بيروت - لبنان 2020/03/30 م الموافق 1441/08/05 هـ

الدعاة للمصلّين مع إنتشار مرض كورونا: التقيّد بالإرشادات الطبّية واجب شرعي

وأي مخالفة هي معصية دينية...

حجم الخط

لا يخفى على أحد الخوف المسيطر على نفوس الناس بسبب «فيروس كورونا» المنتشر في جميع أنحاء العالم.

ولا يخفى على أحد أيضاً أهمية التقيّد بالإرشادات الطبية اللازمة للحد من انتشاره وخصوصاً في الأماكن المزدحمة من حيث وضع الكمامات الطبية على الوجوه، وتعقيم الأماكن والأيادي لتجنّب انتقال هذا الوباء عبر اللمس والمصافحة. لذلك أصدرت المديرية العامة للأوقاف الإسلامية بياناً حذّرت فيه المصلّين إذا شعروا بأية عوارض لهذا الوباء أو لوباء الانفلونزا العادي البقاء في المنازل وعدم التوجّه إلى المساجد حرصاً على سلامة المصلّين الآخرين... فدرهم وقاية خير من قنطار علاج... وهذا ما يجب أن يفعله الكثير من المصلّين حيث الأجدر بهم البقاء في منازلهم وعدم تعريض حياة الآخرين للخطر... ما هي نصيحة العلماء للمصلّين من حيث الالتزام بالإرشادات للوقاية من فيروس الكورونا؟.. هذا ما سنعرضه في تحقيقنا التالي:

الشيخ مزوق

{ بداية قال الشيخ وسيم مزوق إمام وخطيب مسجد المجيدية: سألت أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها رسول الله عَن الطَّاعُونِ فَأَخْبَرَهَا نَبِيُّ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ كَانَ عَذَاباً يَبْعَثُهُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ فَجَعَلَهُ اللَّهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ فَلَيْسَ مِنْ عَبْدٍ يَقَعُ الطَّاعُونُ فَيَمْكُثُ فِي بَلَدِهِ صَابِراً يَعْلَمُ أَنَّهُ لَنْ يُصِيبَهُ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ إِلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ الشَّهِيدِ «رواه البخاري».

قال الخليل بن أحمد: «الوباء الطاعون، وهو (أي الوباء) كل مرض عام»، ونشهد اليوم فيروس الكورونا ينتشر في العالم، وكما لا يخفى على أحد توجد حالات في لبنان، والمرض بدأ ينتشر في بلادنا فيجب علينا شرعاً أن نتوكل على الله ونأخذ بالأسباب، فالأوبئة إذا انتشرت لا تفرّق بين مؤمن وغير مؤمن، بل على المؤمنين أن يأخذوا بجميع الأسباب المطلوبة شرعاً وطباً وعقلاً، وأن يتوكلوا على الله تعالى حق التوكل، وأن كل شيء بقدره، وتحت قدرته وأنه (لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا). فهذا سيدنا عمر الفاروق رضي الله عنه امتنع عن دخول الشام، بعد أن علم أن الوباء قد وقع فيها، وقال له أبو عبيدة بن الجراح: أَفِرَاراً مِنْ قَدَرِ اللَّهِ؟ فقال: «نَعَمْ نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ» وهذا هو عين الأخذ بالأسباب وذلك لا ينافي الايمان والتوكل على الله، فعلينا أن نكون بين جناحين (الجناح الأيمَن: الإيمان القوي بالله تعالى والتوكل عليه)، و(الجناح الأيسر: الأخذ بالأسباب المشروعة كلها، لأن الله تعالى هو الذي أمر بها) ومنها الوقاية والعلاج والحجر الصحي، وكل ما تفرضه الجهات الصحية المختصة، ونذكر بعضاً من هذه الأسباب:

1- الحجر الصحي: أي عدم جواز الخروج من البلد الذي وقع فيه الطاعون أو الوباء، وعدم جواز الدخول إليها، فقد جاء في صحيح مسلم: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم الطَّاعُونُ آيَةُ الرِّجْزِ ابْتَلَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ نَاساً مِنْ عِبَادِهِ فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِ وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَفِرُّوا مِنْهُ».

والحكمة من هذا المنع من الخروج حتى لا ينتشر المرض، فيكون سبباً في إيذاء الأخرين، فيكون آثماً؛ لأنه ألحق الضرر بالآخرين، وقد قَالَ رَسُولُ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلمَ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ». فلا يجوز أن يتسبب الإنسان في الإِضرار بالآخر؛ وأما المنع من دخول المنطقة الموبوءة؛ فلحرمة الإلقاء بالنفس في التهلكة، أو فيما يسبب التهلكة؛ لأن الحفاظ على البدن والصحة والعقل من أهم مقاصد الشريعة الضرورية.

2- عدم مجاورة المرضى خشية العدوى، إلا للعلاج مع الأخذ بجميع وسائل الحماية الطبية، لأن الرسول قال: «وَفِرَّ مِنْ الْمَجْذُومِ كَمَا تَفِرُّ مِنْ الْأَسَدِ»، ولا تناقض مع الحديث الصحيح «لَا عَدْوَى»؛ قال العلماء: «لأن المقصود به هو أنه: لا عدوى على الوجه الذي يعتقده أهل الجاهلية من إضافة الفعل إلى غير الله تعالى، وأن هذه الأمور تعدي بذاتها وطبعها، فهذا من ميزان الاعتقاد والإيمان بالله تعالى وعدم الإشراك، وأما الفرار من الأمراض المعدية فهو من ميزان الأسباب التي جعلها الله مؤثرة بقدر الله تعالى، ويؤكد هذا المعنى الحديث الصحيح الأخر بلفظ «لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ» (رواه مسلم)».

وهنا نرى ضرورة الحيطة والحذر وعدم التعرّض لأسباب التلف مع تفويض الأمر للّه تعالى والتوكل الحق عليه، وخاصة في أماكن اجتماع الناس، وتأتينا أسئلة بالنسبة لصلاة الجمعة هل تسقط ويكفي أن أصلي الظهر في المنزل بدلاً من صلاة الجمعة؟ نقول وبالله تعالى التوفيق: لا يجوز شرعاً التخلّف عن صلاة الجمعة للصحيح غير السقيم (غير المريض مرضاً يمنعه من حضور الجمعة) والطبيب المسلم الثقة هو أهل الذكر والخبرة في ذلك حيث يعاين المرضى ويشخّص حالتهم، خاصة بالنسبة لفيروس الكورونا الآن إذا ظهرت علاماته أو ما يدلّ عليه يجب شرعا أن يتوجه إلى الجهات الطبية المختصة وعليه أن يأخذ بإرشاداتهم فإذا طلبوا منه أن يعتزل الناس فلا يذهب إلى الصلاة عندئذ، أما مَن كان بصحته وعافيته فعليه أن يأتي إلى صلاة الجمعة ويأخذ بالأسباب أيضا وذلك بوضع الكمامة واستخدام سجادة صلاة خاصة به وغسل اليدين حسب إرشادات الأطباء واستخدام معقّم اليدين وفي حال السعال أو العطاس يضع المنديل دفعاً للأذى عن الآخرين. فعلى العلماء والخطباء أن يذكّروا المصلّين بما ذكرنا آنفاً وأن يعلّموهم الأدعية الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، نذكر منها:

• (بسم الله الذي لا يضرّ مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم) ثلاث مرات أو أكثر، ورد في الحديث أنه من قال الدعاء السابق «ثلاث مرات لم تُصِبهُ فُجأَةُ بلاء حتى يصبح، ومن قالها حين يصبح ثلاث مرات لم تُصِبهُ فُجأَةُ بلاء حتى يمسي».

• (أعوذ بكلمات الله التامّات من شرّ ما خلق) ورد في الحديث الصحيح أنك إذا قلته «لم تضرّك» أي لم تضرّك شرور الخلق.

• قراءة سورة الإخلاص ثلاث مرات، والمعوذتين ثلاث مرات، عند الصباح وعند المساء، وردت باستحبابها أحاديث ثابتة.

• اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي دِينِي وَدُنْيَايَ وَأَهْلِي وَمَالِي، اللَّهُمَّ استُرْ عَوْرَاتي، وآمِنْ رَوْعَاتي، اللَّهمَّ احْفَظْنِي مِنْ بَينِ يَدَيَّ، ومِنْ خَلْفي، وَعن يَميني، وعن شِمالي، ومِن فَوْقِي، وأعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحتي.

• (لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) حيث ورد فيه «فإنه لن يدعو بها مسلم في شيء إلا استجيب له».

• (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبَرَصِ، وَالْجُنُونِ، وَالْجُذَامِ، وَمِنْ سَيِّئِ الأَسْقَامِ).

وبالختام ندعو جميع الناس إلى تقوى الله تعالى والاتعاظ والعودة إلى الله بالتوبة النصوح، وأقول للتجار اتقوا الله ولا تستغلوا حاجات الناس ولا تحتكروا البضائع أو المواد التي يحتاجها الناس من كمامات أو معقمات أو غير ذلك، وعلى الدولة اللبنانية أن تقف أمام مسؤولياتها وشعبها وتقوم بالأمور الواجبة عليها، كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، وآخر دعوانا أن الحمد للّه رب العالمين.

د. قنواتي

{ أما الطبيب الشيخ عماد قنواتي فقال: انه من الأفضل لكل شخص مريض البقاء في منزله يوم صلاة الجمعة وعدم الاقتراب من المساجد، فالرسول  صلى الله عليه وسلم نهى عن إذا أكل الشخص ثوم أو بصل أن يقربن المسجد حتىلا يؤذي المصلين برائحة الفم، فكيف إذا كان وباء مثل وباء الكورونا، فمن باب أولى على المريض حامل الفيروس أو أي مرض أن يفتك بالناس أن يتجنّب المساجد حتى لا يؤذي المصلّين وخاصة كبار السن لأنهم أكثر الأشخاص عرضة لهذا المرض بشكل عام.

أما في ما يخصُّ الشخص المعافى من المرض فله أن يقلّل من الاحتكاك مع الأشخاص وأن تكون العلاقة رسمية، خاصة في هذا الوقت، فتجنّب التقبيل والمصافحة، ومحاولة استعمال المعقّم بعد كل مصافحة، كما يجب على الأشخاص المعافين أن يضعوا الكمامة تجنّباً لانتشار المرض.

أما المواطنين وخاصة المصلّين فعليهم التقيّد بإرشادات وزارة الصحة للحدّ من انتشار هذا المرض، فمتى تقيّدنا بهذه الإرشادات تجنّبنا الوقوع في الأمراض ولا حرج على الإنسان المريض إذا لم يصلِّ في المسجد، لأن الله سبحانه وتعالى أدرى بعباده، كما أركّز على الدعاء الدائم، كان يردّده رسولنا الكريم: «اللهم اني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة، اللهم اني اسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي». وفي الختام (قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا) والله أرحم بعباده.





أخبار ذات صلة

في ظل «تلكؤ العديد من الفنادق».. ماذا طلب عبدالله من [...]
باسيل: قرار الحكومة جريء وضروري
ترامب يُغرد لهاري وميغان: «عليهما أن يدفعا»