجة غلاء الأسعار فيها. قسم من أراضيها تمّ شراءه من قبل الجامعة الأميركية في بيروت والقسم الآخر اشتراه بعض الأثرياء ليبنوا عليها أبنية فخمة.

لذلك فإن أهالي عين المريسة الذين ما زالوا في عين المريسة ربما هم ثلث السكان الأصليين والثلثان هما إما في مناطق بيروتية أرخص أو خارج بيروت في عرمون أو بشامون.

نعم تحرّك أهالي عين المريسة وبينهم سيدتان هما زوجة أخي رولا قباني وشيرين داعوق وهي تمتلك أحد الفنادق هنا في المنطقة. 

والحقيقة أنها قالت لي أنه في حال نفّذ المشروع قد تتوجه إلى بيع الفندق، وهذا مؤسف لأن هذه المنطقة سياحية ونحن نريد أن نحافظ على تراثها، وهذا الفندق من تراث المنطقة.

ننجز الكثير بـ 25 مليون دولار

  •  برأيك ماذا تحتاج بيروت بدلا عن هذا «المشروع»؟

- هناك الكثير من الأمور التي تحتاجها بيروت، مثلا هنا على الكورنيش هناك حاجة ماسّة إلى صيانة الحمامات الشعبية وزيادة عددها.

أيضا في المناطق الداخلية هناك حدائق تحتاج إلى تأهيل وربما إلى إنشاء مواقف سيارات تحت هذه الحدائق. كذلك هناك مناطق قديمة تحتاج إلى تأهيل مثل: حي اللجا وبعض مناطق الطريق الجديدة.

وبمبلغ 25 مليون دولار أميركي يمكن إنجاز الكثير الكثير من الأمور.

وهنا لا بد من أن أشير إلى أن هذا المشروع يتم الحديث عنه منذ عام تقريبا لكنني لم أتدخّل شخصيا إلا منذ أسبوعين بسبب كثرة المراجعات التي أتتني من أهالي المنطقة، وبالتالي من المهم جدا أن ندرس هذه المشاريع قبل المباشرة بها.

أنا لست ضد التطوّر لكنني ضد التطوّر الخاطئ، فالتطوّر يكون نحو الأفضل ويجب أن لا يكون على حساب التراث.

المهم مصلحة المدينة

  • كلمة تتوجّه بها إلى بلدية بيروت؟

- أنصح البلدية أن تدرس جيدا هذا المشروع، وليس معيبا إن أعادت النظر أو تراجعت عن المشروع، لأن المهم هو مصلحة المدينة وليس الإصرار الذي قد يكون إصرارا خاطئا.


أخبار ذات صلة

مستشارة الأسد لـ"روسيا اليوم": اتخذنا إجراءات لصد العدوان التركي على [...]
أردوغان لن يلتقي بنس وبومبيو خلال زيارتهما إلى تركيا
وزير خارجية تركيا: القوات الأميركية انسحبت من شمال سوريا ولكن [...]