بيروت - لبنان 2020/05/29 م الموافق 1441/10/06 هـ

القرآن صالح لكل مكان وزمان شرط أن يحقق أهله حسن التفاعل مع هَدْيه

متى نتخلَّص من فلكلورية الفكر والأعمال ونبدأ بالعمل الجدي بديننا؟!

حجم الخط

مؤلم جدا أن نبقى في خضم كل هذه التحديات التي تعصف بأمتنا ومجتمعاتنا متمسكين بتلك النمطية المقيتة التي لا تقدم للبلاد ولا للعباد أي شيء سوى التراجع الفكري والاجتماعي والثقافي..
نمطية انعكست على كل مناحي الحياة من حولنا حتى أصبحنا أسيرين لها ولسلبياتها مهما كانت النتائج.. ومع مرور الأيام باتت هذه النمطية فلكلورا معتمدا في كافة أمورنا...
فكلماتنا فلكلورية..
وخطبنا فلكلورية..
واجتماعاتنا فلكلورية...
ومؤتمراتنا فلكلورية...
تفكيرنا وتفاعلنا مع يوميات الحياة فلكلوري...
حتى تفاعلنا مع كتاب الله تعالى وتعاملنا مع سنة النبي  صلى الله عليه وسلم  فلكلورية الطبع والفهم والتطبيق..؟!
فمتى سندرك أن الحياة اختلفت.. وأن العصر تبدل.. وأن المعطيات تطورت.. وأن المستحدثات من الأمور في كل المجالات تريد حلولا تتناسب مع حالها ومكانها وبيئتها وطبيعة وجودها وفق ثوابت القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة..؟!
دين العطاء
إنني حين أقرأ قول الله تعالى {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا} أدرك إدراكا يقينيا أن الإسلام دين لكل زمان ولكل مكان، وأي تقصير في إظهار هذه الحقيقة الناصعة إنما هي من صنع البشر الذين عجزوا عن عرض الدين بصورته الأصيلة التي تبني حضارة وتصنع مجتمعات ناجحة قادرة على القيادة...
فالقرآن كتاب معطاء يقدم لكل أهل عصر ما يحتاجون إليه بشرط أن يحسنوا التدبر والتفكير والتفاعل معه، ولا يصلح أبدا لقوم أن يستنسخوا تفاعل الآخرين ليلتزموا به كاملا، لأن كل عصر له خصائصه وله مميزاته وله صفاته التي ربما لا تتناسب مع عصر وزمان المستنسخين...؟! وبالتالي سيكون هذا العمل إساءة لصورة الدين في أذهان من يعايشه وستكون النتيجة الحتمية.. التنفير العام..؟!
القرآن الكريم يخاطب المسلمين جميعا فيقول لهم {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} في إشارة واضحة أن لكل قوم في زمانهم دورا لا بد أن يؤدوه، وهذا الدور عليه أن يكون ثابتا على الأصول الإسلامية وفي الوقت عينه متناسبا مع العصر والأحوال التي طرأت على المجتمع.
و«اعملوا» ليست كلمة وردت في آية مباركة لتتلى فحسب.. بل هي منهج حياة فكري واجتماعي واقتصادي وصناعي وعلمي وتربوي وأسري و... يضمن للمسلمين النجاح الدائم والتفوق المستمر، وأي ابتعاد عن حقيقة العمل بهذه الكلمة هو ابتعاد عن ساحة التواجد الحضاري للأمة في عالم اليوم..
ومن هنا وردت نصوص كثيرة تحذر من مفسدة التكاسل عن العمل الحقيقي لتتحدث عن هؤلاء البشر الذين منحهم المولى تعالى أدوات التفوق والعمل والتقدم فإذا بهم قد رفضوا استخدامها وعطلوا ملكاتها وأهدروا طاقاتها هباء فقال عز وجل: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ}..
نعم... فنحن اليوم نمتلك كل تلك الأدوات التي تصنع الحضارة... ولكننا أوقفنا العمل بها وأبينا حسن استخدامها ثم رددنا بلسان كذب لنعلل لأنفسنا ما نحن فيه... نقتبس من السابقين ما فعلوا ونفعل مثلهم... فعطلنا قلوبنا عن حسن التوكل، وأعيننا عن النظر في ملكوت الله والتفاعل معه، وآذاننا  عن سماع نداء الله بالعمل والفلاح والاجتهاد فجاءت النتائج كارثية زادت تراجعنا تراجعا...؟!
والأسوأ... أننا حولنا هذا «التعطيل الحضاري» إلى مقررات في مؤتمراتنا، وإلى توصيات في لقاءاتنا، وإلى نتائج مباحثات كثيرة تعقد هنا وهناك، ومهما تعددت أوصاف الاجتماعات .. فالتعطيل واحد...؟!
التفاعل مع الواقع
حين يفتح أحدنا كتب السنة النبوية يقرأ أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  لما أراد أن يبعث معاذا إلى اليمن، قال: «كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟» قال: أقضي بكتاب الله، قال: «فإن لم تجد في كتاب الله..؟» قال: فبسنة رسول الله  صلى الله عليه وسلم ، قال: «فإن لم تجد في سنة رسول الله  صلى الله عليه وسلم ؟» قال: أجتهد رأيي ولا آلو... فضرب رسول الله  صلى الله عليه وسلم  صدره وقال: «الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله».
هذا النص.. يصرخ في وجوهنا جميعا أن اعملوا مع واقعكم، واختلطوا مع ناسكم، ناقشوا همومهم وقضاياهم وقدموا لهم العلاجات التي تقضي على المشاكل قضاء جذريا..
نص.. يطالب كل مسلم مهما كانت مسؤوليته أن يقوم بدوره التنموي في سبيل رفعة الأمة وأهلها، وفي سبيل مساعدة الناس ليكونوا قادرين على تحقيق الصلة الحقيقية مع ديننا العظيم..
كما إنه حديث نبوي يهز وجدان وفكر كل عاقل ليعلن بأن هذا الدين إنما هو دين الحق الذي جعله المولى تعالى عملا لا قولا ناصرا للمظلومين ومساعدا للمحتاجين ومعلما للجاهلين ورحيما بالمستضعفين ومنظما لحياة العالمين حتى يشعر الجميع بعظمته.
إن أي أمر نعانيه أو سنعانيه في مجتمعنا قدم الإسلام لنا حلا واقعيا وناجحا له...
في الزواج.. حث على مساعدة الشباب عليه وتيسير مستلزماته.. 
في العمل.. دعانا لحسن دراسة الواقع واستحداث المشاريع التي تضم طاقات الشباب حتى لا يكونوا عاطلين..
في الفقر.. جعل الزكاة والصدقات والهبات والوقف سبيلا للحل..
في الظلم..أمر بالعدل والمساواة في الحقوق والواجبات بين كل البشر..
في العلم..اعتبر طلبه فريضة وذم من يعطل الوصول إليها أو ينشر الجهل..
في الأخلاق.. جعل لكل عبادة بعدا أخلاقيا واجب على كل مسلم الالتزام به..
في إصلاح الفكر.. دعا لفتح قنوات الحوار مع كل الناس حتى ينتصر صحيح الفكر ويندثر الفساد الفكري.. 
فأين كل ما سبق ... من تلك الأفعال والقرارات والكلمات والمؤتمرات الفلكورية التي يدور روادها في بلادنا العربية والإسلامية «كابن بطوطة» من عاصمة إلى أخرى ولا نرى لها أي أثر عملاني ولا فعلي ولا تغييري ولا إصلاحي على أرض الواقع..؟!
إننا نطالب وبأعلى صوت... بالبدء الفوري بعملية تنقية لمنظومة «الفكر والعمل» لتكون كما أرادها الله تعالى في خدمة الناس ووفق أصول الدين الحنيف، فنحن نحتاج إلى إصلاح تلك المنطومة من الأخطاء المتراكمة التي بدأت فصول تشويهها منذ زمن بعيد وللأسف لا زالت مستمرة، مما تسبب بجهلنا وبعدنا وتعطيلنا لكل قيم عمارة الأرض فكريا وثقافيا وعلميا وحضاريا.
إن الإسلام أشمل وأعم وأوسع وأعدل بتعاليمه السامية من تلك الأفهام الغليظة التي أدمنت التطبيقات المشوّهة والمغلوطة... فهو يريد من الجميع ودون استثناء أن يعملوا وأن يفكروا وأن يساهموا كجماعة وكأفراد في عملية تطور البشرية بشكل عام، وهذا العمل يتطلب علما صحيحا وبيئة سليمة وعائلات سعيدة مستقرة ودعوة واعية وخطبا مؤثرة وإحسانا فعالا ومتابعة دقيقة ومراقبة حاسمة وانفتاحا علميا وفقهيا يرعى «نعمة» الاختلاف في الفهم وصولا إلى «فضيلة» الاجتهاد المشرق والبناء الذي يجعل عيشنا وعبادتنا على بينة من الأمر لا على جهل مع سبق الاصرار والترصد...!؟
أيها السادة الأفاضل... إن الإسلام أمانة في أعناقنا تطالبنا بالتجديد والاجتهاد وترك فلكورية الفكر والعمل كخطوة أولى تخرج بنا من هذا النفق المظلم الذي أدخلنا أنفسنا فيه، وتدحض تلك الادعاءات الزائفة بالتعصب والتخلف والرجعية التي تلقى في وجه كل ما له علاقة بالإسلام... فبالله عليكم هل هكذا يكون تحمل الأمانات...؟!


bahaasalam@yahoo.com




أخبار ذات صلة

انفلاش التوترات الطائفية والهبوط الهادئ للانهيار المالي - الاقتصادي
ترامب محاطا بمستشاريه في المكتب البيضاوي قبيل التوقيع على القرار التنفيذي (أ ف ب)
ترامب يشن «حرباً استباقية» على مواقع التواصل الاجتماعي
ترامب ينفذ تهديده.. ويطوق "منصّات التواصل الكُبرى"