بيروت - لبنان 2018/10/16 م الموافق 1440/02/06 هـ

الأسرة المسلمة واستقبال العيد..

أيام طاعة وصلة الأرحام ونربي أبناءنا فيها على الفرح المشروع

حجم الخط

مع تطور الأزمان... وتعاقب التحديات والمشاكل على الأمة الإسلامية افتقد كثير من أطفالنا العادات والتقاليد الأسرية الأكثر ألفة ومحبة، حتى كاد العيد عندنا أن يفقد معانيه وأفراحه بعد أن كان يجمع الأسرة أطفالاً وكبارًا فيشعرون بالفرح، وتمتلئ أرجاء البيوت بالأحبة والأقارب والأصدقاء.
ولأن جوانب الشخصية متعددة لدى الطفل.. فكرية، اجتماعية، ثقافية، ونفسية، وتنميتها جميعًا بلا نقصان عملية تربوية معقدة لا يتسع الوقت لتنميتها مجتمعة في الأيام العادية، وبما أن عيد الأضحى هو موسم الحج والأيام المباركة التي لا يرد فيها الدعاء، فجميل أن نعلِّم أبناءنا القيمة المعنوية للعشر الأوائل من ذي الحجة، والقيمة الأخلاقية لعيد الأضحى المبارك، عيد العطاء والمساندة، عيد تجمع العائلة والمسلمين من شتى بقاع الأرض على قلب واحد، وعبادة واحدة تنمي في الروح والنفس المحبة والولاء.
ولكن يبقى السؤال الأبرز.. كيف نهيئ أطفالنا لاستقبال العيد؟

البابا
{ أما الشيخ أحمد البابا فقال: يستقبلُ المسلمونَ في كلِّ مكانٍ أعيادَهم الشرعيةَ جذلينَ فرحينَ بطاعةِ اللهِ عز وجل وإتمامِ العباداتِ، سائلينَ اللهَ قبولَ صيامِ وقيامِ رمضانَ وأعمالِ عشرِ ذي الحجةِ في مظهرٍ يعزُّ مثيلُه في الأممِ الأخرى التي تحتفلُ بأعيادٍ بشريةٍ ترتبطُ بأشخاصٍ، أوْ أسرٍ، أوْ تحيي ذكرى قصصٍ خرافيةٍ وحكاياتِ حبٍّ خادشةٍ للحياء.
وأعيادُنا مليئةٌ بالفرحِ والسرورِ ولا مكانَ للحزنِ فيها فأعيادُنا نحنُ أهلُ الإسلامِ فرصةٌ للاجتماعِ على عدَّةِ مستويات؛ إذْ تجتمعُ الأمةُ على انتظارِ العيدِ وفي الاستعدادِ له، وتضجُّ المساجدُ والأماكنُ بالتكبيرِ والتهليلِ قبلَه، ويشتركُ النَّاسُ في لبسِ الجديدِ خلالَه وفي التهاني والبسماتِ يومَه، ويؤدي المسلمونَ الصلاةَ في صباحهِ الباكرِ بمنظرٍ مهيبٍ تخرجُ لهُ الأمةُ برجالِها ونسائها وأطفالِها ملتزمةً بالضوابطِ الشرعيةِ، وفي كلِّ هذا رسالةٌ صريحةٌ للمصلحينَ مفادُها أنَّ هذهِ الأمةَ لا يجتمعُ شتاتهُا ولا يلتئمُ أمرُها إلاَّ على كتابِ اللهِ وسُنَّةِ رسولِهِ  صلى الله عليه وسلم . 
ومنْ أعظمِ مزايا عيدي الأمةِ الإسلاميةِ وضوحُ البعدِ الاجتماعيِ فيهما؛ فقدْ فرضَ اللهُ زكاةَ الفطرِ قبلَ يومِ الفطر، وسنَّ النبيُ الكريمُ  صلى الله عليه وسلم  إهداءَ ثلثِ لحمِ الأضحيةِ للفقراءِ يومَ الأضحى؛ واعتادَ أغنياءُ المسلمينَ على إخراجِ زكواتِهم وصدقاتِهم في شهرِ رمضانَ وعشرِ ذي الحجةِ؛ طلبًا لمضاعفةِ الأجرِ، واغتنامًا لفضلِ الزمانينِ، وإغناءً لفقراءِ المجتمعِ عنْ ذلِّ السؤال.
وقدْ يختفي المعنى النبيلُ للعيدِ إنْ لمْ يسعَ الفردُ لإسعادِ غيرهِ وجلبِ الفرحِ والسرورِ لنفوسِ الآخرينَ، بدءًا بالعائلةِ الصغيرةِ فالأسرةِ الكبيرةِ مرورًا بالجيرانِ والأصدقاءِ دونَ إغفالٍ لفقراءِ المجتمعِ وأراملهِ وأيتامه. وقدْ درجتْ بعضُ العوائلِ الكريمةِ على استضافةِ أطفالٍ أيتامٍ في احتفالِها بالعيدِ ليشاركوهم الفرحةَ ويعوضوهم عنْ غيابِ أهلهم؛ فالعيدُ لليتيمِ المحرومِ، يصدقُ عليهِ قولُ الشاعرِ عبدِ الرحمن شكري:
إذا جاءه عيدٌ من الحولِ عاده
من الوجدِ دمعٌ هاطلٌ ووجيب
كأنَّ سرورَ النَّاسِ بالعيدِ قسوةٌ
عليهِ تُريـقُ الدَّمعَ وهو صبيب

وفي العيدينِ فرصةٌ مواتيةٌ لابتداءِ الملتقياتِ العائليةِ وحلِّ الخلافاتِ الأسريةِ وإصلاحِ ذاتِ البين؛ إذ العيدُ زمنُ التسامي عن الحقدِ والتحررِ من الأنانيةِ وتجاوزِ المصالحِ الفردية؛ فالحمدُ لله الذي شرعَ أعيادَنا موسمًا للرحمةِ والتآلف.
والعيدُ يومٌ جديدٌ تشرقُ شمسُه الجميلةِ على بلادِ المسلمينَ، وقدْ تجدَّدَ النَّاسُ في ملابسِهم وعاداتِهم وكلامهم بلْ وفي نفوسِهم التي خرجتْ منْ أوزارِها ترجو الفوزَ والرضوانَ وفي أرواحهِم المتعلقةِ بنفحاتِ اللهِ في الموسمِ المنصرم. وما أجملَ أنْ يدخلَ العيدُ على المسلمِ وقد اقتبسَ جذوةً منْ بركاتِ رمضانَ أوْ عشرِ ذي الحجةِ، فغدا إنسانًا جديدًا في تعاملِه مع ربهِ ومع نفسهِ ومع أهلِه ومجتمعِه وزملائه! وما أرقَّ مَنْ جعلَ العيدَ يومًا لتجديدِ علاقتِه بزوجتِه ومؤانسةِ بنيهِ والتوسعةِ عليهم بالمعروفِ ومسامحةِ زملائِه وخدمةِ مجتمعِه الصغيرِ والكبير! وما أحسنَ خلقَ مَنْ صيَّرَ العيدَ فرحةً مضاعفةً للأطفال. 
وحينَ ينتهي العيدُ وتمضي أيامُه يظلُّ في وجدانِ المسلمِ وشعورِه حنينٌ للعيدِ الكبيرِ والفوزِ العظيمِ برضوانِ اللهِ ورؤيةِ الرَّبِ جلَّ جلالهُ ودخولِ أعلى جنانِه؛ فذلكَ اليومُ هو عيدُ الأعيادِ كلِّها؛ ففيهِ السرورُ والحبورُ والبسمةُ والمباهجُ والمسرَّاتُ وما لا يخطرُ على قلبِ بشر. نسألُ اللهَ أنْ يبلِّغنا هذهِ الفرحةَ وتلكَ البهجةَ.
تجهيز الأطفال للعيد
{ تقول الأخصائية النفسية - الاجتماعية أماني كبريت، من أهم الخطوات التربوية لنفسية الأطفال خطوة التهيئة، وهذه الخطوة رائعة؛ لكونها مشوقة وتمهد لاستعداد الروح والنفس لما هو قادم، وما أجمل هذا الاستعداد إذا اتسم بحاجته ليلامس مواهب الأطفال، فمن الاستعدادات للعيد صناعة الزينة والألعاب، واشتراك الأطفال في تزيين البيت لاستقبال فرحة العيد وأقربائهم وأصدقائهم؛ مما يجعلهم في نشاط مستمر، ويصنع في نفوسهم التحدي وقوة الإرادة، ويجعلهم أكثر اعتمادًا على النفس من أي وقت آخر.
وتضيف: ثم هناك موضوع المكافأة أو «العيدية» وهي من أفضل الأساليب المعززة للسلوك الإيجابي، وفي العيدية رمز إيجابي يعزز لدى الطفل تفكيره وسلوكه الإيجابي، خاصة في أيام العيد، وهو أسلوب يعشقه الصغار ويتنافسون من أجل أن يتمتعوا به، وأن يكونوا الأفضل من بين أقرانهم، وهنا علينا أن نَصدُق القول مع أطفالنا في نظام المكافأة ونكثر منها؛ لنحببهم في العيد وطقوسه الأقرب والأحب لنفوسهم الطاهرة.
وكذلك علينا أن نعلم الأبناء أساليب التواصل مع الأرحام، فحري بنا أن نجعل أطفالنا يحبون اجتماعيات العيد، وأن نغرس في نفوسهم الخير والعطاء، ونشجعهم على توفير بعض نقودهم لمنحها للفقراء، وبذلك سيتعلم طفلك المسؤولية تجاه المحتاجين، ومن جهة أخرى نشجعهم على صلة الرحم فهي من أهم مظاهر العيد التي تعزز لدى الطفل الانتماء والذوق والخلق السليم.
وأخيرا هناك موضوع الثقة في النفس، فنقول للأم...  امنحي أطفالك محبتك دون شرط، اهتمي بطعامهم ونظافتهم ومذاكرتهم، واجعليهم عنصرًا فعالاً في حياتك، فيسعدهم أن تعطيهم مهمة يومية، سواء في المطبخ أو في إعداد طعام لجاركم الفقير، أو قريبكم اليتيم، أو شراء بعض الأشياء من السوق، المهم أن تجعلي أطفالك يشاركون في صنع الحياة، خاصة في العيد، وبذلك تطورين أهم قدرات الشخصية لديهم وهي: الثقة بالذات، وتخففين من المسؤوليات الملقاة على عاتقك في الأسرة.

  منى توتنجي




أخبار ذات صلة

المؤتمر العالمي الرابع للأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم
الجمع بين الحجاب والتهتُّك!
الزكاة للإبنة