بيروت - لبنان 2020/02/28 م الموافق 1441/07/04 هـ

اختتام أعمال ندوة تطوّر العلوم الفقهية في دورتها الـ15

إصدار وثيقة فقه الماء والدعوة إلى تحسين الكفاءة المجتمعية في إستعمال المياه

من أعمال الندوة
حجم الخط

أصدرت ندوة تطوّر العلوم الفقهية في دورتها «فقه الماء وأحكامه الشرعية وآفاقه الحضارية وقضاياه المعاصرة» في ختام أعمال نسختها الخامسة عشرة في العاصمة العمانية مسقط وثيقة حول فقه الماء.

خرجت الندوة بـ/٢٢/ توصية منها: الدعوة إلى إحياء الوظيفة الإنسانية السامية التي نبّه إليها الرسول  صلى الله عليه وسلم بقوله: (الناس شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار)، فالمياه يجب أن تكون سبباً للتعاون الإنساني ودافعاً إلى إقامة جسور المودّة والتراحم الإنساني.

كما أوصت الندوة بضرورة إستثمار التراث الفقهي في صياغة الفتاوى المعاصرة التي يتحقق من خلالها تكوين وعي المجتمع بمسؤوليته الدينية في المحافظة على نعمة المياه، وتحسين الكفاءة المجتمعية في استعمال المياه، والحدّ من استنزاف الموارد المائية، والتصدّي لظاهرة تلويث المياه، وتحقيق العدالة الاجتماعية في التوزيع الأمثل للمياه، وضمان حقوق الأفراد والمجتمعات فيها.

ودعت إلى تضافر الجهود بين العلماء والجهات المختصة وذوي الخبرة لإعمال العقل الاجتهادي لاستنباط الأحكام الشرعية التي تضمن ديمومة هذه الثروة وبقاءها والمحافظة عليها من التلوث، واستنباط ضوابط شرعية وقانونية تحفز الشراكة بين المواطن والقائمين على حفظها باعتبارها ثروة وطنية.

وأوصت الندوة بضرورة السعي إلى تطوير التشريع القانوني لعقود الإيجار والانتفاع التي يكون موضوعها الشراكة في العمل بالأبدان والأذهان، مثل المساقاة والمزارعة والمغارسة وغيرها بين الأفراد والمؤسسات الحكومية والشركات والأوقاف، بما يتناسب مع الأوضاع الاقتصادية والزراعية للمجتمعات ويلبّي متطلبات الأفراد والمؤسسات ماليا ومعيشيا.

كما أشارت التوصيات إلى أن الأحكام المتعلقة بالمياه في الفقه الإسلامي كثيرة ومتفرّقة في كتب التراث وتمثل ثروة فقهية يتطلّب جمعها وترتيبها من خلال مشروع موسوعي يكون نواة لإعمال العقل الاجتهادي للحفاظ على هذه الثروة المهمة، والتصدّي للقضايا والمشاكل المائية الكبرى التي تواجه المجتمعات الإنسانية اليوم، كما أكدت أن الماء نعمة إلهية وهبة ربانية، قال تعالى: {وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون} وشكرها بالمحافظة عليها وعدم إهدارها، وصون مصادرها ووسائلها، وحمايتها من كل ما من شأنه الإضرار بها، والإبقاء ما أمكن على إباحتها، باعتبارها شركة إنسانية، مشيرة إلى ضرورة الحفاظ على إرْث الأفلاج الحضاري والعناية به ماديا ومعنويا، وتوعية الأجيال بمنهج الأوائل في تقسيم مياهها وقياساتها وطرق بنائها وشق قنواتها وسبل ديمومتها، والثقافة القانونية حولها، وغرس ذلك كله في المقررات الدراسية حتى يرتبط الجيل الصاعد بدينه، وتتوثق عراه بأرضه وتراثه الحضاري في مجال المياه.

وثيقة عمان حول فقه الماء

وقد صدرت عن الندوة وثيقة حول (فقه الماء)، جاء في نصها ما يلي:

أصدرت ندوة تطور العلوم الفقهية وثيقة «فقه الماء وأحكامه الشرعية»، وهي من نوع خاص تتجلّى فيها علاقة الشريعة بالحياة، وتُقرأ فيها الأحكام الفقهية قراءة تاريخية، وتقرأ فيها النصوص قراءة حضارية اجتماعية، ترسم خريطة متكاملة، وتتفاعل فيها علاقة الطبيعة بالإنسان، والدين بالعمران، والنظر بالعمل في سياق جدلية حاكمة لحضارة نابعة من دين، تربط نصوصه بين الماء والإنسان من عالم الشهادة إلى عالم الغيب.

يقول تعالى في سورة الفرقان: {وأنزلنا من السماء ماء طهورا، لنحيي به بلدة ميتا ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا}، ويقول تعالى في سورة الأنبياء: {وجعلنا من الماء كل شيء حي}، ويقول الرسول صلوات الله وسلامه عليه: «المسلمون شركاء في ثلاث: في الماء والكلأ والنار».

والقارئ المتأمّل في القرآن، وفي أحكامه وتفاسيره على تنوّعها، وفي تراثنا الفقهي بنوازله ووثائقه يجد إجابات على أسئلة ما يزال الإنسان المعاصر حائراً أمام فك رموزها والاستفادة من فهم كنوزها.

ولذا ركزت ندوة العلوم الفقهية خلال سلسلتها الخامسة عشرة على مسألة أولوية وجوهرية، تستوعب العلائق بين الماء والإنسان أحكاما وآفاقا وقضايا وهي: (لا حياة بغير ماء)، كما ذكرت الآية الكريمة.

آفاق الوثيقة

لقد رسمت المقدمة معالم العلاقة بين فقه الماء وحياة الإنسان، فهي علاقة ضرورية وعلاقة وجود.

إن الحياة الإنسانية - وقد أصبح واضحاً ارتباطها الوجودي «بالماء» الذي لا حياة بدونه، ولا وجود بغيره، بل ولا سلام بدون توافق على قواعد التعامل معه – لا تستقيم إلا من خلال المبادئ والموضوعات الآتية التي يوصي العلماء وأهل الاختصاص بتبنّيها ودراستها دراسة متعمّقة ومقارنة:

أولا: إن الماء نعمة ربانية وضرورة حياتية، فلا ينبغي النظر إليه باعتباره ملكية مشتركة فحسب، بل إنه حق من حقوق الإنسان، لذلك أكدت المواثيق الدولية المعاصرة على الحق في الماء.

ثانيا: إن الصراع حول الماء هو صراع وجود وبقاء، فعلى الدول إصدار مدونة تشريعية عالمية، تضع الضوابط والأحكام الملزمة لحل مشكلات أي صراع مائي بما يتفق مع الشرع الشريف، ويحكم البحار حالياً اتفاقية الأمم المتحدة لسنة 1982م لقانون البحار، ويتحدث الجزء الثاني عشر منها عن حماية البيئة والحفاظ عليها، كذلك تتحدث الاتفاقية عن أهم استخدامات البحار، خصوصا في الملاحة، واستخراج ثرواتها الطبيعية واستغلالها، وقد حلّت هذه الاتفاقية محل اتفاقات جنيف الأربعة لعام 1985م الخاصة بالبحار.

ثالثا: تفعيل معاهدات منع الاعتداء حول مصادر المياه، وتجريم تلويثها محلياً وإقليمياً وعالمياً.

رابعا: الاستفادة من التجربة الإسلامية في التعامل مع قضايا الماء ملكية ومعاوضة ووقفا واحتكارا، وذلك بالرجوع إلى قواعد كتب الفقه والنوازل المتصلة بقضايا الماء.

خامسا: العمل على إصدار تشريعات وطنية، تجرّم الاعتداء على الماء بأية صورة من الصور.

سادسا: وضع ضوابط تشريعية للمقاسمة في المياه، تقوم على مبادئ عادلة في توزيع الأنصبة والأعباء على حد سواء.

سابعا: توجيه المؤسسات الإعلامية، ومراكز صنع الرأي العام على إيجاد ثقافة إيجابية في التعامل مع الماء الذي قد تزيد قطراته في الأهمية على قطرات الدماء.

ثامنا: توجيه المؤسسات التعليمية للعمل على تكوين بنية ثقافية تحمي الماء في مختلف مراحلها، وتعدّه القضية الأساسية في بقاء الحضارة الإنسانية، وربما كان مهما أن تفكر الجامعات العربية والإسلامية في اعتماد الفقه الحضاري للمياه مقرراً دراسياً.

تاسعا: تعميم ثقافة ترشيد المياه على كل إنسان سواء في إقامة عباداته، أو الالتزام بعاداته أو محاولته التي لا تتوقف من أجل الاستفادة من المياه في مجالات الزراعة والري وفقه البيئة والنظافة والطهارة، وما تقتضيه الحياة المنزلية والدينية، ومجالات الرياضة المائية بكل صورها، وكذلك الفنون المائية بكل أشكالها، كما يمكن - في هذا الصدد- الاستعانة بالإعلام في هذا الترشيد عن طريق البرامج الجاذبة، والكتيبات المؤثرة التي تستلهم من تاريخ المياه ما يدعم رسالتها.

عاشرا: إن فقه الماء باعتباره فقه الحياة يقتضي إقامة دورات وبرامج للوعاظ والمرشدين والدعاة والعاملين في مجال الفتوى والإعلام للعمل على تعميم هذه الثقافة ونشرها.

حادي عشر: إنشاء أقسام في كليات الهندسة والعلوم والآداب والحقوق والأكاديميات البحرية لدراسة قضايا الماء، فكليات الهندسة تعمل على تطوير آلات الاستفادة من المياه، وطرق مقاسمة المياه، ودور المياه في نشأة المدن و إعمارها، وكذلك كليات العلوم تدرس الأحياء المائية وما يتصل بها من معارف وعلوم بحرية أما كليات الآداب فتدرس تاريخ المياه وما دار حوله من حروب وصراعات ومعاهدات، عبر العلاقات بين الشرق والغرب، وأما الأكاديميات البحرية، فمن خلال مناهجها التي تستوعب علوم البحار وقواعد تسيير السفن وآداب السفر عبر البحار، والفنون البحرية، وأما كليات الحقوق، فتقدم دراسة موضوعية حول قوانين الماء وتشريعاته، والمعاهدات والوثائق الدولية المتعلقة بها، خصوصا القواعد القانونية المتعلقة بقضايا البحار في الحرب والسلام، إضافة إلى مقرراتها المعتادة في المعاملات التجارية والنقل البحري.

إن مما يتطلبه تفعيل هذه الوثيقة ما يلي:

1- تخصيص مجال في الجامعات والمراكز والمعاهد المعنية لأبحاث قضايا الماء لاستيعاب الأحكام الفقهية والنواحي الاجتماعية والاقتصادية المتعلقة بالمياه وآثارها الدولية.

2- الدعوة إلى معاهدة دولية عادلة تشمل جميع دول العالم حول القضايا المعاصرة عن الماء، تحوي آليات لحل النزاع، ووضع خطط التنمية ورسم خرائط التعاون بين العالمين العربي والإسلامي، وتبادل المعلومات والخبرات المتعلقة بها.

وفي ختامها أكدت الوثيقة على أنَّ حلّ مشكلات المياه وصراعاته مبدأ ديني، وهي أهم مقومات السلام العالمي والإقليمي في الوقت المعاصر».

أعمال الندوة

وتضمنت الندوة التي استمرت ٣ أيام على ١٤ جلسة تناولت /٨/ محاور تتصل بالأنظمة الإسلامية في فقه الماء وقضايا الماء في الفقه وفتاوى فقه الماء وتطبيقات التراث الإسلامي وقراءات في فقه الماء وفقه الماء والصراعات المعاصرة وأحكام البحر في الفقه.

واشتملت الندوة عبر جلساتها على تقديم /٥٧/ ورقة عمل شارك فيها عدد من أصحاب السماحة مفتييّ بعض الدول العربية والإسلامية وعلماء ومفكرين من داخل السلطنة وخارجها.


أخبار ذات صلة

وام: تنسيق إماراتي إيراني لتسيير رحلات جوية لإجلاء الإيرانيين الزائرين [...]
بعد تفشي كورونا.. البرلمان الإيراني يتوقف عن العمل
مجلس الأمن الدولي يعقد الجمعة جلسة طارئة لبحث التطورات في [...]