بيروت - لبنان 2021/01/18 م الموافق 1442/06/04 هـ

الاستهتار آفة انتشرت في بلادنا.. فكيف السبيل إلى علاجها؟

حجم الخط

لا يخفى على أحد أن إستهتار المجتمع بجائحة كورونا وعدم اتباعهم بالإرشادات الوقائية أوصلتنا إلى هذه المرحلة من انتشار هذه الجائحة...

- ألم يُدرك المستهترون إن استهتارهم بالأمور هي نتيجة عدم إدراك وعدم الوعي..؟!

- ألم يُدرك هؤلاء ان الاستهتار بالمرض وانتقال العدوى للآخرين هو قلّة إحساس بالمسؤولية..؟!

ألم ينشأ هؤلاء على ضرورة التقيّد بالقوانين والأنظمة وان الاستهتار من سوء التربية وقلّة الدين..؟!

- ألم يعي هؤلاء ان سياسة الاستهتار التي ينتهجها البعض، أدّت إلى إلحاق الأذى والضرر بالآخرين..؟!

إن استهتار فئة من المجتمع بكل الإجراءات والتوصيات التي أطلقها المعنيين كانت السبب الرئيسي في فلتان الأمور والوصول إلى مرحلة لا تحمد عقباها على المجتمع... هذا الاستهتار المتفشي في المجتمع كيف نعالجه ونكافحه للوصول الى برّ الآمان؟!..

هذا ما سنعرضه في حوارنا التالي مع الشيخ د. وفيق حجازي:

< في ظل الأوضاع الصحية السائدة في وطننا، نرى عند الكثيرين عدم التزامهم بالإجراءات والاستهتار مما يعرّض حياة الكثيرين للخطر، ما رأي الشرع والدين في ذلك؟

- إن الإسلام دين حرص على سلامة الإنسان فردا ومجتمعا، وحذّر من التهاون أمام الأوبئة والتساهل تجاهها، والاستهتار في أخذ الحذر والحيطة نحوها، فحذّر من كل ما يؤدّي لضرر بالنفس أو إضرار بالغير؛ لأن من قواعد الإسلام الكليّة أنه «لا ضرر ولا ضرار»، ومن معالم مقاصد الإسلام الضرورية المحافظة على النفس بكليّتها من أن تورد موارد التهلكة أو تصاب بمشاق في حياتها، فوضع الإسلام ضوابط في التعامل أوقات الأزمات وانتشار الأوبئة، ورتب على ذلك مسؤولية شرعية، بل وإثما شديدا لمن يتسبب بتقصيره فيها في مصائب تنال الأفراد والمجتمعات وتلقي بالنفس في مراتع التهلكة؛ لأن حفظ النفس واجب، وما كان كذلك فمقدماته واجبة، بناء للقاعدة الفقهية الكلية «إن مقدمة الواجب واجبة ومقدمة الحرام حرام»، و«ما لا يتم لواجب إلا به هو واجب»، فالاحتياط والابتعاد عن مواطن الأوبئة ومصادرها أمر لا بد منه ولا مناص عنه خاصة وأن النبي  صلى الله عليه وسلم بيّن خطورة وتبعات وآثار الاستهتار والتقصير في التعامل مع الوباء فقال: «إذا سَمِعْـتُم به - بالطاعون - بأَرْضٍ فلا تَـقْدَمُوا عليه، وإذا وَقَعَ بأَرضٍ وأنتُم بها، فلا تَخْرُجوا فِـراراً منه»، والحديث وإن كان ورد في أمر خاص فإن القاعدة في التشريع أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وورد كذلك عن سيدنا رسول الله  صلى الله عليه وسلم أنه قال :«فرّ من المجذوم فرارك من الأسد»، وقال صلى الله عليه وسلم: «لا يُـورِدُ المُمْرِضُ على المُـصِحّ»، فاستهتار الإنسان في التعامل مع وباء فيروس كورونا لا يقبل شرعا، لما فيه من الأذية الذاتية للنفس فضلا عن الغير، والمحافظة على النفس من الوقوع في التهلكة أمر لا مفر منه وهو من لب التشريع الإسلامي فضلا عن أن الوازع الديني والعقلي يوجب على الإنسان أن يحافظ على نفسه وقد قال تعالى: {ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما} وقد عايش المواطن ما جرى في مناسبات متعددة من تمرّد كثيرين على أدبيات الحذر وضوابط الاختلاط فأدّى كله لازدياد حالات الإصابة بفيروس كورونا ووضع الوطن على شفا انهيار صحي قضى على حياة كثيرين أو أصابهم بحرج في صحتهم، فمسألة التعامل مع هذا الوباء الذي انتشر لا يمكن أن تكون خاضعة فقط لقانون يصدر من المسؤولين مع أهمية ذلك رغم تقصير المسؤولين في الدولة وعلى جميع الصعد إلا أن الالتزام لا بد وأن يكون ذاتيا، وفقه المسؤولية في التعامل معه شخصيا، وهذا مفتقد عند كثيرين، وعليه لوحظ أنه وبالرغم من إغلاق البلد أكثر من مرة بسبب فيروس كورونا لم يلتزم من المواطنين سوى القليل، وهم بين متهاون ومستهتر بل ومتفيهق أنه لا يوجد ما يدعو لكل ذلك، حتى مع تزايد أعداد الإصابات والوفيات بسبب هذا الوباء، ومن هنا يمكن لنا أن نقول بأن المستهتر في التعامل مع وباء كورونا هو آثم شرعا وقد يكون قاتلا لنفسه أو غيره إن تقصّد نقل المرض فضلا عن أنه باستهتاره هو أداة نقل للمرض سواء علم أم لم يعلم وكلا الأمرين خطير، والإسلام حرص على سلامة الأفراد ومنهم سلامة المجتمعات.

< الاستهتار بكل المواضيع والقضايا العامة مثل الاستهتار بالقوانين والأمن ورعاية الأسرة وغيرها، كيف تتم معالجته؟

- إن من أنواع البلاء الذي طال بشظاياه المجتمع هو في التهوين من أمر التشريع والاستهتار به، والتمرّد على القوانين والتلاعب بها مراعاة لمصالح البعض ومحاباة للمحاور الخارجية، والأزمة التي يعيشها المواطنون ترجع أساسا لعدم تطبيق القوانين والخروج عليها، وهي تطال جميع شؤون الحياة: أسرة وتربية ومؤسسات دولة ونظاما، وقد بيّن الإسلام أن الإنسان مسؤول فيما استرعاه الله إياه، وتضييعه مستوجب المساءلة بين يدي الله، فضلا عن المساءلة دنيا، وما ضياع الأسر إلا نتاجا من عدم إعطاء المسؤولية حقها والتقصير فيها والتهاون بشأنها وهذه طامة كبرى.

< ما هو دور الأسرة والعلماء والإعلام في مكافحة ظاهرة الاستهتار?

- إن أي مجتمعا مزدهرا يرجع ذلك فيه إلى العمل الجاد والفكر الثاقب والمنهج الحازم والعمل المستمر والتخطيط السليم ولذلك وضع النبي  صلى الله عليه وسلم للأمة معالم في حياتها للنهوض والازدهار والتقدّم والرقيّ ووضع في عنق كل عاقل مسؤولية أمانة النفس والأسرة والمجتمع والأمة، واعتبر أن الناس كراكبي سفينة إن ترك الأمر لكل فرد أن يعمل ما يحلو له ربما خرق السفينة وأغرق من فيها وهو منهم، يقول  صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ القَائِمِ في حُدودِ اللَّه، والْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَومٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سفينةٍ، فصارَ بعضُهم أعلاهَا، وبعضُهم أسفلَها، وكانَ الذينَ في أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ الماءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا في نَصيبِنا خَرْقاً وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ تَرَكُوهُمْ وَمَا أَرادُوا هَلكُوا جَمِيعاً، وإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِم نَجَوْا ونَجَوْا جَمِيعاً».

ومن هنا كان لزاما على المسلم أن يكون حريصا على حماية نفسه ومجتمعه من كل سوء، مدركا خطورة التقصير والاستهتار في كل ما أولاه الله إياه، وأوجب عليه المحافظة عليه، ومن هنا كان على الدعاة أن يبيّنوا للناس أهمية العمل وخطورة الاستهتار والتهاون فيه لأن من مسلّمات الدين وجوب العمل وإتقانه وخطورة التقصير تجاه الله وخلقه لأن لكل حقا يجب أن يعطاه.

< نصيحتك الأخيرة للأشخاص المستهترين؟

- قال الله تعالى {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة}، إن الإسلام حرص بتشريعه على حماية الإنسان وعلى لزوم العمل والانضباط بما يتوائم ومسيرة الحياة التي أوجب الله العمل فيها عمارة للأرض وسعادة للمجتمع والله لا يضيع أجر من أحسن عملا.


أخبار ذات صلة

تونس.. حملة اعتقالات تطال 600 شخص أغلبهم «قُصّر وأصحاب سوابق»
الثلوج تلامس الـ1100 متر غدا.. متى ينحسر المنخفض الجوي؟
العراق قلقٌ من التوتر الأميركيّ الإيرانيّ.. ويتطلّع للعمل مع إدارة [...]