بيروت - لبنان 2020/10/28 م الموافق 1442/03/11 هـ

أيام بيروتية (41) القاضي والمفتي ونقيب الأشراف يقاطعون احتفال الصنائع

حجم الخط

أدّت مباني الصنائع ولا تزال تؤدّي وظائف مختلفة للدولة والمواطن. منذ ان تأسست كمدرسة صناعية مهنية الى جانب مستشفى خيرياً يخدمهما جامع شريف للأساتذة والطلاب وحديقة. وشغلت كلية الحقوق والعلوم السياسية غرف المباني في ستينات القرن الماضي. وبسبب الحرب الأهلية أضحى أحد أجنحة المبنى مقراً لرئاسة الحكومة ثم الى مقر لوزارة الداخلية. وجرى مؤخراً تدشين المكتبة الوطنية في الأبنية الباقية بعد تجهيزها بما يلزم.

من المتفق عليه ان جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية تأسست في بيروت سنة 1878م بهمّة خمسة وعشرين رائداً من عائلات بيروت. بدعم من والي سورية مدحت باشا ومتصرف بيروت رائف بك. وقد حدد البيان التأسيسي الصادر بعنوان «الفجر الصادق» أهداف الجمعية وهو تأسيس المدارس والجوامع. فحرص المؤسسون على إنشاء جامع مع كل مدرسة يتم افتتاحها. ولأسباب بيّناها في كتابنا (نور الفجر الصادق) أقدمت السلطة العثمانية سنة 1882م وبعد عزل الوالي مدحت باشا على حل الجمعية وإلحاقها بالمعارف كشعبة خاصة بإسم «شعبة المعارف الأهلية» وعيّن لرئاستها نائب بيروت (أي القاضي الشرعي) عبد الله جمال الدين، وضمّت في عضويتها تسعة من مؤسسي جمعية المقاصد الخيرية الاسلامية. واعتبرت شعبة المعارف الأهلية عباءة للجمعية بدليل ان أعضاء شعبة المعارف الأهلية دعوا الأسر البيروتية التي سبق لها ان دعمت المقاصد، الى مواصلة دعمهم لشعبة المعارف «وعدم تغيير عوائدهم بإسعاف الفقير وبث العلوم»، كما تمنوا على والي سورية الجديد أحمد حمدي باشا بأن يتمّم تعميم فتح المكاتب خصوصاً المدرسة الداخلية.

وبالفعل وأثناء ولاية الوالي المذكور أسّست شعبة المعارف الأهلية سنة 1883م المدرسة السلطانية (المعروفة حالياً بكلية المقاصد للبنات في الباشورة). وفي سنة 1884م شكّلت هيئة جديدة لشعبة المعارف الأهلية برئاسة مفتي بيروت الشيخ عبد الباسط الفاخوري وعضوية أحمد دريان وبديع اليافي وحسن بيهم وطه النصولي وعبد القادر قباني ومحمود رمضان ومحمد المغربل (وهؤلاء من مؤسسي المقاصد) وإبراهيم الطيارة وأحمد العابد وعبد القادر الدنا وعثمان بيهم وعمر غزاوي (والد عبد الله أحد مؤسسي المقاصد) ومحمود الخجا ومحمود درويش والأمير مصطفى أرسلان ومصطفى بك مدير المكتب الرشدي العسكري.

وتعاظم دور شعبة المعارف الأهلية سنة 1907م عندما أولاها والي بيروت إبراهيم خليل باشا - الشهير بخليل باشا - عنايته فشكّل لها هيئة مستقلة نوعاً عن إدارة المعارف برئاسة عبد القادر الدنا يعاونه اثنا عشر عضواً منهم عمر الداعوق وسليم علي سلام وأحمد مختار بيهم ورشيد الفاخوري ومحمد الكستي ونجيب عيتاني.

ومع إنتهاء حكم السلطان عبد الحميد الثاني وقيام العهد الدستوري سنة 1908م، قرر مجلس إدارة ولاية بيروت تجديد الاعتراف بجمعية المقاصد الخيرية الإسلامية وإعادة نقل الأملاك من شعبة المعارف الأهلية الى الجمعية الذي تولّى رئاستها نقيب الأشراف الشيخ عبد الرحمن الحوت لمدة سنة تقريباً خلفه سنة 1908م الشيخ مصطفى نجا ثم سليم علي سلام (1909م) فعمر الداعوق (1913م). ومع إندلاع الحرب العالمية الأولى أصدرت الحكومة العثمانية قراراً ضمّت بموجبه جمعية المقاصد الى المجلس العمومي وحوّلت أملاكها الى الدولة طيلة الحرب حتى سنة 1918م حين تجددت الجمعية برئاسة المفتي الشيخ مصطفى نجا. فعمدت الى ترميم أملاكها وإنشاء أبنية جديدة واستلمت المقابر الإسلامية مجدداً.

يذكر انه في سنة 1908م أثناء رئاسة المفتي مصطفى نجا للجمعية تألفت لجنة منه ومن قاضي بيروت وعبد الحميد الغندور ومحمد الفاخوري «لزيارة الحاكم العسكري العثماني من أجل طلب المدرسة السلطانية وردّها الى جمعية المقاصد إسوة بغيرها من الأملاك المرتجعة لأصحابها». وبعد الملاحقة تقرر تسجيل سند طابو برقم 99 تاريخ 18/7/1925م بتمليك المكتب السلطاني للمقاصد بموجب قرار المفوض السامي رقم 3010 تاريخ 4/3/1925م وأمر نظارة المالية المؤرّخ في 9/7/1925م وتسلمت الجمعية المبنى وجرى ترميمه بإشراف الشيخ شريف خطاب وسمّي «كلية البنات التابعة لجمعية المقاصد الخيرية الإسلامية».

رخصة للسادة عرداتي وداعوق لإنشاء مدرسة صنائع

كانت الحاجة ماسّة لإنشاء مدرسة صناعية مهنية، فبادر السادة عرداتي وداعوق سنة 1891 الى طلب ترخيص لتأسيس المدرسة المذكورة في بيروت وأرسلوا نظامها الى مجلس الشورى في اسطنبول ويتضمن اسم المدرسة «المدرسة الصناعية للأولاد والبنات» بعدد 300 طالب وتضم شعبة للأولاد وشعبة للبنات وان يتم منح الطالب بين قرش واحد وعشرة قروش يومياً مع توفير الكسوة والطعام والمبيت لعشرين بالمائة لمن ليس لأوليائهم إمكانيات. وعلى أن يشمل التدريس الحياكة والتجارة والصباغة وصناعة الأحذية والدهان والنقش والنسيج والتجليد وما سوف يتم تحديده من الإدارة. وقد وافق مجلس الشورى على النظام المشار إليه وكذلك الصدر الأعظم وصدرت إرادة سنية بذلك في 16/12/1891.

افتتاح مكتب الصناعة والتجارة الحميدي

إلا ان هذه المدرسة التي نال السادة عرداتي وداعوق رخصتها لم تباشر عملها وهو ما دفع السلطنة ووالي بيروت خليل باشا وشعبة المعارف الأهلية لإنشاء مدرسة الصنائع.

ونقول ان البعض من أهالي بيروت رأى سنة 1904م الحاجة ماسّة الى إنشاء مدرسة صناعية في بيروت يأوي إليها أولئك الصبيان الذين لا شغل لهم ولا عمل بل يكونون عبئاً على آبائهم ووطنهم، فقرّر مجلس إدارة ولاية بيروت استملاك خان الصاغة في سوق البازركان (سوق العقادين سابقاً) لتأسيس مدرسة صناعية مكانه ثم تقرر أن يكون هذا المكتب في منطقة الرمل. (يذكر ان جمعية المقاصد سعت فور تأسيسها لإدخال بعض هؤلاء الصبيان الى مدرسة مهنية في دمشق).

واحتفل في أيلول 1905م بوضع حجر الأساس لمكتب الصنائع بحضور والي بيروت خليل باشا والعلماء وعلى رأسهم قاضي بيروت عمر خلوصي ونقيب الأشراف الشيخ عبد الرحمن الحوت. كما احتفل في أيلول 1906م بوضع حجر الأساس للمستشفى الخيري. ولما كان مكتب الصنائع لا بد له من جامع شريف في باحته يؤمّه الأساتذة والطلاب والمستخدمون لأداء الصلوات «احتفل في حزيران 1907م بوضع حجر أساس للجامع في الأرض التي بنيت عليها وزارة السياحة ومبنى الإذاعة. وتم في أيلول 1907م افتتاح مكتب التجارة والصنائع وسمّي «مكتب التجارة والصنائع الحميدي» وذلك في احتفال خطب فيه حسن بيهم وعبد القادر الدنا وأحمد اللبابيدي والشيخ عبد الرحمن سلام. وقد أعدّ المكتب لاستقبال 600 تلميذ على مساحة 200 ألف ذراع أفرز منها 35842 ذراعاً للحديقة. واستعمل في البناء الحجر المنحوت النظيف المجلوب من اللاذقية وجعلت مدة التعليم 12 سنة، منها 4 ابتدائية و3 رشدية و2 اعداديتان و3 تجارية، وكانت الصنائع المقررة هي الحياكة والخياطة والتجارة والخرازة (صنع الأحذية) والموسيقى واللغات العربية والتركية والفرنسية والانكليزية والألمانية.

وعلى غرار ما حصل بعد حلّ جمعية المقاصد سنة 1882م وتعيين القاضي الشرعي عبد الله جمال الدين لرئاسة المدرسة السلطانية، عيّن الوالي خليل باشا القاضي الشرعي عمر خلوصي لرئاسة مكتب الصنائع مع أعضاء من شعبة المعارف الأهلية هم عبد القادر قباني والشيخ محمد الكستي والشيخ رشيد الفاخوري ومحمد اللبابيدي ومحمد إبراهيم الطيارة وأمين حلمي، أضيف إليهم نجيب طراد ونجيب الهاني وبشارة المهندس، كما ألف لجنة خاصة للمستشفى.

وكان أهالي بيروت يعتبرون ان مدرسة الصنائع انشئت من أموال تبرعاتهم ومن الأراضي التي وقفوها في موقع الرمل بدليل ان محمد عبد الله بيهم أوصى سنة 1910 بأن يصرف من وارداته ثلاث مائة ليرة عثمانية لمكتب الصنائع بشرط أن يكون المكتب «بيد الأهالي لا بيد الحكومة وإلا ترصد هذه القيمة لمدارس المسلمين الأهلية». وبالتالي فان ملكية المدرسة وإدارتها يجب أن يعودا إما الى جمعية المقاصد إسوة بالمدرسة السلطانية، وإما الى إدارة الأوقاف الإسلامية، وعارضوا انتزاع الحكومة ملكيتها منهم. وتمثل هذا الرفض بما ذكرته صحيفتا «المفيد» و«الاتحاد العثماني» سنة 1911م بمناسبة الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف الذي أقيم في ساحة مدرسة الصنائع، من ان قاضي بيروت الشرعي (عمر فخر الدين) ومفتي بيروت (الشيخ مصطفى نجا) ونقيب الأشراف (الشيخ عبد الرحمن الحوت) تخلّفوا عن حضور الاحتفال. وان لجنة مكتب الصنائع كانت قد وضعت أمام الباب الرئيس للمكتب يوم الاحتفال صندوقاً لتلقّي تبرعات الإعانة للمكتب فلم يوجد في الصندوق «ولا متليك» واحد اعتراضاً وإظهاراً لغضب الأهالي من عدم رد الحكومة العثمانية المكتب إليهم الممثلين بجمعية المقاصد الخيرية الإسلامية (شعبة المعارف الأهلية) أو بإدارة الأوقاف الإسلامية. وقد تنجلي يوماً حقيقة مراحل إنشاء مدرسة الصنائع عندما تكشف سجلات الأرشيف العثماني.

ومن المرجح ان سلطة الانتداب الفرنسي كانت خلال الفترة الأولى من حكمها تحاول استمالة الرأي العام الإسلامي ما دفعها الى الخضوع لمطالبة جمعية المقاصد فأعادت لها المدرسة السلطانية. ثم بعدما رسخت السلطة أقدامها تمنّعت عن إعادة مكتب الصنائع بذريعة الاعتراضات التي واكبت أعمال التحديد والتحرير وما نشأ من نزاعات بين إدارة المدرسة ومالكي الأراضي المجاورة كالنزاع الذي حصل سنة 1932م وما يليها حول قطعة أرض ملاصقة غرباً لأرض المدرسة بين موريس زوين مدير مدرسة الصنائع وبين نظير العيتاني وقد نظرت فيها محكمة الجزاء وطالت التحقيقات فيها عدة موظفين ومخاتير ومسؤولين في اللجان والدوائر العقارية. وكان نظير يملك الأرض التي يقوم عليها حالياً مصرف لبنان والتي كانت فيها شجرة جمّيز عرفت بجميزة البابور (لقب بالبابور لأنه كان يعمل في شركة سكة الحديد).

وإذا كان لا بد من كلمة أخيرة لبلدية بيروت فمما يؤسف له ان الشارع الذي فتح بجوار الصنائع كان يحمل اسم الوالي خليل باشا وكان الوفاء يقضي بعدم تغيير اسم الشارع المذكور وتغييب اسم خليل باشا. كما حصل أيضاً لجادة الحميدية الذي استأجر فيها الشيخ محمد توفيق الهبري سنة 1909م مبنى من طابقين يملكه يوسف ضيا بك ليكون مقراً لمدرسة دار العلوم وقد أبدل إسم الجادة بعد الاحتلال الفرنسي بإسم شارع كليمنصو.

ونأمل أن تعيد البلدية الى الشارع اسمه الأصلي ومن الإدارة أن ترفع عند مدخل المبنى لوحة تبيّن تاريخ المدرسة ومؤسسها وتاريخ تحويلها الى مكتبة وطنية.



* مؤرخ


أخبار ذات صلة

4 قرارات للقاضي مكاوي بعزل بلدات وقرى شوفية
منظمة الصحة العالمية تسجل أكثر من مليوني إصابة بكورونا على [...]
السيسي: حرية التعبير تتوقّف عند جرح مشاعر أكثر من مليار [...]