بيروت - لبنان 2018/10/15 م الموافق 1440/02/05 هـ

الحج .. عنوان للأمن في ديننا

حجم الخط

د.احمد عمر هاشم*

إن فريضة الحج إلى بيت الله الحرام، ركن من أركان الإسلام، ويتجلى فيها مبدأ الأمان بأجلى صوره، فمن شروط وجوب الحج: الاستطاعة وأمن الطريق، فمن لم يستطع أو لم يكن آمنا على نفسه أو ماله أو عرضه في الطريق لا يجب عليه الحج، وفي تأكيد الشريعة الغراء أمن الطريق لضيوف الرحمن، ما يقرر أن الأمان من أهم حقوق الإنسان، بل إن المؤمن الكامل في إيمانه هو من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم وأعراضهم.
وأن المسلم الكامل فى إسلامه من سلم المسلمون من لسانه ويده. وكما أن أمان الطريق من شروط وجوب الحج، فإن الذي يتمعن في زمان الحج ومكانه وأحكامه يرى أن الأمان من أبرز معالم هذه الفريضة.
أما زمن الحج، فنلاحظ أن الله تعالى جعله من الأشهر الحرم، فشهر ذي القعدة الذى نشد فيه الرحال إلى بيت الله الحرام من الأشهر الحرم، وشهر ذي الحجة الذي تؤدى فيه الفريضة من الأشهر الحرم، وشهر المحرم الذي يعود فيه ضيوف الرحمن إلى أوطانهم من الأشهر الحرم، فجعل الله تعالى زمن أداء فريضة الحج زمنا حراما يحرم فيه القتال، ليأمن فيه ضيوف الرحمن.
وكما جعل الزمان أمانا جعل أيضا المكان أمانا، فنرى البيت الحرام آمنا ومن دخله كان آمنا، بل كان الرجل قديما يلقي فيه قاتل أبيه فلا يتعرض له بسوء احتراما لحرمة المكان ولأنه حرم آمن قال الله تعالى: {إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا}.
فنرى الزمان، الذي تؤدى فيه الفريضة آمنا ونرى المكان آمنا، ونرى الإنسان آمنا، وجعل اللقطة آمنة، فلا يصح لمن وجد شيئا ضائعا مهما كان نفيسا أن يأخذه ولا أن يلتقطه إلا إذا كان سينشد صاحبه ويعرف بالشيء الذي وجده، كما جاء في الحديث ( ولا تلتقط لقطته إلا المنشد) كما جعل الله تعالى شجر الحرم ونباته والحشيش الذي ينبت في الأرض آمنا كما جاء في الحديث: (ولا يختلي خلاه) بل جعل الشوك آمنا (ولا يعضد شوكه) أي لا يقطع فيكون كل شيء آمنا.
وان ضيوف الرحمن، حين يعودون من رحلة الحج المباركة وقد تعودوا على قيمة الأمان وهم يمارسون مناسكه لا شك أنهم يحافظون على أمن الإنسان وعلى أمن الأوطان، ويقومون بنشر الأمن في كل زمان وفي كل مكان.
ولا ريب في أن المجتمعات الإنسانية في هذه المرحلة الراهنة في أمس الحاجة إلى استتباب الأمان، ومكافحة الإرهاب الذي استشرى في كثير من بلادنا. وها نحن نرى أن العبادات في الإسلام ترسي في العباد والبلاد معنى الأمان، فكما أرست عبادة الحج معنى الأمان، فان عبادة الصلاة ترسي أيضا معنى الأمان والتواد والتآلف بين العباد حين يؤدونها في جماعة، وحين يتلاقون في بيوت الله فيستشعرون معنى الألفة والترابط والتعارف والتآلف مما يزيد وشائج التواصل ويؤكد معانى الأمن والمودة بين الناس.

الأمن في العبادات
ويتجلى هذا المعنى أيضا، في عبادة الزكاة والصيام وغير ذلك من الطاعات التي تغرس الأمن والطمأنينة، والود والسكينة بين الناس، والناس في هذه الآونة يتهددهم الإرهاب بصوره البشعة التي وقع ضحيتها كثير من أبناء الأوطان، مما يستوجب على الخطاب الديني في هذه المرحلة وعلى الدعاة أن يضاعفوا جهودهم لنبذ الإرهاب وبيان خطره على الأمة، فالإرهاب من أبشع الجرائم التي تهدر حق المجتمعات في الأمن وفي الاستقرار، وتهدر حق النفس، ولذلك كان الوعيد الشديد لمن يعتدي على النفس الإنسانية في الحياة.. عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : «أبى الله أن يجعل لقاتل المؤمن توبة» .
ولاشك في أن الإرهاب من أكبر الكبائر وأخطر الجرائم إذا تفشى في بيئة نشر الرعب والفزع وقضى على الأمن والاستقرار، وأشاع الشحناء والبغضاء، وقضى على الروابط الإنسانية، ورمل النساء، ويتم الأطفال قال الله تعالى: {من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا}. من هنا كان واجب الأمة أن تناهض ظاهرة الإرهاب وأن تضاعف جهودها في نشر الأمن والاستقرار مستوحية من عبادات الإسلام كالحج وغيره ما في أسرار العبادات وحكمتها من دعوة إلى الأمان والطمأنينة والرحمة والسكينة.

* عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف




أخبار ذات صلة

إلى كل المتحدِّثين في لبنان... أعيدوا إلينا «إنسانية الخطاب الديني» [...]
أظلم ما في الليل... آخره
كفالة اليتيم