بيروت - لبنان 2020/12/03 م الموافق 1442/04/17 هـ

أيام بيروتية (43): هل تعود «الدخولية» مع إقرار اللامركزية الموسّعة؟ خمس بارات عن كل حمار يدخل بيروت

حجم الخط

زار أحد الرحالة الروس بيروت في نيسان سنة 1844م وكتب في مذكراته «يقف جباة الضرائب والرسوم الجائرة على كل بوابات المدينة بحيث ان أي فقيرا من بسطاء المدينة أو ضواحيها، صياد سمك كان أو بائع خضار أو غير ذلك، ملزم على دفع الرسوم الجمركية قبل أن يبيع بضاعته وكان لا يسمح له بتصريفها في السوق أو في شوارع المدينة بل عليه تسليمها الى الحوانيت التجارية صاحبة الامتياز بالبيع بموجب ترخيص من الباشا».

يذكر ان من جملة الرسوم التي سبق ان قررها مجلس إدارة بيروت والمجلس البلدي بأن يدفع عشر بارات عن كل جمل وكل بغل يدخل المدينة وخمس بارات عن كل حمار يدخلها, واقترح أن تقام مخافر في أطراف البلدة وتوظيف مأمورين لضبط الواردات اليومية التي يمكن صرفها لتحسين طرقات البلدة. وقد سمّيت هذه الرسوم «رسوم الدخولية». يذكر ان نقاط الدخولية كانت في عهد الانتداب محددة في النقاط التالية: الحرج (قبل الجامع)، الطيونة، فرن الشباك، كورنيش النهر وجسر نهر بيروت. وقد أصبحت الرسوم تفرض على البضائع المحمّلة على سيارات أو دواب أو طنابر دون الأشياء التي يحملها الإنسان بيديه. فماذا لو فرض اليوم بحال إقرار مشروع نظام اللامركزية الموسّعة على كل سيارة تدخل المدينة رسم دخول يخصص لتحسين الطرق ووسائل المواصلات؟

كان فرض الرسوم والضرائب المتنوّعة باباً من أبواب تحسين واردات خزينة الدولة وقيل ان عدد الضرائب ولا سيما قبل التنظيمات بلغ في مرجعيات أيضاً من السلطة سبعاً وتسعين ضريبة ورسماً أحصاها محمد كرد علي. وكان قسم كبير منها يدخل في جيوب المتسلمين والولاة (ما أشبه الليلة بالبارحة) فقد فرضت رسوم على الأشجار وعلى الحاصلات والأشخاص وكذلك البيوت والدكاكين والحرفيين ومنها على سبيل المثال ضريبة عن كل شاب عازب وضريبة زواج تستوفى عند الزواج ومنها رسم قدوم غلمانية تؤخذ عند الولادة بمبلغ ستين بارة عن الابن البكر.

تسعة رسوم وخوات في إدارة الجمرك

ومع الدخولية البرية وجدت أيضاً الدخولية البحرية الجمركية، فكثيراً ما عانى تجار بيروت من رسوم الجمرك وما يواكب إدخال بضاعتهم وإخراجها من المرفأ من مغارم وما عانوه من العناء وقاسوه من الخسارة (عادة النّق لدى التجار قديمة قدم المهنة) من تسعة رسوم في إدارة الجمارك، فما أن تخرج البضاعة سالمة من الباخرة حتى تتناولها أيدي البحرية، فصاحب المركب أو القارب يتصرف بها كيف شاء لا حرج عليه سواء وصلت سالمة الى البر أم غرقت في البحر. فإذا وصلت البضاعة إلى رصيف الجمرك فقلّما تصله غير مبتلة بالماء أو غير ممزقة الغلاف وأخذ عنها الرسم الأول وهو رسم البحرية. ثم تتناولها أيدي المستّفين وهم فئة أوجدوا أنفسهم في الجمرك لزيادة الرسوم، فإن سعد التاجر بالاتفاق معهم على ترتيب البضاعة فعلوا كما يروم. ومن لم يدفع الرسم الذي فرضوه عليه، صفّوا بضاعته مقلوبة الأوجه مستورة البطاقات بعيدة عن مكان الوزن والكشف بحيث يتعذّر على التاجر تمييزها من غيرها فيضطر الى استرضائهم بدفع ما يطلبون ليكشفوا له عن البضاعة كرماً منهم وإحساناً وهذا هو الرسم الثاني. أما الرسم الثالث فهو بدل نقل البضاعة من الجمرك القديم إلى مكان مؤقت حددته إدارة الجمرك لتخزين البضائع. ويلزم التاجر تقديم بضاعته للوزن والمعاينة وهناك نداء لا يسمع وتوسّل لا ينفع ودعاء لا يستجاب فإذا كانت البضاعة مما يكشف طرحت وبعثرت. فإذا تمّت المعاينة بقي عليه أداء الرسم وأخذ الإيصال وهو هناك أحوج الناس إلى صبر أيوب مما يجد من المدافعة والمماطلة فلا يخرج الإيصال من أيدي كتبة الايصالات إلا بجاذب من القرش وهو الرسم الخامس. فيتلقّى الحمالة التاجر عند إخراج بضاعته، ويضربون عليها ما شاءوا من الرســـوم ولا يأذنون لغيرهم في حملها وهو الرسم السادس. فلا تصل الى مخازن التاجر إلا ممزقة الأطواق والغلاف وهو سابع الرسوم.

أما إذا كانت البضاعة برسم القبان فهنالك البكاء وصرير الأسنان والمشقة الكبيرة لتكدّس البضائع في مكان ضيق، فقد كانت كل باخرة إنكليزية ترد الى المرفأ تحمل إليه مائتي بالة على الأقل، وكان تراكم هذه البالات في الجمرك على صغره يدفع التجار الى الشكوى والتماس توسيع المكان، وقد صدر الأمر بذلك وشرع فيه، ولكن المحل الجديد المؤقت كان في منتهى الضيق فتراكمت فيه البضائع التي هي برسم القبان حتى فاقت خمسمائة بالة وتعسّر على القباني تيسير العمل حتى انه ذكر «بأنه لم يزن أكثر من تسع بالات يومياً وانه يقتل الوقت فيما لا رادّ له مبتذلاً بالنطق يفرغ كل يوم من الشتائم كنانته ولا يضن بشيء من اللفظ الذي يصم الآذان» وهذا هو الرسم الثامن (يقال ان لقب القباني نسب الى الشخص المكلف بالقبان الرسمي فلم تكن السلطة تسمح إلا بقبان واحد لوزن البضائع وان من كلف فيه أو التزمه اكتسب وعائلته من بعده لقب وشهرة القباني؟).

أما الرسم التاسع فالذنب فيه يقع على المأمورين وهو رسم الأرضية، فقد تمرُّ الأيام الطوال على التاجر وبضاعته مكدّسة كما ذكرنا فهو يطلبها ويروم إيصالها الى المشتري ويدافعه المستخدمون بذلك ويؤمر بدفع الأرضية. ضغثاً على إبّالة كما يقول المثل العربي القديم (ربط بعضهم بين إبالة وأبابيل؟).

وأصبحت الموارد الرئيسة للدولة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر معتمدة على ضرائب الأعشار والويركو والبدل العسكري ورسم الأغنام ورسوم المحاكم والطابو (التي يعرف الجميع كيف يتم اليوم تحصيل رسوم عقارية إضافية؟). والويركو تركية تعني جزية أو رسم وهي مصدر ويرمك وتعني منحة أو هبة. وقسّم الى قسمين: ويركو الأملاك وويركو التمتع. وكلّف الأئمة والمختارون توزيع الضريبة على القرى فيتم تسجيل البيوت في دفتر خاص. وكانت متصرفية جبل لبنان تستوفي من البدو والنور المتجولين رسماً بقيمة خمسة عشر قرشاً عن كل فرد منهم. أما ويركو التمتع فقد فرض على التجار بنسبة ثلاثين بالألف سنوياً من الربح ثم رفع الى أربعين في الألف ثم بلغ خمسين بالألف. وكان من يكلّف بالمطالبة أو بتحصيل هذه الضريبة مكروهاً من المكلّفين كعادتهم في كل زمان ومكان، وقد ربطوا بين التحصيل دار وبين الدفتر الأسود السميك الذي كانت تقيّد فيه قيمة المفروض عليهم، فكرهوا حتى رؤية الدفتر المشار إليه حتى جاء في أمثال التجار البيارتة قولهم لمن يكرهون رؤيته «وجّو متل دفتر التمتع». وكان المحصّل يدور في الأسواق منادياً: يا تجار يا أهالي سرسق واياس والفشخة عن أمر مولانا الدفتردار بدكن تدفعوا حراسة وكناسة وبول عالحيطان (؟؟؟؟) واللي ما بيدفع يجازى بكذا وكذا...

التلزيمات وما يرافقها

طرحت الأعشار للملتزمين بالمزاد العلني وكان على الملتزم تعيين مصرف في الأستانة ضمانة لدفع ما عليه من أموال للخزينة. وكان التلزيم يتم لسنة واحـــــــدة أو أكثر، وشكّل الملتزمون حلقة الوصل بين المكلفين من الأهالي والدولة حتى أن الولاة كانوا يحصلون مناصبهم بالتزامهم تقديم مبلغ محدد للدولة قد يكون كله معجّلاً. إضافة إلى مبالغ تدفع للمقرّبين وأصحاب النفوذ في قصر السلطان ويسمّى «خدمة».

ولم تشذ السلطة في بيروت عن نظام الالتزام مع ما يرافق التلزيم من محسوبية وما يرافق التحصيل من تعسّف، وقد تكون التلزيمات سبباً من أسباب إثراء بعض العائلات، ففي آذار 1881م وقع التزام تنظيف بيروت على عبد الله محرم، فبذل جهده في ذلك مع ما كان في الأمر من صعوبة كون الكثير من الباعة كانوا يتخذون من الأسواق مزابل يقذفون فيها النوى وقشور الثمار وفضلات الخضار وفتات الطعام، بحيث لا يخرج الكنّاس منها حتى تعود أقذر مما كانت (نذكر أننا كنا صغاراً نمازح بعض أقراننا، فنقول له: أبوك كنّاس، فإذا زعل ولم يدرك التورية أفهمناه أن أباك مثل الناس)، أما أشهر ملتزمي الرسومات العائدة الى دائرة بلدية بيروت فهم عبد الله حنتس ملتزم رسمي الذبحية والكمبيالة. الحاج محمد الغزاوي ملتزم رسم الدباغة. ميخائيل قماطي ملتزم رسم القبان. حبيب صباغة ملتزم دلالة الحيوانات. إبراهيم بدران ملتزم رسم دلالة الأشياء.

وفي سنة 1901 تقدّم بعض التجار من البلدية لالتزام رسوم الدباغخانة بمبلغ ثلاثماية وستين ألف قرش واشترطوا أن يأخذوا حين الذبح عن كل جلد من الغنم ستة غروش وعن كل جلد من القوزي ثلاثة قروش وعلى رأس الغنم الذي لا يقل وزنه عن ثلاثين أقة اثني عشر قرشاً وعن كل اقة من لحم البقر خمس بارات. إلا أن التزام الدباغجانة أثار جدلاً كبيراً، فقد رفع عدد من تجار الجلود مذكرة الى البلدية متظلمين من معاملة ملتزم الدباغة لهم وقالوا فيها أن الخواجات جبيلي وسابا وشركاهم التزموا قبل ثلاث سنوات الرسوم بما يزيد كثيراً عن التزامها محاولة منهم للتخلص من الالتزام إذا لم توافقهم السلطة على ذلك، ومحتجّين بجهلهم أن الجلود الغريبة معفاة وأن السيد عمر غزاوي والخواجا قماطي وهما الملتزمين السابقين، حاولوا معاملة الجلود الغريبة معاملة البلدية تعللاً بمعاملة الملتزم السابق رغم علمها بأن ذلك كان بصورة إجبارية لم تجرِ إلا على الفقراء.

يذكر أنه كان في بيروت حوالي ستمائة حانوت لمحترفي الجلود من إسكافي وكندرجي ونرابيجي وسروجي، ومعظمهم فقراء لا يملكون شيئاً يتعيّشون به سوى صناعتهم وبما لا يكفي النفقات عيالهم. وقد ردّ على احتمال تذرّع الملتزم الجديد بخسارته إذا ما جرت المعاملة القديمة بإعفاء الجلود المستوردة. يذكر أن عمر أفندي الغزاوي (أحد الملتزمين) صرّح بأنه يذعن لأي قرار يصدر من البلدية وأنه مستعد للتضحية بأي مبلغ وتعاد المزايدة ولا يظلم بسببه أحد من النّاس.

يذكر أن الدباغة كانت ذات أهمية في بيروت وكانت محلة الدباغة احدى محلات بيروت القديمة لوجود الدباغات فيها خارج باب المدينة (باب الدباغة) والدباغة هي إزالة ما بالجلود من النتن وتحضيرها للاستعمال وتستعمل فيها عدة مواد منها النباتي كقشر الرمان والعفص وقشر السنديان والسماق ومنها المعدني كالشب والملح ومنها الحيواني كالشحم والشمع وزيت السمك. كانت الجلود تليّن وتنقع في أحواض وتعلق وتكشط بالسكاكين لإزالة الدهون ثم تعاد الى الماء ويكرر العمل وتنشف وتنشر ويزال الشعر منها بوسائل منها تركها في صناديق مع الملح وإزالة الشعر بالكلس ثم تنقع في ماء النخالة أو الشعير أو العفص لتصبح سميكة وقد يستعمل براز الكلاب لهذه الغاية ولا سيما في جلود الضان والعجول (ومن هنا المثل: الله يلعن الدباغة التي أحوجتنا إلى براز الكلاب).

 * مؤرخ


أخبار ذات صلة

آخر الاوضاع بين الحريري وكليفرلي
ظريف: لن نعيد التفاوض بشأن الاتفاق النووي ومن حقنا عدم [...]
وزير الخارجية الإيراني: اغتيال فخري زاده عدوان دولي وما زلنا [...]