بيروت - لبنان 2020/05/29 م الموافق 1441/10/06 هـ

الدعاة... والثقة المفقودة... مطلوب خطوات تفاعلية تثبّت الأعمال في المجتمع ولا تكتفي بالكلام..؟!

حجم الخط

هل فعلا فقدت الثقة بين عدد كبير من الدعاة وبين الناس وأهل المجتمع بصورة عامة..؟!
وهل بات الناس يرون الضعف وقلة العلم وغياب العمل والتعصب في كل داعية في بلادنا، بناء على تصورات نفسية اختلط فيها الحق بالباطل..؟!
أسئلة أعتقد - بل أجزم - أننا بحاجة إلى طرحها على أنفسنا خاصة بعد الحملات الشعواء التي تمارس ضد كل ما له علاقة بالدين من قبل بعض الناس، لا سيما الإعلاميين والكتاب والصحفيين والمدونين ورواد مواقع التواصل الاجتماعي...؟! 
أعلم تماما أن إرضاء الناس غاية لا تدرك، وأعلم أن بعضهم ممن تأبلست نفوسهم لن يرضى مهما فعل الدعاة، ولكن أعلم أيضا أن التقاعس المستمر والمتعمد عن العمل والسعي لن يثمر إلا صورة سلبية نحن بغنى عنها..؟!
فعصرنا الحالي لا مكان فيه ولا وزن ولا كلمة ولا قيمة لمن يتمركز في زوايا الظلام ويقتصر بعمله على لعن النور الذي استثمره شيطان هنا أو هناك لينشر فحيحه ويبث سمومه، بل الواجب علينا جميعا أن نخرج إلى حيث النور الساطع لنعرض بضاعتنا النقية والراقية بأسلوب حسن، فنحارب العمل الفاسد بالعمل الصالح، والفكر الباطل بالفكر الصحيح، والمفاهيم الإبليسية بالمفايهم القرآنية، والأساليب «الوسواسية» بالأساليب النورانية..
المبادرة لا الانتظار
ولذا نقول وبكل صراحة.. 
لم يعد من المقبول أن يكون عمل غالبية الدعاة في بلادنا هو الجلوس في الفراغ، انتظارا لمن يأتي من هنا أو هناك ليهاجم.. ثم نبدأ بعدها بالسعي للرد ولإظهار باطل ما يدعيه..؟!
لم يعد من المقبول.. أن يكون عطاؤنا لمجتمع متعطش لكل خير، هو فقط إصدار البيانات التكذيبية أو التوضيحية أو التصحيحة..؟!
نحن بحاجة إلى خطط وإلى أعمال دعوية وأخلاقية وأسرية وتربوية واجتماعية، تصب كلها في إطار التوعية الصحيحة التي تسعى ضمن أهدافها لتكوين مناعة ذاتية في نفوس الناس يميزون من خلالها الخير من الشر..
نحن بحاجة إلى لقاءات حوارية مع الشباب... وإلى اجتماعات تشاورية مع الأهل.. وإلى جلسات مصارحة مع المثقفين في بلادنا... وكذلك إلى ندوات توعوية مع طلاب وطالبات الجامعات والمدارس..
لا بد من المواجهة
فالداعية في عصرنا كما في كل العصور هو الذي لا يخشى مواجهة الباطل وكشف زيفه وتعريته أمام الناس حتى يكونوا على بصيرة من الأمر، ولا نقصد بالمواجهة الاعتداء أو التجني أو الافتراء وإنما إعطاء كل ذي حق حقه وتقدير الأشياء كما هي دون زيادة أو نقصان..
وهو كالمحارب الشجاع، لا بد أن يمتلك كل العدة المطلوبة للمواجهة قبل أن يدخل في ميادينها، وأبرز أسحلته الإيمان واليقين ثم العلم ثم التمكن من معرفة ثقافة الآخر حتى يكون على بينة من أمره.
وهو الذي يواجه كلّ الأفكار الباطلة والفاسدة منطلقا من كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام وإن كان الممارسون لهذا الباطل من أهله أو قومه أو بني جلدته، لأن ممارسة الأعداء لفنون الباطل والمنكر أمر طبيعي وبديهي، ولكن الصعوبة كل الصعوبة في مواجهة أفكار فاسدة ومعتقدات باطلة وسلوكيات مدمرة استقرت في المجتمع المسلم على أنها من إرث الأسلاف ومن موروثات الحضارة الإسلامية..؟!؟
ولذا رأينا في القرآن الكريم قول الله تعالى: {وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون}.
ولذا قرأنا قول الله تعالى: {وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون}.
إن المواجهة الحقيقية لا سيما في عصرنا الحالي هي تلك التي تكون بعد دراسة شاملة لأمراض المجتمع المسلم ثم التصدي لها ومحاولة تطهيرها ومعالجتها بالأدلة والبراهين الدامغة، وهذا لا يتأتى للداعية المبدع إلا إذا كان قادرا على المواجهة والمحاججة ومعرفة عقلية وفكر المواجه، ولعل من أبرز الأمثلة ما ورد في القرآن الكريم عن مواجهة سيدنا إبراهيم للنمرود في قوله {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}، فهذه الآية تظهر لنا كيف أن سيدنا إبراهيم لما حاج النمرود  بالحجة الأولى (ربي الذي يحيي ويميت) وجد فيه منطقا أعوجا وفكرا باطلا فانتقل إلى الحجة الثانية التي لا تحتمل تأويلا (يأتي بالشمس من المشرق) فأفحمه وجعله عاجزا عن الرد..!؟
وأول الشروط في المواجهة أن تكون خالصة لله وحده لا يداخلها رياء أو مفاخرة أو كبر أو انتصار للذات، فالدعوة إلى الله تعالى لا يمكن أن تؤتي ثمارها إذا ما اختلطت بمنفعة ذاتية أو مكسب شخصي.. {وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ}.
إن مشكلة كثير من الدعاة في أيامنا هذه أن اعتقدوا الدعوة إلى الله تعالى خمولا وكسلا واستقراراً في المساجد وبُعداً عن المواجهة والمناظرة، فركنوا إلى الظل حتى اختفت آثارهم وبرز نجم الآخرين الذي نشطوا في كل الميادين وسيطروا على الساحات واستولوا على العقول بأفكار فاسدة ولكنها تقدم بقالب يسير بسيط ومحبب؟!
إن الداعية لا بد أن يكون قادرا على المواجهة، لأن قدرته عليها دليل على تمكنه من العلم... ودليل على يقينه الإيماني... ودليل على استعداده لهذه المهمة... وهذا كله دليل على أنه يستحق أن يكون فعلا وقولا.... داعية إلى الله تعالى...
الكلام لا يكفي
إن مجرد الكلام أيها السادة بكل صوره لم يعد يكفي.. فنحن في ظروف وفي أحوال تتطلب العمل الهادف والجاد أولا وثانيا وثالثا حتى إن لم يترافق معه كلام..؟! 
وإن لم نسعَ ونبادر ونخطط ونجتهد.. في إظهار مراد كلامنا من خلال حسن أعمالنا، فسنسير إلى الوراء في شتى الميادين حتى نصبح في آخر القافلة..؟! 
إن إعادة الثقة بين الدعاة وبين الناس في كل الميادين مطلب أساسي وضروري وهام في أيامنا الحالية، وهي لن تكون في خطاب ولا في خطبة ولا في كلام.. بل في أعمال راقية تنعكس إصلاحا للأوضاع كلها فتثبت للناس جميعا أن الدعوة الإسلامية رسالة إنسانية.. إصلاحية.. أخلاقية راقية.. فتعالوا نعمل جميعا (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ)..

bahaasalam@yahoo.com




أخبار ذات صلة

جريدة اللواء 29-5-2020
محتجتان، خارج انعقاد الجلسة رفضاً لقانون العفو عن العملاء لإسرائيل (تصوير: جمال الشمعة)
الإنقسام يسقط العفو ويؤجج الخلافات ويحرّك الشارع!
اجتماع في مجلس الأمن بشان "هونغ كونغ" يوم غد