بيروت - لبنان 2018/11/13 م الموافق 1440/03/05 هـ

إقتراب الذكرى

حجم الخط

د. عبد الفتاح إدريس* 

مولد المصطفى  صلى الله عليه وسلم  يمثل منعطفا حقيقيا في حياة الناس في الجزيرة العربية، بل في العالم أجمع، فقد كان مولده مؤذنا ببزوغ نمط من أنماط الحياة السوية لم تعرفها البشرية من قبل، حيث كانت وتيرة الحياة قبل مولده وقبل بعثته تتسم بالعنف والاعتداء، والظلم وسفك الدماء، وتلاشي القيم الإنسانية القويمة، التي لا يتصور أن يعيش الناس حياتهم بدونها، وأن يحيوا في سلام وأمن دون ترسمها. 
وحق علينا كذلك أن نحتفي بيوم مولده، بشكر المنعم على ما أنعم به علينا، أن هدانا بهذا النبي الكريم إلى الحق، وجعلنا الله سبحانه خير أمة أخرجت للناس، إذا التزمنا بهدي نبيه والشرع الذي أنزل عليه، ولقد كان من هديه  صلى الله عليه وسلم  الذي دعا إليه وطبقه، خلق التسامح، فوسع بتسامحه الجم من أساءوا إليه قبل من أحسنوا له، حتى أنه بعد أن تآمرت قريش على قتله، قال لهم بعد أن أتم الله عليه فتح مكة، وصاروا في قبضة جنده: «ماتظنون أني فاعل بكم؟ قالوا خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء»، هذا الخلق الذي بدأ يضيع من نفوس المسلمين وغيرهم في زحمة البحث عن ماديات الحياة، كان له أبلغ الأثر في دخول كفار الأمس المعادين للإسلام وأهله في دين الله أفواجا، وهو الذي أوجد تعايشا مشتركا بين طوائف شتى من أتباع الديانات السماوية والأرضية في المدينة المنورة، فكان له أبلغ الأثر في دحض دعاوي القبلية، ونعرات الجاهلية، والتعصب الديني، فعاش المهاجرون والأنصار واليهود والنصارى والمشركون في المدينة، آمنين مطمئنين على أنفسهم وذويهم وأموالهم وأنشطتهم يمارسونها بها. 
كما نلمس هذا الخلق الكريم في تسامح رسول الله  صلى الله عليه وسلم  والمسلمين، حينما نصرهم الله تعالى على هوازن، وغنموا أموالهم وأخذوا سبيهم، وجاء بعضهم يريد رد ماله إليه بعد أن قسمت بين الغانمين، حيث وعدهم رسول الله  صلى الله عليه وسلم  أنهم إن آمنوا بالله تعالى ليردن إليه ما أخذ منهم، فجاءوه مؤمنين، فأنجز إليهم ما وعدهم به، ورد عليهم مالهم وسبيهم، وبعد أن طابت نفس المسلمين برد ما قسم عليه من غنائمهم وسبيهم، ذلك هو خلق التسامح الذي جاء به الإسلام، ودعا إليه رسوله  صلى الله عليه وسلم ، ونفذه واقعا عمليا، ليتأسى به المسلمون في زمانه وفي غيره، فأين نحن الآن من هذا الخلق الذي هو من الأسس التي دعا إليها الإسلام والتي من شأنها أن يعيش الناس في أمن ودعة وحب وتآلف؟
* الأستاذ في جامعة الأزهر الشريف


أخبار ذات صلة

في ذكرى مولده صلّى الله عليه وسلم محبته اتباع وعمل [...]
محمّد رسول البشرية
وقوف المأموم