بيروت - لبنان 2020/09/18 م الموافق 1442/01/30 هـ

أيام بيروتية (31): دماء شهداء بيروت في الدانوب الأزرق

حجم الخط

ذكر عبد الرحمن الجبرتي في كتابه «تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار» انه «ورد مرسوم من الدولة فعمل السلطان الديوان وفيه الأمر بقراءة البخاري بالأزهر والدعاء بالنصر للسلطان على الموسكو فانهم تغلبوا واستولوا على قلاع ومدن عظيمة من مدن المسلمين وكذلك يدعون له بعد الأذان في كل وقت، وأمر الباشا بتقرير عشرة من المشايخ يقرأون البخاري في كل يوم ورتب لهم في كل يوم مائتين نصف فضة لكل مدرّس عشرون نصفاً...» (ج2 ص79).

من النواميس الطبية التي تتناقلها العامة ان الجرح الذي يختم على زغل لا يلبث أن يفسد وينتن من جديد فيصيب الجسد كله بالمرض والحمى ويمكن قياسا تطبيق هذه النواميس على الحلول التي تضعها الدول الكبرى، فكل مرة تدخّلت فيها بشؤون الدول الصغرى مستغلّة بعض القضايا المختلف فيها كالأوضاع الإثنية أو الدينية تحت ستار من نظريات سامية وغيرة كاذبة على حقوق الإنسان ومصالح الجماعات وحماية الأقليات. نذكر التدخّل في المسألة اللبنانية والمسألة الفلسطينية وفي جمهوريات آسيا الوسطى، كما حصل في المسألة البلقانية منذ سنة 1877وفي الحرب بين روسيا والدولة العثمانية.
وهذه الحرب الأخيرة تعتبر احدى محاولات وصول روسيا الى المياه الدافئة وعرفت بحرب البلقان. بدأت سنة 1876م عندما أعلن الصرب والجبل الأسود (مونتي نيغرو) الحرب على الدولة العثمانية متحالفين مع روسيا. إلا ان هزيمة الصرب ووصول الجيش العثماني الى ضواحي بلغراد دفع الروس الى التدخّل مباشرة وإعلان الحرب مما جعل الدول الأوروبية تتنادى لعقد مؤتمر في الأستانة بين كانون الأول/ ديسمبر 1876م وكانون الثاني/ يناير 1877م اتفق فيه على توحيد البوسنة والهرسك وحكمهما بواسطة والٍ عثماني بموافقة الدول الكبرى على غرار متصرفية جبل لبنان. ولكن إعلان الدستور من قبل السلطان عبد الحميد الثاني أثناء انعقاد المؤتمر أدّى الى فشل المؤتمر لان الدستور نص على إنشاء مجلس نيابي ومجلس شيوخ واعتماد اللامركزية وضمان الحرية والعدالة لكل الرعايا، فخرجت روسيا من المؤتمر مصممة على عدم وجود خيار آخر غير الحرب فحيدت النمسا بالسماح لها بالسيطرة على البوسنة والهرسك واتفقت مع رومانيا وأعلنت الحرب تحت شعار تحرير شعوب البلقان من الحكم العثماني.
دارت معارك طاحنة في مدينة بلافنة اندفع على أثرها الروس الى صوفيا وأدرنه ووصلوا الى مشارف الأستانة وعسكروا في سان ستيفانو. وعقد في هذه الأخيرة اجتماع لمندوبي الدولتين اضطر العثمانيون فيه الى توقيع معاهدة مؤلفة من 29 بنداً أهمها: توسيع بلغاريا توسيعاً كبيراً فأصبحت تمتد حتى بحر إيجه وأن تكون مستقلة مرتبطة شكلياً بالدولة العثمانية. ومنح الاستقلال لإمارة الصرب والجبل الأسود. كما حصلت رومانيا على الاستقلال وحصلت روسيا على قارص وباطوم وغيرهما. وعلى أن تتنازل روسيا عن الغرامة التي فرضت على تركيا وبلغت 164 مليون ليرة ذهبية. وقد تذمّرت الدول الأوروبية من تلك الشروط (التي قلنا انها شاعت بعنوان شروط المسكوب).
جاء في المقدمة التي وضعت لمذكرات السلطان عبد الحميد الثاني التي نشرت سنة 1991 ان «فيليب نيولنسكي جاء يعرض على السلطان شراء أرض فلسطين فأجابه ان هذا الوطن ليس ملكي بل هو ملك لأمتي روته بدمائها وقبل أن ينفصل عنا لا بد أن نغمره بدمائنا مرة أخرى، ان أبنائي من العساكر من فرق سوريا وفلسطين قد استشهدوا جميعا في حرب بلافنة وظلوا بأسرهم في ساحة القتال مصرّين على أن لا يعودوا». وإشارة السلطان الى معركة بلافنة بالذات تأكيد لأهمية المعركة الضارية التي شهدتها هذه المدينة وما نتج منها.
وكما قلنا فقد بدأت الحرب بين الصرب والجبل الأسود والدولة العثمانية ثم تدخّلت فيها روسيا بالتحالف مع رومانيا. فعبر الجيش الروسي الجرّار نهر الدانوب ووصل الى جبال البلقان عند بلافنة ذات الموقع الاستراتيجي كمفترق طرق في بلغاريا وكان الجيش العثماني قد توزع على ثلاث جبهات: جيش الجبهة الغربية ومقره في فيدن على نهر الدانوب على حدود رومانيا وجيش الجبهة الشرقية ومقره في روسجق على الدانوب قرب حدود رومانيا والجيش الثالث بين الموقعين.
كان لعبور الجيش الروسي لنهر الدانوب الأثر الكبير في تغيير مسار الحرب، ففي تموز 1877 احتل الروس مضيق شبكة وهو من أهم المواقع الاستراتيجية في جبال البلقان فانحصرت المعركة الفاصلة حول بلافنة بقيادة عثمان باشا الذي سار من فيدن الى بلافنة فوصلها بعد مسير سبعة أيام بلياليها وبدأ بتحصينها عندما داهمه الجيش الروسي. فجرت معركة بلافنة الأولى في 19 تموز 1877 وانتهت باندحار الجيش الروسي وخسارته الكثير من الرجال والعتاد وأعاد الروس الكرة في بلافنة الثانية في 30 تموز وانتهت بخسارة كبيرة ما حدا بالقيصر الروسي الى الحضور الى ساحة المعركة وكلّف شقيقه بالقيادة واستنجد بأمير رومانيا. وفي 7 أيلول كان 432 مدفعا روسيا تصب قذائفها ليلا نهارا ثم بدأ الهجوم الشـمل في بلافنة الثالثة التي انتهـت بخسارة الروس ومنح السلطان المشير عثمان باشا لقب الغازي.
وتمكن الجيش الروسي بحصار بلافنة من كافة الجهات وقطع الامدادات عنها، فبدأ الجوع يفتك بالمدينة والأمراض تتفشى بين الجنود ولم يكن أمام عثمان باشا إلا محاولة اختراق الحصار والانسحاب نحو صوفيا فأخلى المواقع العسكرية واقتحم الخط الأول والثاني وكاد أن يستولي على الخط الثالث لولا إصابته برصاصة في فخذه إسقطته عن جواده وظن عسكره انه استشهد فرأى قوادهم ان الصواب بالتسليم فأتى قائد الجيش الروسي وأركب عثمان باشا في عربة وذهب به الى بلافنة حيث أدخل في اليوم الثاني الى حيث ينزل القيصر فقام هذا الأخير إجلالا وبشّ في وجهه وأظهر إعجابه بمواقفه وشجاعته وردّ إليه سيفه طالبا إليه أن يحمله علامة الاحترام والتقدير.
شهداء بيروت في البلقان
واشترك البيارتة في حرب البلقان في مدينة فيدن على نهر الدانوب، وفي مدينة بلافنة في بلغاريا، وفي مدينة روسجق (روسجك) قرب حدود رومانيا وفي الجبل الأسود (مونتي نيغرو) وفي غيرها من المدن والمواقع. واستشهد في تلك المعارك خمسة وخمسون شاباً من بيروت، نظمت بهم المحكمة الشرعية في بيروت سجلاً خاصاً، إحصاءً لعائلاتهم وأراملهم وأولادهم ذكرنا أسماءهم في كتبنا.
كان وداع العساكر المتوجهين الى البلقان مؤثّرا عندما ازدحم أفرد عائلاتهم من الأمهات والآباء والزوجات والأولاد في ميناء بيروت يلوّحون لأقربائهم، فيما وقف الشباب على السفينة العثمانية (شعائر نصرت) التي أقلتهم في طريق اللاعودة. وكانت حالة عائلات الجنود مؤثرة أيضا عندما بدأت ترد أخبار معارك البلقان واستشهاد الكثير من الشباب فخيّم صمت الموت والحداد في بيوت بيروت القديمة وفي زواريبها وأزقتها في المحلات التي كانت واقعة داخل السور أي محلات الحدرة قبلي الجامع العمري الكبير ومحلة المجذوب قرب مجلس النواب الحالي وفي محلة الشيخ رسلان والحمام الصغير، كما عمّ الحزن محلات خارج السور كالباشورة والمصيطبة وزقاق البلاط ورأس بيروت ورأس النبع.
وقد أحصينا أسماء خمسة وخمسين شهيدا من بيروت مأخوذة من السجلات الخاصة بمواقع الحرب قد جرى إثبات استشهادهم بناء لتعليمات أصدرتها مشيخة الإسلام موجهة الى القضاة ومنهم المحكمة الشرعية في بيروت وكانت برئاسة صدر الدين أفندي التي عمدت الى تنظيم سجل يبيّن الموقع الذي استشهد فيه الشهيد وورثته، فعلى سبيل المثال ان الحاج سليمان خليل استشهد في الجبل الأسود عن أرملته خان زاده علي البعلبكي وابنه القاصر عثمان وترك لهما غرفة في زاروب المجذوب وان عبد الرحمن محمد سعيد الطبيلي استشهد في مضيق شبكة تاركا أرملته أسماء حسين شومان وولديه القاصرين عثمان وفاطمة ووالده الضرير وان مصطفى محمد الحاراتي استشهد في شبكة تاركا أرملته خديجة قليلات وأولاده القاصرين خضر وعبد القادر ومحمد جمعة وفاطمة وأمه العاجزة صفية وان علي عبد الله سنو استشهد في موقع اسكي زهرة عن أرملته درويشة الاسكندراني وأولاده القاصرين خديجة وتوفيق ومنيرة ومنيب وان محمد ابن الحاج يوسف يموت استشهد في بلافنة عن أرملته أمينة سميسمة وولديه القاصرين وحيدة وخليل وأمه زينب اللبان وان... وان...
هكذا كلما كان الشاب يستدعى الى الخدمة العسكرية يقول ان البارودة أبي والبدلة العسكرية أمي و كلما دعا القدر سكان هذا الساحل من المتوسط لواجب الجهاد ضد كل محتل وغاصب لبّوا نداء الواجب لم يفت في عضدهم نوج باكٍ ولا حقد ناقم.
* مؤرخ


أخبار ذات صلة

وزارة الصحة: 750 اصابة و18حالة وفاة
عون والحريري وقيادات رسمية ورياضية نعت الشهيد عطوي
جبل عامل مرجعيون: لا إصابات جديدة بكورونا