بيروت - لبنان 2020/10/20 م الموافق 1442/03/03 هـ

ساحتا الشهداء ورياض الصلح.. حيث يصنع عرس «الثورة»

قلب الوطن «ساحة الشهداء».. ينبض بأهله
حجم الخط

أجمل ما في الحراك في ساحتي رياض الصلح والشهداء كان استرجاع اللبنانيين لهويتهم الوطنية الواحدة، وانعتاقهم عن انقساماتهم الطائفية والمذهبية في سبيل شعارات تمسهم جميعا.

الساحتان كانتا على مراحل مختلفة محط تجمع لتظاهرات ولمسيرات هامة كانت أهمها في 8 و14 آذار من العام 2005 حين كان التاريخ اللبناني يخضع لصياغة جديدة صمدت طويلا حتى رضخت للمتغيرات في تاريخ السابع عشر من تشرين الأول قبل أيام.

 والحال ان هذا التاريخ المفصلي قد مهدت له إرهاصات عديدة أشّرت لما هو مقبل وقد كان أبرزها حراك المجتمع المدني قبل نيف وسنوات أربع احتجاجا على أزمة النفايات. في ذلك الحين، هب لبنانيون كثر الى الشارع رفضا للفضيحة وللنفايات التي ملأت شوارع لبنان، لكن يبدو أن الظروف في تلك الايام لم تكن ناضجة بما فيه الكفاية للانعتاق من الهيمنة السياسية والرعاية الحزبية والسلطوية، فتلاشت جهود المتظاهرين الذين تجمعوا يومها في قيظ شهر آب بعشرات الآلاف رفضا لإذلال كرامتهم وتمردا على طبقة سياسية أهملتهم.

هو التراكم التاريخي لأي حراك يؤسس لما بعده، وهو ما يتحدث عنه كثر تواجدوا في حراك العام 2015. واليوم، وفي عصر تفجر وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي التي بات في إمكانها فضح الفاسدين والممارسات الطائفية لأحزاب السلطة، بزغ فجر التغيير، مهما كان متواضعا، ذلك انه من المبكر الحديث عن انقلاب جذري يؤدي إليه الحراك الحالي الذي أسس لوعي هائل في وجدان اللبنانيين.

والواقع أن هاتين الساحتين في وسط بيروت قد تميزتا أخيرا بطوفان بشري قل نظيره في سبيل مطالب اجتماعية، وميزته انعتاقه (عموما وعلى الاخص في البدايات) من قدر السياسيين، حيث هتفت الحناجر حتى بُحّت رفضا للسياسيين واحتقارا للفساد، على تنوع مطلقيها وتلاوينهم ومشاربهم الطائفية والإجتماعية والطبقية.

من قلب بيروت هذا إنطلقت الشرارة، لكنها زادت التهابا في مشهد غير مسبوق في ساحات لبنانية أخرى حيث كسر حاجز خوف عمره من عمر النظام مثلما كسرت المحرمات تحت وقع الجوع والحرمان والمعاناة. هو القلب الذي شكل عرساً ما يحلو للهاتفين فيه تسميته بالثورة التي صدحت ولا تزال من ساحة الشهداء حيث مسجد محمد الأمين بإتجاه كنيسة مار جريس المجاورة فساحة رياض الصلح.

توحد الجميع في عرس «ثورتهم» تحت راية العلم اللبناني، حزبيين، على قلتهم، ومستقلين، على أكثريتهم، هتفوا كفرا بالسياسيين تحت شعار «كلن يعني كلن»، وهو شعار استهل قبل أربع سنوات، ولا يزال يدغدغ وجدان غالبية اللبنانيين، مهما قيل عن مؤامرات وتمويل، ومهما حاول كثيرون اختصار المعتصمين بنماذج غريبة وربما نافرة يرفضها الغالب الأعم منهم وهو ما كان واضحا في جولة «اللواء» على الساحتين وما بينهما وحولهما.

تلك الجولات الصباحية والمسائية في الساحتين لا تفعل سوى تأكيد ان لا قيادة للحراك، وهو ما قد يدفع بكارهي التغيير أو المتضررين منه الى وصمه بالسلبية، لكنه نقطة قوة تجعل من غير الممكن إطفاء جذوة التحرك، كما تؤكد نعمت، الناشطة المصممة والنشيطة والتي كانت قد خاضت الحراك قبلها بأعوام أربعة. 

ومع تصاعد الصرخة، أدت التحركات الى ورقة إصلاحات جدية من الحكومة، ومن ثم الى استقالة رئيسها سعد الحريري، وهما عاملان يصبان لصالح «الثوار». هم أبدوا افتخارهم بذلك، لكنه لم يكن كافياً بنظرهم، وهو الامر الذي لم يتمكن خطاب رئيس الجمهورية ميشال عون في ذكرى توليه المسؤولية، من إزالته. 

عن إنجازات الحراك

تعتبر نعمت ان ما حصل باستقالة الحكومة يعد خطوة جيدة، الا ان المعركة مستمرة. هي كغيرها كثر تعتبرها البداية. «نحن مستقلون» تقول، «ولا نرضى استغلال حراكنا من أي كان». 

يوافقها وليد الذي شارك في التحرك منذ بدايته، وهو يُصعّد من خطابه تجاه المسؤولين معبرا عن عدم ثقته على الإطلاق بهم، ومحذرا من صدام يريده الشارع الآخر. «نحن سلميون، لكننا سنمضي الى النهاية ويجب أن لا نتراجع على الإطلاق».

يمضي المعتصمون بخطاهم الى الأمام، نحو مطالب وقضايا يعتبرونها جوهرية في سبيل إحداث ثغرة في النظام الطائفي اللبناني. حكومة مستقلة ذات فترة زمنية محدودة تحضر لقانون انتخاب غير طائفي في سبيل انتخابات نيابية جديدة، حينها، يمكن للمجلس الجديد إعادة صياغة التركيبة السياسية في شكل جذري يمهد لمحاسبة الفاسدين ومحاكمتهم واستعادة الاموال المنهوبة من الشعب.

هي مطالب بسيطة، لكن كبرى، لا يجمع عليها المتظاهرون، وإن كانت الغالبية الساحقة تنادي بها، إذ يضيف إليها البعض إسقاط رئيسي الجمهورية والمجلس النيابي، ويطالب آخرون بحكومة من أصحاب الكفاءة والنزاهة، ويذهب البعض الآخر الى حكومة من العسكريين السابقين..

لا تولي نعمت أهمية كبيرة لما يقال عن انقاسمات لدى أصحاب الحراك، فالهدف واحد ومتدرج، والأهم، رفض استغلال السياسيين للتحرك. لكن هذا الأمر لا يخفي اختلافات حاصلة بين المعتصمين، وهذا ليس غريبا على حركة غير منظمة ذات مشارب كثيرة، وهي اختلافات، وليس خلافات، متعلقة بالأسلوب وليس بالمضمون. إذ يقول أحمد ردا على سؤال حول عدم توحيد المطالب ورفعها الى رئيس الجمهورية ميشال عون الذي طلب ذلك من المعتصمين، «إننا قد توجهنا إليه مباشرة وعلى الملأ ووجهنا مطالبنا بكل صراحة»، مضيفا «ليس هناك ثورة تتفاوض، بل الثورات توجه مطالبها حول قضاياها وعلى السلطات الحاكمة الاستجابة». ويعلق وليد على هذا الموضوع مشددا على ان السلطة لن تقدم التنازلات لوحدها بل بالضغط». هنا بالذات يكمن الاختلاف حول آلية هذا الضغط بين من يريد الاستمرار في قطع الطرقات وغالبية لا تحبذه مع استمرارها بالحراك واستعدادها للتحرك متى استدعى الأمر أو إذا اتخذ الحل الذي اقترحته السلطة وقتا. ربما يكون اندفاع الرافضين للخروج من الطرقات أو قلة النضج لديهم، وراء حماستهم الزائدة، لكن هذا الخروج يبدو بالغ الأهمية، في سبيل «ثورتهم» قبل غيرها.

في كل الاحوال، من المؤكد ان الحراك الفكري والسياسي بين المعتصمين هو دليل حيوية ونضج. وما يلفت الانتباه في جولة بين هؤلاء هو الوعي السياسي الكبير لديهم والذي يجب أن يتواءم مع واقعية حيال كيفية التحرك وتقدير مدى قرب تحقيق الأهداف المرجوة. والحال ان عنصر الشباب يبدو السمة اللافتة في الحراك، وإذا كان معظم المعتصمين ممن ينتمون الى الفئات الوسطى وما دون، فإنهم يتوزعون بين عناصر شبابية وطلاب من المثقفين وجمعيات أهلية ومستقلين، إضافة الى أحزاب سياسية كالشيوعي وحركة الشعب وحزب سبعة الذي ضم فئات كثيرة ممن قاموا بحراك العام 2015، وجمعيات من المجتمع المدني، وطبعا، فئات مهمشة ضربها الفقر والعوز، ورأت في طبقة المثقفين، إذا صح التعبير، منصة لرفع قضاياها.

 وقد شكل الحراك فرصة لمحرومين كثر لإبراز معاناتهم للإعلام. محمد قدم من الشمال صارخا للإعلاميين عن معاناته مع الجوع مع أولاده الثلاثة وهو بلا عمل. إستقر في المكان حيث نزل لإطلاق صرخة في وجه الحرمان والمطالبة بالحد الأدنى من الحقوق. «أنظر الى الخارج حيث تتم حماية من هم مثلي عبر راتب وحماية صحية وقارن هذا مع واقعنا».. ولكن هل ستحقق مطالبك هنا نسأله؟ لا يجيب محمد، يذرف الدمع علّ الكاميرات تلتقطها وتنقل معاناته.. ثم يمضي بعيدا. 

بالقرب من المكان، تتكلم ثريا، التي تعاني من شلل نصفي، باسم ذوي الإرادة الصلبة. هي تطالب بطبابة مجانية لمن هم في حالتها. تنادي بإيصال من يرفع صوتهم ويكون منهم ومشتركا معهم بآلامهم آمالهم، الى المجلس النيابي أو الى الحكومة. إذ من غير الممكن للآخر فهم ما يعانونه، وهي وجهة نظر محقة يجب على المعنيين الالتفات لها.


«قسماً سنبقى ثواراً».. دفاعاً عن الوطن من ساحة الشهداء


غرافيتي «الثورة»

 مما هو جذاب في التحرك وقد عبر عن مكنونات المتظاهرين، كان التعبير عن الآراء السياسية والاجتماعية عبر الجداريات أو ما يسمى بال Graffiti. 

 تحولت جدران ساحتي رياض الصلح والشهداء إلى لوحة فنية وسجل يومي للثوار فعبّرت عما في مكنوناتهم لتترجم أفكارهم وكرههم الكبير للسلطة. فعلى تلك الجدران وعلى الأرض والأعمدة، عبر المنتفضون عن غضبهم وسخطهم وفرحهم وسخريتهم وفكاهتهم، فرسموا جدارية الانتفاضة أو الثورة، ومن يعلم، قد تبقى تلك الجداريات طويلا لتؤرخ لهذه الايام المفصلية. 

هي شعارات سياسية ومطلبية غاضبة ومباشرة تختلط بشتائم ورسوم وشارات.. وعبارات الحب! تبدأ كلها بكلمة ثورة ولا توفر أحداً من السياسيين وأصحاب المصالح عبر ألوانها المختلفة وغالبيتها من دون توقيع. ومن المفارقات ان شعارات بعض أحزاب السلطة وأنصار من تم شتمهم في الساحات قد تدخلت في بعض الاماكن لمحاولة تلويث ما كتب، لكن المعتصمين كانوا أمهر في صياغتها وانتقاء كلماتها. 

هو في العموم الأسلوب الجميل في إيصال الرسالة متوارث من انتفاضات عالمية كبرى في الخارج.



حتى الطلاب الجامعيين.. لا للنظام الطائفي من رياض الصلح


ما بعد «الغزوة».. هريسة!

في ساحة الشهداء، إمتدادا نحو مبنى اللعازرية والأبنية المقابلة لها، بدا بعض الوجوم في البدء بعد الهجوم أو «الغزوة» على المنطقة وتدمير مقتنياتها وحرق الخيم فيها. 

لكن المعتصمين سرعان ما استعادوا زمام المبادرة واحتلوا الساحات مسلحين بما حفظوه ودرسوه حول الحريات السياسية والمدنية. هي في معظمها مجموعات طلابية رافقها أساتذة جامعات من الجامعة الأميركية والقديس يوسف واللبنانية الأميركية واللبنانية الدولية وغيرهم، وجمعيات مهنية ومجموعات من الناشطين، وفنانون ومحامون وأطباء، أعادوا مخيماتهم في ساحات اللعازارية والشهداء، بينما أخلى آخرون خيمهم إما خوفا أو قناعة بعدم إيجابية الصدام. وبين شعارات الغرافيتي حول «الحكم للشعب»، و«ارحلوا» وطبعا «كلن يعني كلن»، شرع هؤلاء ببراءة ومثالية في حلقات نقاش وندوات حول سبل التغيير.

نزولا في الساحة، ينتصب مجسم قبضة الثورة بالقرب من تمثال الشهداء، محاطا بخيم الشباب التي تتكاثر في تلك البقعة حيث تبلغ المثالية أوجها. نسوة وأمهات يفترشن بعض الطاولات، يقدمن الطعام البيتي المجاني للمتظاهرين في ظل نكتة سرت حول تمويلها من قبل السفارات. هناك أيضا، قدمت نسوة طبق «الهريسة» ذائع الصيت لدى الطائفة الشيعية والذي يتم تناوله في ذكرى عاشوراء. السيدة التي تسارع لتقديم الطبق بابتسامة عذبة تعلق بضحكة عن سؤالنا حول سبب عدم تقديمها المأكل لمن هاجم الساحة: كنا نود ذلك ولم يعطونا الفرصة!

الى جانبها خيمة لتدوير النفايات وبالقرب خيمة للعسكريين المتقاعدين زارها بعض الكتائبيين.. قبل انسحابهم، على الأقل ظاهرياً، من الخيم. وهناك، تتكثف الخيم والشوادر محيطة بتمثال الشهداء حيث يختنق المكان بالزوار، وصعودا نحو جامع الأمين، يجمع المشهد عناصر مختلفة من بينها ذلك النسائي. «إنه دليل على عدم طائفية حراكنا». تقول آمنة ذات الحجاب الأنيق. وتضيف «لن يتمكنوا من تطييف التحرك.. هذه فرصتنا التي يجب ان نقتنص». إلى جانبها، تمر فتاة يافعة متمتمة على الهاتف بلغة فرنسية تدل على خلفيتها التي تبدو جلية مع توجهها صعودا نحو خيمة طلاب الجامعة اليسوعية. 

مع ساعات المغرب ومن ثم المساء، تبدأ عادة حلقات غناء ورقص ودبكة وموسيقى على وقع صوت مارسيل خليفة وجوليا بطرس وغيرهم، في مشهد لبناني بامتياز يبرع فيه المواطن في التنفيس عن مكبوتاته مع النزوع الى العض على الجرح وابتكار وسائل للفرح والبهجة. 

لا يضير هؤلاء اتهامات أخلاقية كيلت لهم. لا بأس. هي حريات شخصية مثلما لا يجب ان يتم اختزال مشهد «الثورة» بعمل هنا وآخر هناك. والواقع انه يمثل ظلما للناس ولأسباب نزولهم الى الشارع، لا بل هو دليل على تعددية يجب على الجميع ان يرضى بها، فصورة الانتفاضة تقارب كاملة، والمشهد يعبر عنه برزمته المتكاملة، في إيجابياتها كما في سلبياتها.

أسئلة المستقبل

والحال أن مع توالي خطاب السلطة التصالحي معهم، كان من الطبيعي أن يشعر المنتفضون بفعل صناعة التاريخ مهما كان هذا الشعور مبالغا به. ورقة الاصلاحات الاقتصادية لم تعد ذات قيمة بالنسبة إليهم، وفي كل الاحوال، مع سقوط الحكومة فقد باتت الورقة من الماضي لهم. والآن، بات تقييم الانجازات ضروريا لمآل الحراك بعد ان وضع أصحابه أمام استحقاق تقرير مصيره.

اليوم، تشهد الساحات نقاشا عميقا وصل الى حد السجال في بعض الاحيان، حول ما تحقق مع طرح أسئلة من نوع: ما تحقق يعد إنجازا كبيرا، فهل بتنا أمام استحقاق ابتكار وسائل جديدة لا تؤذي المواطنين وتركز على السياسيين؟ كيف نستطيع تجنيب تحركنا لوثة تسلل السياسيين؟ كيف نتجنب استفزاز الشارع الآخر؟ كيف ننسحب ونتجنب توفير فرصة للسلطة لالتقاط الأنفاس؟ ثم السؤال الأهم: هل في إمكاننا التراجع؟

في العموم، بعد أخذ ورد، وفي ظل غزارة الافكار والرؤى، وبعد تجاذب في ساعات الليل والنهار، وفي ظل قرار حاسم من قبل الجيش اللبناني بفتح الطرقات، يستقر الرأي الغالب على الالتزام بساحتي الشهداء ورياض الصلح. ترسخت الخيم التي كانت المجموعات المختلفة قد عمدت إلى إعادة نصبها، تتعالى أصوات الثوار المتماثلين مع ساحات فرنسا والربيع العربي، لكن من دون الذهاب الى تسهيل الامور أمام السلطة لاعتبار هؤلاء ان من تسبب بأزمات البلد عليه تقديم الحلول، والشارع سيكون مراقبا لما ستقدم عليه السلطة، لا بل ذهب كثيرون الى «تخوين» كل من يجري حوارا مع السلطة والعهد واعتبار أفكاره ساقطة حكماً في الشارع. 


أخبار ذات صلة

أسباب رغبة اسرائيل في التطبيع مع السودان
ماذا حصل لسويسرا الشرق؟
البرلمان يجدد اليوم مطبخه التشريعي ويملأ شغور المجلس الاعلى