بيروت - لبنان

اخر الأخبار

22 آذار 2021 12:00ص أوراق بيروتية 10: السلطان سليمان القانوني يمسح أراضي السلطنة بما فيها بيروت

وثيقة الروك وثيقة الروك
حجم الخط
 
 
كان قسم الشرطة أيام محمد علي باشا يسمّى «بالثمن» وقد قسّمت القاهرة في أيامه إلى ثمانية أقســـــــــام (من هنا جاءت التسمية لمخفر الشرطة بالثمن) لكل ثمن قسم شرطة، وسار القول بقسم شرطة الأزبكية مثلاً بدل القول شرطة قسم الأزبكية (علماً ان مركز الشرطة في الأرياف المصرية يسمّى المركز). كما قسّمت دمشق قديماً إلى أثمان من قبيل تحديد الحدود الإدارية. وقسّمت بيروت القديمة أيضاً إلى أثمان - بتأثير من الوجود المصري - يذكر أنه عندما احتج إلى إضافة قسم جديد في دمشق فسمّي «الثمن التاسع».

وفي سنة 1864م وبموجب قانون الولايات شكّلت في بيروت أربع دوائر بهدف إجراء الانتخابات البلدية.

وضمّت تلك الدوائر محلات بيروت القديمة سواء الكائنة ضمن السور أم خارجه. وكانت المحلات ضمن السور هي محلات الدباغة والشيخ رسلان والفاخورة والحمام الصغير والحضرة (الحدرة) والغربية والشرقية والدركاه ورجال الأربعين والتوبة. أما خارج السور فمحلات الباشورة وزقاق البلاط والمصيطبة والمزرعة ورأس النبع الغربي والشرقي والصيفي والرميلة والرميل والأشرفية والقيراط وميناء الحسن وجميزة يمين والمريسة ورأس بيروت. وعندما قسّمت البلدة إلى أثمان ضمّ الثمن الأول محلات الدباغة والفاخورة والحمام الصغير والشيخ رسلان والدركاه (الطمليس) والرجال الأربعين. وضم الثمن الثاني محلات الرميل والصيفي والقيراط. وضم الثمن الثالث الباشورة والمصيطبة ورأس النبع. وضم الثمن الرابع المريسة وجميّزة يمين وميناء الحسن وجزءاً من المصيطبة الخ.

وكانت قطعة الأراضي تعرف بحدودها وجيرانها، وأحياناً بأشجار معمّرة كالجميز والخروب. وقد أمكن تحديد مواقع البيوت والأراضي والمباني قياسا على المواقع والمباني الدينية والأثرية المعروفة سواء تلك التي هدّمت أثناء تخطيط بيروت إبان الحرب الأولى أم تلك التي لا تزال موجودة كالمساجد والزوايا والكنائس والأديرة والجبانات والأنهار والأبنية الحكومية كالسراي الكبير والمستشفى العسكري والمدرسة العسكرية (حوض الولاية) والمدرسة السلطانية (كلية المقاصد للبنات) والتي يمكن الاستئناس بها لوضع خريطة لبيروت.

قانون الطابو

يذكر أن قانون تسجيل الأراضي (الطابو) الذي صدر في 26 صفر الخير سنة 1278هـ/ 1861م ترك الخيار لمالك الأرض بتحديد مساحتها إما بذكر حدودها أو بقياسها بالذراع. وكان أعضاء لجان المسح يكتفون بتقدير المساحة بالنظر أو يعدونها بالخطوات أو باستعمال الحبل فنشأ عن ذلك اختلاف في النتائج، ولذلك حددت بعض الوثائق الحدود بالمالكين المجاورين وذكر شجرة معمّرة كالجميزة والزيتونة والتوت المفروض وأصل عريشة.

من المعروف أن عملية المسح قام بها السلطان العثماني سليمان القانوني فعيّن سنة 965هـ/ 1567م لجنة لمسح أراضي السلطنة بما فيها بيروت. ودوّنت أسماء المالكين في دفاتر (سجلات) وأصدر السلطان سنة 1010هـ/ 1602م إرادة سنية بحفظ السجلات في نظّار الدفتر الخاقاني ومنحها القوة الثبوتية المطلقــة ولا تزال تلك الدفاتر محفوظة في تركيا.

وفي السابع من شهر رمضان المبارك سنة 1274هـ/ 21 نيسان 1858م صدر قانون الأراضي العثماني وتبعه في السنة التالية في الثامن من شهر جمادى الثانية سنة 1275هـ/ 13 كانون الثانـــي 1589م نظام الطابو. وقد أوجدت هذه النصوص نظارة الدفتر خانة أي نظام سند الطابو التي عهد إليها بوضع النظام العقاري الجديد والسهر على تطبيقه وبتسليم المالكين سندات طابو وفقاً للأصول المرسومة.

وقسّمت السلطة العثمانية الأراضي معتمدة الدرهم والقيراط والحبة فكان يجري تخمين الأملاك باعتبار محاصيلها لبيان أهمية العقار من أجل فرض الضريبة عليه وجعل كل جزء منها قيمته 2400 غرش يساوي الدرهم المساحي الواحد.

وقسّم الدرهم الى 24 قيراطا والقيراط الى 24 حبة. والقيراط تعني حبوب الخروب التي كانت تستخدم في وزن الذهب، قيل هي كلمة قبطية. وقال البستاني يونانية معرب كيراتون، استعمله المولدون دستوراً في الحساب وهم يقسمون المتجزئات الى أربعة وعشرين قيراطاً لأنه أول عدد له نصف وثلث وربع وسدس وثمن صحاح من غير كسر ، فيطرد التقدير به.

الشملة مقياس المساحة في بيروت

وقد عرفت عملية المسح هذه في المصطلح باسم «الروك» وهي قبطية أصلها «روش» ومعناها الحبل ثم استعملت للدلالة على عملية قياس الأراضي بالحبل. وهذا الحبل كان يعرف عند البيارتة بالشملة التي كان يتم قياس الأراضي وبيعها على أساسها وكان طول شملة بيروت عشرة أذرع وشاع القول بأن الأراضي في بيروت بالشملة. ولو قدّر لهذه الشملة أن تحفظ في متحف للأدوات كما حصل للمتر لكانت أصبحت أداة قياس معرفاً بها.

وقد اصطلح على استعمال لفظة «روك» في مصطلح الإدارة المالية في مصر والشام في العصور الوسطى للدلالة على عملية مسح الأراضي وحصرها في سجلات وتثمينها وتقويم العقارات الثابتة مرة كل ثلاثين سنة. وهذا المسح يشبه ما فعله وليم النورماني بعد أن فتح انكلترا سنة 1066م وسمّي كتاب الروك بإسم Domes Day Book وقد نشر نيجل Nijel سنة 1176م رسالة قال فيها ان الانكليز يسمّون كتاب المساحة Domesdei تشبّهاً بيوم الحساب لأن الفحص شمل كل شيء بحيث لم يتمكن أحد من القرار منه. وان ما قرره السجل المحفوظ أضحى غير قابل للتغيير أو الاعتراض. وكلمة طابو Tabo تركية معناها الطاعة والانقياد، استعيرت للدلالة على المال المأخوذ لبيت المال بمقابل الانتفاع بالأراضي الأميرية.

الخربوطي مدير الدفتر الخاقاني

عرفت دائرة تسجيل الأراضي بإسم «الدفتر الخاقاني» وكانت دائرة بيروت تتبع دائرة دمشق ثم أنشئ الدفتر الخاقاني المستقل في بيروت منذ 16 حزيران سنة 1295 (مالية) 1297هـ/ 1879م وكان صاحب الفضيلة محمد جمال الدين من الموالي العظام ابن الشيخ إسحاق عبد الله الخربوطي مأموراً للدفتر الخاقاني في ولاية بيروت سنة 1309هـ. والخربوطي والخربوطلي نسبة الى بلدة خربوط التركية الأناضولية ولا تزال لها فروع في بيروت منها المربّية الفاضلة السيدة حنان خربوطلي المديرة السابقة لكلية المقاصد للبنات ومحمد عمر المتولي الخربوطي زوج فاطمة عيتور.

ومن المهم الإشارة الى أنه في سنة 1864م أصبح تسجيل المعاملات العقارية من بيع وشراء ومقاسمة إلزامياً في المحكمة الشرعية وفقاً للتعليمات التي صدرت في حينها وعمّمت وجاء فيها:

«بما أنه لحد الآن لم يصر حفظ الأصول المؤسسة بتحرير الحجج الشرعية في المحكمة المطهرة بكل ملك يباع ويشرى أو تجري عليه مقاسمة الشركاء كما يقتضي بل قد يشاهد بعض حجج صار تحريرها في الخارج. وحيث عدا عن كون ذلك مغايراً للأصول الشرعية إلا أنه أيضاً هو السبب الأقوى لتشويش دفاتر الأملاك التي من نظامها أن لا تجري بها انتقالات بدون حجج شرعية وكذلك على الأهالي يوجد المحذور أيضاً بالمنازعة والدعاوى بالمستقبل لعدم وجود سند شرعي يضمن ذلك لأنه غني عن البيان أن هكذا أوراق خارجية لا يعتمد عليها قطعاً فلأجل التخلص من هذه الغوايل المحذورة وراحة الحكومة والأهالي، يقتضي كل شار وبائع أو مقاسم أن يحرر حجته في المحكمة المطهرة ثم يحضرها الى دائرة الأملاك لكي تصير الانتقالات بموجبها. وكل من خالف ذلك فعدا أن لا تسمح له دعوى بالمستقبل مطلقاً بموجب ورقته المحررة خارج المحكمة، لا شرعاً ولا نظاماً بل فوق ذلك كل من يظهر أنه مستند على هكذا أوراق تجري بحقه المجازاة قانوناً. ولأجل إجراء التحريرات والتنبيهات اللازمة بهذا الخصوص فبحسب الأمر الكريم المشيري قد صار نشر هذا الإعلان».

وكانت تنشأ بعض المنازعات عن النقض في تحديد الأراضي أو حول الذراع المستعمل في الكيل.

ففي 8 ربيع الثاني 1281هـ/ 1864م ادّعى عبد الرحمن وعبد القادر محمد سلطاني انهما اشتريا من شقيقة إبراهيم قرنفل قطعة أرض في حي الباشورة مساحتها 63 ذراعاً بالذراع المعماري الاسلامبولي وأن إبراهيم يحاول ضمّ هذه القطعة الى أرضه وثبت أن المساحة المختلف فيها تابعة للمبيع أصلاً.

وفي 24 صفر الخير سنة 1281هـ/ 1864م قالت محبوبة الدلّالة المكنّاة بأم علي بنت حمد المصري أنها بَنتْ في محلة الغلغول داراً تركت من جهة شرقها ذراعاً وربع تريد التصرف بها والمرور عليها فرد عليها بأنها اشترت الأرض من يوسف آغا النويري وهذا الأخير اشتراها من إبراهيم التيان الذي كان قد اشتراها بدوره من آل الشلفون. وقيل وقتها بأن الذراع وقت الشراء كان أقصر منه عند المنازعة. ثم صار الاتفاق بين المتداعين على أنه بالذراع المعماري القديم. يذكر أن ابن إياس ذكر في حوادث سنة 927هـ (ذو الحجة) 1521م أن قاصداً (رسولاً) قَدِم من إسطنبول الى الشام فالقاهرة وأظهر مراسيم من السلطان سليمان وأحضر معه ذراعاً من الحديد تزيد على الذراع الهشمي الذي تتعامل به الأهالي وأحضر معه سنج نحاس وارطال. وأشيع أن السلطان رسم بإبطال الذراع والسنج المتعامل بها وان التجار وأرباب البضائع لا يتعاملون إلا بها فنودي باستعمال الذراع الاسطنبولي وأخذ التجار بكسر الأذرعة الحديدية الموجودة عندهم في الدكاكين.

البيع بالذراع وأجزاء القيراط

يذكر أن بيع الأراضي في بيروت كان ولا يزال يتم على أساس الذراع المعماري الاسلامبولي في حين أنها خارج بيروت تبــــــاع بالمتر المربع. كما أن الأقمشة كانت تباع بالذراع ولا نزال نذكر الذراع الحديدي أو الخشبي الذي كان تجار القماش يقيسون به سواء في محل الادلبي وغيره من التجار في سوق الجوخ أو لدى تجار الأقمشة الحريرية كمحل عارف حمزة وأولاده في شارع المعرض ومحل نقولا الصدي في السوق الطويلة.

ومما يلفت النظر ورود تفاصيل أجزاء القيراط في بعض الوثائق العقارية ففي 9 جمادى الثانية 1284هـ/ 1867م باعت خديجة وزينب محمد الحلواني الى شقيقهما الحاج محمد قاسم الحلواني حصتهما من الدار الكائنة في محلة فتح الله قرب الحمام الصغير والحصة هي «ثمانية قراريط وسبعة اتساع عشر القيراط وتسع تسع عشر القيراط وتسع تسع تسع عشر القيراط وخمسة أثمان تسع تسع تسع عشر القيراط وأربعة أثمان ثمن ثمن تسع تسع تسع عشر القيراط وأربعة أثمان ثمن ثمن تسع تسع تسع عشر القيراط وأربعة أسباع ثمن ثمن ثمن تسع تسع تسع عشر القيراط وثلثا سبع ثمن ثمن ثمن تسع تسع تسع عشر القيراط...».

وقد غابت هذه الأجزاء بعد تنظيم السجل العقاري وعمليات التحديد والتحرير التي أجريت في عهد الانتداب الفرنسي.

«الروك» وهي كلمة قبطية أصلها «روش» ومعناها الحبل ثم استعملت للدلالة على عملية قياس الأرض بالحبل. يذكر أن قياس الأراضي في بيروت عامة والبسطة خاصة كان يتم بواسطة الشملة (الحبل) وكان طول شملة أبو العبد البيروتي عشرة أذرع. وحق لنا أن نسمي كتابه بإسم «كتاب المسح الزيني» قياساً على عملية المسح التي قام بها وليم النورماني وسميت Domesday Book ذلك ان الإنكليز يسمّون كتاب سجل المساحة Domesdei تشبّهاً بيوم الحساب لأن الفحص شمل كل شيء بحيث لم يتمكن أحد من الفرار منه.



* مؤرخ