بيروت - لبنان 2020/10/20 م الموافق 1442/03/03 هـ

«أحد الوِحدَة»: تاريخ مفصلي جديد لـ«الثورة»

بيروت منارة الإنتفاضة ليل أمس
حجم الخط

«هي ثورتنا الباقية من هنا، والمستمرة أبدا حتى تحقيق مطالبنا التي رفعناها». 

 كلمات مختصرة، لكن ذات دلالة وجدانية تخرج من الناشطة ألين، المستمرة في ساحتي رياض الصلح والشهداء منذ اندلاع جذوة «الثورة» في 17 تشرين الأول الماضي.

 تتسلل دموع الفرح من عيني الناشطة الثورية، ذات الميول اليسارية، وهي ميول لا يخفيها من افتتحوا تظاهرة أمس انطلاقا من رياض الصلح وصولا الى الشهداء وما أمكن من متفرعاتها.

كان أهم ما خرج به متظاهرو أمس أنها المرة الأولى التي يشهد فيها وسط بيروت هذا الحشد الكبير منذ يوم الأحد الكبير الذي سبق الهجوم على الساحتين وتدمير الكثير من مقتنياتهما.

شكلت تلك الرسالة الأبرز لدى عشرات الآلاف الذين بدأوا بالتوافد الى الساحتين منذ اختتام خطاب رئيس الجمهورية ميشال عون أمام مؤيديه في بعبدا بعد الظهر، واستمروا بالتوافد حتى حدود الساعة السادسة مساء، علما أن موعد التظاهرة كان قد حدد في الرابعة عصرا تحت عنوان أحد الضغط» أو «أحد الوحدة» وهو العنوان الأكثر جذبا.

كانوا شبانا وشابات ورجالا ونسوة وحتى أطفالا من أصحاب التوجهات المناهضة للسلطة على اختلاف مشاربها، في تمرد غريزي من قبل تلك الفئات الشابة التي أضفت على الساحات طابعها الخاص، على من رأى المتظاهرون أنهم سرقوا منهم الواقع وحتى الأحلام في بلاد لم تحترم رعاياها. 


رياض الصلح تنبض بالثورة

والحال أن الساحات جمعت مختلف المشارب، فإذا كانت المشارب اليسارية قد أضفت على رياض الصلح رونقا الخاص بأناشيدها وزي «ثوارها» وطابعهم المتمرد وحتى السحنات القاسية للبعض منهم وغالبيتهم من الحزبيين المعارضين لأحزاب السلطة، بدا العنصر المستقل طاغيا على معظم التظاهرات المتنقلة التي لم تكن ذات قيادة واحدة، بل طغت عليها المسيرات المصغرة غير المركزية، وهو أمر يشي بنوعية الشباب المتمرد وغير الراغب بالالتزام بأوامر تحدد له وجهته.

بلغت التظاهرة أوجها مساء، وقدم المؤيدون من مناطق مختلفة، وإن كانت بيروت، بشقيها الشرقي والغربي جغرافيا، قد رفدت المسيرات بطوفان بشري جعل من الثالث من تشرين الثاني تاريخا مفصليا آخر على طريق «الثورة». 

يعلم هؤلاء تماما صعوبة المهمة، وهم يعلنون صراحة أن الأمر ليس عبارة عن انقلاب يقومون به لدحر سلطة اضطهدتهم، بل ان في الأمر تراكما تاريخيا وضع هؤلاء حجر الأساس له منذ السابع عشر من تشرين الأول.

ولعل أكثر ما في المشهد رمزية هو الاختلاط الثقافي والمناطقي والطبقي الذي انعتق في صورة موحدة وحماسية لم تعد تعير وعود السلطة أهمية تذكر. والواقع أن مسيرة وسط بيروت لم تكن ردا على المسيرة المؤيدة للعهد الرئاسي في بعبدا والتي شكلت حشدا كبيرا بدورها، لكن الجميع في الوسط يعلم تماما أن مشهد الساحتين كان، واقعيا، مواجها لبعبدا. ويعبر أحد المتظاهرين بصراحة على ذلك بالقول: نزلنا اليوم (أمس) تحت شعار وطني، بينما نزل الآخرون تحت الشعار الحزبي.


 
على طريقته يعبّر عن سخطه من السلطة


لا مفر من المقارنة إذا، والحال هذا، يرفض من في ساحتي رياض الصلح والشهداء ما جاء به رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل في خطابيهما، برغم أن لا إجماع على رفض كل ما جاء في هذين الخطابين، لكن على العموم، كان واضحا أن لا ثقة للمتظاهرين بوعود السلطة.

«لقد اختبرناهم كثيرا في الماضي، ولا نية لدينا بامتحانهم مجددا». يقول روجيه القادم من المنصورية. ويضيف: لماذا انتظروا حتى الآن لإغراقنا بالوعود بعد نحو 30 عاما؟!».

هو سؤال وجيه، لكن من غير المنطقي تحميل مسؤولية الأزمة الى جهة محددة في السلطة، لكن المشاعر الدافقة لا توفر فرصة للدفاع عن أي من رموز السلطة التي أمعنت طويلا باحتقار مواطنيها، كما يؤكد محمد الذي يشير بتأثر الى مشهد تمثيلي لمواطنين ثلاثة نزلوا الى المكان حيث لبسوا الأكفان ولجأوا الى إظهار شنقهم لأنفسهم وقد رمزت إحدى الممثلات الى العام 1975 تاريخ اندلاع الحرب الأهلية، ووجه الثاني اتهامه الى الطائفية عبر شنق نفسه أيضا، بينما دعا الثالث الى التبرع بأعضائه كافة عند موته الى الفقراء باستثناء إصبعه الأوسط الذي يريد توفيره للسلطة!

والواقع أن «الثوار»، في الغالب الأعم، لا يريدون تكرار خطأ الخروج الى الشوارع وقطع الطرقات، أقله حتى الآن. هم يعرفون تمام ان هذا الأمر سيقلب المزاج العام ضدهم. لكن هذا لم يمنع إحدى المتظاهرات من رفع شعار يقول صراحة «نحنا قاطعين طرقات، هني قاطعين: الكهرباء، المياه، البنزين، الطحين، الطبابة، التعليم، المستقبل، الهواء، العدل، الاستقرار، الوظائف، التطور، المساواة...

وهي بذلك قد اختصرت مأساة البلد ومواطنيه الذين رفع بعضهم لافتة في رياض الصلح تحدد الشعار الأبرز للمعتصمين: إنتو الفراغ، بلا تهويل، في بديل. وهناك، في ساحة رياض الصلح، صدحت الهتافات المنددة بأركان السلطة وبالمجلس النيابي وبحكم المصارف وبغيرها الكثير من شعارات حبسها اللبنانيون طويلا الى ان توفرت الفرصة لتفجيرها.

وبينما يتوحد المتظاهرون عموما في الشعارات، يختلفون أحيانا في الأسلوب كما هو الحال في المهلة التي أعطاها البعض للسلطة لبدء بالاستشارات النيابية لاختيار رئيس الحكومة. ويقول هشام من «هيئة تنسيق الثورة» «إننا أمهلنا رئيس الجمهورية والكتل النيابية حتى مساء الثلاثاء (غدا) للقيام بواجباتهم، وإلا سوف نبدأ في التحرك صباح الأربعاء». ويعلق على كلام الرئيس عون أمس «كان عليه أن يحدد موعد الاستشارات كما شكل الحكومة، وهو لم يقم بذلك».

مع ساعات الليل، وفي ظل تصاعد حماسة المتظاهرين، إندفع البعض الى الدعوة الى إضراب اليوم واستئناف قطع الطرقات، وهو ما يعارضه معظم المتظاهرين. وقد دفع هذا الأمر بـ«هيئة تنسيق الثورة» الى التمني على الناشطين في «الثورة» الى التعبير عن رأيهم مع مراعاة الظروف الانسانية للمواطنين، وهو ما يعني عمليا عدم موافقتها على قطع الطرقات. لكن السلبية في بيان التنسيقية بدت في دعوتها الى استمرار إقفال المدارس والجامعات الى حين تشكيل حكومة خارج المنظومة السلطوية ويرضى عنها اللبنانيون، حسب بيان للتنسيقية. أما ما بعد مهلة مساء غد، فهو التصعيد الشامل من قبلها.

في كل الأحوال، حقق المتجمهرون أمس هدفهم، في ظل تنسيق كبير مع المناطق برغم أن العديدين قد قدموا الى التظاهرة من مناطق تشهد مسيرات مماثلة كما هو الحال مع قادمين من طرابلس وصور وغيرها من المناطق. وستكون خطواتهم المقبلة رهنا بسرعة استجابة السلطة للوعود التي قطعتها للبنانيين.

وعلى هامش الصورة، أو ربما في صلبها، تمثل أكثر المشاهد فكاهة في شعار رفعه البعض قرب مبنى اللعازارية متوجهين الى من قدموا قبل أيام من مناطق قريبة وأبرزها الخندق الغميق لقمع «الثوار» ومؤداه: كلنا بنفس الخندق الغميق! 



أخبار ذات صلة

أسباب رغبة اسرائيل في التطبيع مع السودان
ماذا حصل لسويسرا الشرق؟
البرلمان يجدد اليوم مطبخه التشريعي ويملأ شغور المجلس الاعلى