بيروت - لبنان 2021/01/18 م الموافق 1442/06/04 هـ

«دولرة» الأقساط يطلق ثورة ضد فساد التعليم الجامعي

حركة طلاب لبنان تتحدّى سياسات التجهيل وتذكّر باحتجاجات سبعينيات القرن الماضي

يوم الغضب الطلابي
حجم الخط

لا شيء في لبنان بمنأى عن ثقب الفساد الأسود. كل شيء خاضع لمنطق المزايدة والسمسرة والربح السريع أو مراكمة الأرباح في ظل الأزمة المتفاقمة، من دون آي اعتبار لاستفحال الواقع الاقتصادي والمالي والحياتي الصعب للبنانيين، وجديد الأزمة قرار «دولرة» الأقساط التعليمية في عدد من الجامعات الخاصة بحيث زادت هذه الأقساط بنسبة 160%، بما يهدد الحياة الجامعية الراهنة لعشرات آلاف الطلاب، والأخطر أنه يهدد التعليم الجامعي في السنوات المقبلة في ظل عجز العائلات عن تأمين قوت يومها وسبل معيشتها، فضلاً عن تأمين أقساط مرتفعة جداً لتعليم أبنائها!

بالرغم من توصية مجلس التعليم العالي منذ شهر تموز الماضي بعدم اعتماد آلية دولرة الأقساط في الجامعات الخاصة، إلا أن هذه معظم هذه الجامعات باشرت باعتماده، مبررة قرارها بأكثر من سبب وسبب بالرغم مما يرتبه على الطلاب وعائلاتهم من أعباء تصل إلى تهديد حياتهم الأكاديمية والمهنية، فالجامعتين الأميركية في بيروت AUB  واللّبنانيّة - الأميركية LAU، باشرتا بتطبيقه والآخرون على الطريق. في المقابل، لم يرضخ طلاب لبنان، وهم باشروا سلسلة تحركات بلغت ذروتها نهاية الأسبوع الفائت بتحرك حاشد في شارع الحمراء تحت عنوان «يوم الغضب الطلابي»، ما أدّى إلى تراجع أو تباطُؤ باقي الجامعات الخاصة بتطبيق القرار.

لم تقتصر تظاهرة 19 كانون الأول على طلاب الجامعات الخاصة فقط بل شاركهم زملاء لهم في الجامعة اللبنانية، وذلك بعد إعلان إنبثاق حركة «طلاب لبنان» في مسرح دوّار الشمس والّتي تشمل تكاتف كل طلاب لبنان في الجامعة اللّبنانية والجامعات الخاصّة بهدف مساندة بعضهم البعض إلى حين تحقيق مطالبهم للوصول إلى «حقّ التّعلم» كنموذجٍ مثيلٍ سعت إليه الكثير من الحركات الطلابية على نحو ثلاثين عام حتّى الآن.

الطلاب: توقّعنا قمع مظاهرة السبت

تواصلت «اللّواء» مع طلّابٍ ناشطين في الحركات الطلابية في لبنان، كانوا قد تواجدوا  في تظاهرة «يوم الغضب الطلابي»، وفي هذا الصدّد، يؤكّد شربل شعيا، رئيس النّادي العلماني في الجامعة اليسوعية USJ، أنّ «الطلاب سيقومون بتحرّكات تصعيديّةٍ حتّى تحقيق أهدافهم وأولها إسقاط قانون دولرة الأقساط». أمّا عن موقف الطلاب جرّاء وقوف القوى الأمنية بوجه تحرّكهم، وبحسب ما يشير، «الطلاب كانوا يتوقّعون القمع ولكن ليس بهذه الطّريقة» التي يصفها «بالهمجيّة»، معتبراً أنّه «من حقّ الطلاب وبالأخصّ طلاب الجامعة الأميركية نهار السبت الماضي، بالإعتصام داخل حرم جامعتهم لكنّ القوى الأمنية خرجوا حينها لقمع التظاهرات من داخل الحرم، وبذلك يحمل مسؤولية هذا رئيس الجامعة فضلو خوري، فهناك طلاب قد دخلوا المستشفيات وتأذّوا كثيراً جرّاء التصادم الذي حدث».

وبالحديث عن مدى إستمرارية الإنتفاضة الطلابية يؤكّد شعيا بأنّها «مستمرّة بكل ما تحمله من مطالب حتى في حال نجاحهم بإسقاط قرار الدّولرة». ويتابع: «نحن نطالب بتمكين الجامعة اللّبنانيّة، وبشفافية مالية بين الطّلاب والإدارة. كذلك، نشدد على ضرورة إعتماد عقد طلابي يحفظ حقوق الطّالب الأكاديميّة داخل الجامعة، ويثبّت القسط الجامعي طوال فترة التعلم. إضافةً إلى الحقوق النقابية السياسية. وسنسقط قرار الدّولرة بالقوّة لنكمل مسيرة الحركة الطلابية بإطارٍ متروٍّ أكثر من العجلة التي نعمل بها الآن لإسقاط القرار الحالي».

«حقّ التعلّم» جمع «طلاب لبنان»

الغريب، لا بل الجميل أنّ سبت إعلان الغضب الطّلابي، لم يشمل فقط  صرخة طلاب الجامعات الخاصّة في لبنان، بل جمع طلاب الجامعة الوطنية بهم أيضاً، وعند سؤال شعيا وإحدى الطّالبات الناشطات في الحركة الطلابية وفي «تكتل طلاب الجامعة اللبنانية» سكينة بسما عن المطالب المشتركة الّتي جمعتهم للنزول يداً بيد إلى الشارع، يُجمِعان أنّ «قضيّة التعليم هي التي تجمع الطلاب إذ أنها حقٌّ للجميع، والحلّ يتمثّل بجامعة وطنية قويّة، لأنّها إذا توفرّت وكان لديها القدرة لإستيعاب الأعداد الكبيرة من تلاميذ لبنان ولو أنّ الدّولة تعيرها إهتماماً كما يلزم، لما اتّجه الطالب اللبناني لإختيار الجامعات الخاصّة».

وتضيف بسما بعد سؤالها أين يرون طلاب الجامعة الوطنيّة نفسهم في هذا الحراك، مجيبةً: «في الوقت الذي تطال فيه هذه الأزمة طلاب الجامعات الخاصّة، وباعتبار أن أزمة الجامعة اللّبنانيّة ليست مستجدة وآنيّة، وجودنا كـ «تكتل طلاب الجامعة اللبنانية» هو إيمان بأن قضية كل طالب قضيّتنا ولرفع مطالب الجامعة اللبنانية لأنّ التعليم الرّسمي هو الحلّ الوحيد لأزمة التعلم في البلد». وتشدد أنّ «الحل هو في زيادة القدرة الإستيعابية للجامعة الوطنيّة والتي لا  تتحقق آنذاك إلاّ باستقلالية إدارية في الجامعة تُتبع برفع موازنة الجامعة اللّبنانية وشفافيتها. إضافةً إلى ضرورة إعتماد إنتخابات طلابية عادلة تنبثق عنها مجالس طلابية شرعية، فالجامعة اللبنانية بحاجة اليوم أكثر من أي وقتٍ مضى لتكون في صدد التطور، فهي الخلاص لكلّ طالب يريد حفظ حقّه في التعلم».

محسن: الوضع العام حتّم زيادة الأقساط

ولعرض الموضوع من جهاته كافّت، اتّجهت اللّواء لسؤال أحد عمداء الطلاب في الجامعات الخاصّة، عميد الطلاب في الجامعة اللّبنانية الأميركية د. رائد محسن عن سبب اتّجاه الجامعات الخاصّة لهكذا قرار رغم التوصيات بعدم رفع الأقساط من قبل مجلس العليم العالي منذ تموز 2020، وبحسب محسن، «إنّ الجامعات الخاصّة تصرف الآن حسب سعر صرف 8000 ل.ل  و 9000 ل.ل عدا المازوت والكهرباء، فإلى متى يمكن أن تستمرّ؟ إذ أنّ الجامعة اللبنانية الأميركية كان من الممكن أن تقفل أبوابها بعد حوالي سنة ونصف تقريباً في حال بقي الدّفع على سعر ال 1515 ل.ل». ويحمّل محسن «مسؤولية هذا إلى القيّمين على السياسة المالية والإقتصادية في البلد منذ مطلع التّسعينات حتّى الآن». ويعتبر أنّ «الوضع العام في البلد حتّم على الجامعة أن تحدّد سعر الصّرف بحسب سعر المنّصة 3900 ل.ل، مع العلم أنّ الجامعة لا تريد أن تحقّق الأرباح».

وبدوره يفيد محسن بأنّهم «إذا لم يرفعوا الأقساط سيضطرّون لإغلاق قسم من المركز الطّبي للجامعة - مستشفى رزق وجزء من مختبراتهم»، ويضيف مُطمئناً الطلاب: «يمنع أن يتوقف تسجيل أي طالب في الفصل القادم بتوجيه من مجلس أمناء الجامعة ورئيسها إذا كان السّبب ماليّاً، كما قامت الجامعة بزيادة المنح للطلاب الذين يحصلون على مساعداتٍ مالية. وهناك 65%  من التّلاميذ، سيحصلون على مساعدات من الجامعة».

ويؤكّد ختاماً أنّ «الحل الوحيد أمام الجامعات هو في تحسّن الوضع الإقتصادي واستقرار سعر الصّرف، وتهمة حرم الطلاب التعلُّم يجب أن تُوجَّه لمن نهبوا أموال الشّعب وهرّبوهم وإلى من يديرون السّياسات المالية ووضع اللّيرة، فهم بدورهم أيضاً هجّروا طلاّب لبنان من الجامعات اللبنانيّة إلى الخارج أيضاً».

هل من منقذ؟!

١٩ كانون الأوّل 2020، إحتجّ «طلاب لبنان» في الشّارع حاملين مطالبهم، متمّسكين بحقّهم البديهي «حق التّعلم»، الذي باتوا مهدّدين بأن تشلّحهم إيّاه تداعيات فشل السياسات المالية في البلد. ورغم التّعثّر الإقتصادي الذي يعيشونه، ها هم الآن يُطالَبون من قبل جامعاتهم بأقساطٍ إضافية. قد ردّدوا شعاراً موحّداً بمَلءِ حناجرهم يوم السّبت الماضي «بدنا جامعة وطنية»، وما بين جامعاتٍ خاصّة إتّجهت لدولرة الأقساط وجامعةٍ وطنيةٍ مهمّشة بموازنتها ومتابعتها من قبل الدّولة حتى قبل الأزمة الإقتصادية، يقف الطّالب مكتوف الأيدي لا خيار له، فإذا رُفعت الأقساط لا مال معه، وإذا اتّجه للجامعة الأم لا مكان لإحتضانه. فهل سيصبح إذاً «حق التّعلم»، كما الدّواء والطّحين والمحروقات، مجرّد سلعةٍ ترتفع بارتفاع الدّولار وتهبط مع هبوطه؟ أي أنَ تدهور الدّولار بات سبباً في تدهور الحياة الجامعيّة لكلّ طالبٍ لبناني اليوم. وللأسف، من المرعب أن تكون الدولة صامتةً أمام ما يودي أجيال العلم في لبنان نحو الهاوية... تماماً كما باتت تتهاوى حقوق اللّبناني الواحد تلو الآخر! فهل من منقذٍ لهذه الأجيال؟!


أخبار ذات صلة

تونس.. حملة اعتقالات تطال 600 شخص أغلبهم «قُصّر وأصحاب سوابق»
الثلوج تلامس الـ1100 متر غدا.. متى ينحسر المنخفض الجوي؟
العراق قلقٌ من التوتر الأميركيّ الإيرانيّ.. ويتطلّع للعمل مع إدارة [...]