بيروت - لبنان 2018/12/12 م الموافق 1440/04/04 هـ

إهمال فن التلاوة ... وآفة تسليع القرآن..؟!

خطوات نحتاجها لإعادة الشباب إلى جمالية القراءة

حجم الخط

خطوات نحتاجها لإعادة الشباب إلى جمالية القراءة
تمر علينا في العاشر من تشرين الاول من كل عام ذكرى رحيل أحد أبرز قراء القرآن في القرن العشرين وهو المبدع والمجدد الكبير الشيخ محمد عمران رحمه الله تعالى، ولعل الكثير من أجيال اليوم لم يعلم ولم يسمع باسم هذا الكبير الذي قدم في حياته إبداعات لم نر لها مثيلا إلى يومنا هذا.
بداية ... اسمحوا لي أن أخبركم جميعا أن الشيخ محمد عمران لم يكن قارئا بالمعنى «التقليدي»... أي لم يكن مجرد شيخ يملك صوتا جميلا فأتقن أصول التلاوة وحفظ القرآن ثم راح يرتله في المناسبات.
لا.. فالشيخ عمران قارئ من نوع آخر، قارئ يمكن لنا أن نقول عنه وبكل موضوعية أنه صاحب موهبة ربانية تمت تنميتها بإخلاص وجهد، حتى أصبحت حالة إبداعية لا يعلم قيمتها إلا خواص الخواص ممن يستمعون إلى القرآن الكريم ويدركون مكانة وقيمة هذا الفن الراقي.
طبعا لست أكتب هنا لأتحدث عن سيرة ذاتية لحياة الشيخ رحمه الله تعالى والتي شاء الله تعالى أن تكون قصيرة لا تتعدى 49 عاما، ولكن الهدف هو أن أدخل من خلال ذكرى هذا العبقري إلى نقطة هامة غابت في حياتنا اليوم، وهي الإهمال شبه التام للرعاية بأصحاب المواهب القرآنية من شباب اليوم في بلادنا، والتي للمرة العاشرة ارفع الصوت لاتحدث عنها..
وأعتقد - بل أكاد أجزم - أن هذا الاهمال هو نتيجة طبيعية لمسلسل الانحدار الحضاري والقيمي والفكري الذي أصاب كل مفاصل الحياة من حولنا، حتى بكل أسف تعايشنا معه وبات مقبولا عند الكثيرين منذ سنوات طويلة.
أعلم أن الأمر ليس سهلا .. وأعلم أنه يحتاج إلى جهد كبير، ولكن أعلم أيضا أن الساحة الإسلامية في لبنان باتت شبه خالية من أي دعم حقيقي لهؤلاء الشباب الذين يبحثون عن أي فرصة لدعمهم ومساندة إبداعهم وتنمية مواهبهم..
ففي بلادنا اليوم عدد من الأصوات الشابة التي تبشر بالخير لعدة أسباب..
أولا .. لأن فيهم من الطاقات والإبداعات التي نفتقدها بشدة، وأي تأخير أو إغفال لها يعني المساهمة في إبعاد دور وفاعلية القرآن عن المجتمع وأفراده..
ثانيا.. لأنهم بأصواتهم يمثلون جيلاً جديداً من القراء في عصر نحن بأشد الحاجة فيه إلى إعادة تفعيل مسيرة القراءة في حياتنا ومجتمعنا..
وثالثا.. أن غياب هذه المساندة وهذا الدعم عن هؤلاء أدى بكثير منهم إلى ترك مجال القراءة والإنشاد ... والتحول إلى طرق تتناقض مع القرآن..!!
رأي الشيخ الشعراوي
يقول الشيخ الشعراوي رحمه الله تعالى متحدثا عن قراء القرآن في زمانه ودورهم في المجتمع فيقول: «إن هؤلاء الكبار قد ارتضوا أن يكون حظهم من المجتمع فى هذه المكانة، وارتضوا أن تكون مكانتهم عند الله، لأنهم الصدى الحلو من كلام الله، وحسبهم أنهم كانوا جنودا لكلمة الله.. (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) فهؤلاء من جنود الحفظ، وقادة التحفيظ، ومنهم استقبل العلماء ما فسروا، وأخذ الفقهاء عنهم ما اجتهدوا، وأخذ الأدباء منهم ما دبجوا به عيون المقال، وفصل الخطاب، وهم الذين صححوا لكل لسان كيف يتكلم بالقرآن»..
ويضيف قائلا:»إن هذه الكتيبة من القراء الذين شدوا بألحان السماء، وبتأليف الله لهم، لم يكونوا مكررين لا أداء، ولا أصواتا، ولا لحنا، بل لكل واحد منهم نغم يخدم النص. فمنهم قمة الأحكام كالحصرى مثلا، ومنهم قمة الصوت الجميل كعبدالباسط، ومنهم قمة الفن الرفيع الرائع المستحيل الجميل كمصطفى إسماعيل، ومنهم جامع كل ذلك فى ائتلاف لا يرتفع فيه فن على فن كالشيخ محمد رفعت، فهو كل هؤلاء جميعا، ويزيد أنه عالم بما يقرأ، تستطيع أن تفهمه بمجرد نطقه للكلمة، ولمحبيه   فى عصره   حكايات عن هذا الفهم الرائع لما كان يقرأ.... رحمهم الله جميعا، ورضى عنهم، وجعل منهم أسوة للجيل القادم، لا يستنكفون أن يكونوا كما تسميهم العامة «فقهاء» وهم فى الحق «فقهاء» بمفهوم الخاصة»..
خطوات مقترحة
وحتى نكون إيجابيين في طرحنا أقول أن إعادة هذا الفن الراقي إلى حياتنا يحتاج إلى خطوات عديدة ربما يراها من رضي بهذا الانحدار صادمة، بل وقد يقال أنها لا تجوز دينيا...!؟
فنحن أولا ... بحاجة إلى هيئة أو لجنة تبحث عن كلّ من لديه صوت جميل ثم تسعى لاحتضانه ولرعايته علمياً ودراسياً حتى ينشأ نشاة دينية صحيحة لا تتعارض مع تلاوته لكتاب الله تعالى.
ثانيا.. علينا أن نقدّم الدعم المادي والمعنوي لهذا الطالب بحيث يتفرغ تماما لتعلم وحفظ القرآن الكريم ولا ينشغل بالبحث عن مصدر رزق يعيقه عن متابعة ما هو مطلوب منه.
ثالثا.. على كل من يريد أن يتعلم أصول تلاوة القرآن الكريم أن يلتحق بمعهد خاص للموسيقى، ليتعلم إلزامياً وليس اختياريا، أصول المقامات بدقة وبإتقان، بحيث ينمي إحساسه بالتفاعل مع كتاب الله ويصبح قارئا عالماً، يعرف كيف ستكون تلاوته، فالآيات التي تتحدث عن نعيم المؤمنين تقرأ من مقام كذا، والتي تعرض لعذاب الكافرين تقرأ من مقام كذا...
رابعا.. البدء بإعداد وتنظيم سهرات قرآنية في مختلف المحافظات اللبنانية تجذب الشباب وتقدم لهم التلاوة كفن إسلامي راق له شروطه وله ضوابطه.
خامسا.. نشر هذه الثلة من القراء مستقبلا في مختلف المساجد، ليقدموا للناس نموذجاً يحتذى به ويغير تلك النظرة السلبية التي استقرت في نفوس الناس تجاه من يقرأ القرآن.
إن نتائج الإهمال الذي أصاب فن تلاوة القرآن الكريم وفق الأصول المعتمدة هي نتائج سلبية وخطيرة جدا، وأولها انتشار آفة «تسليع القرآن».. حتى بات القارئ - في نظر الناس جميعا - هو هذا الإنسان الذي يقف على أبواب العزاء فقط ... ليتصيّد رزقه من هنا أو من هناك...؟!
وأخيرا ... رحم الله المبدع والمجدد الشيخ محمد عمران، وهدانا لما فيه مصلحة العباد والبلاد.

bahaasalam@yahoo.com




أخبار ذات صلة

كيف يمكن احتساب خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة [...]
الخشوع
معنى الذكر