بيروت - لبنان 2019/10/16 م الموافق 1441/02/16 هـ

بعد شيوع التناقض عند الكثيرين بين القول والعمل

الدعاة يطالبون بتنقية الأفهام حتى لا نشوّه الصور وننفّر النّاس

حجم الخط

من يقرأ كتاب الله قراءة واعية متدبّرة، يُدرك أن الله عزّ وجلّ، إنما أنزل هذا الدين العظيم ليكون حضارة للبشرية كلها حتى قيام الساعة.

وهذه الحضارة كي تقوم لا بدّ أن يسعى المسلمون ليحققوا التصالح الحياتي مع أنفسهم ومجتمعهم وإلا كانوا مخالفين لما أمر الله عزّ وجلّ.

والتصالح «الإيماني» لا يكون بالكلام وإنما عماد التصالح هو أن نعقل قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ}، فالتناقض بين القول والعمل إذا ما حلّ بمجتمع دمّره تدميراً والمجتمع الإسلامي اليوم بكل أسف يُعاني من رذيلة التناقض بين القول والعمل..

بين المفهوم والتطبيق...

بين المطلوب والممارس...

 وذلك لم يقف السوء عند حدّ المخالفة وإنما تجاوزه ليعمّم صورة سلبية عن المؤمنين وعن المجتمع بأسره، مما نفر البعض وخوّف البعض الآخر دون أن يكون هناك عمل إيجابي واضح يسعى للإصلاح وتصويب المسار حتى نكون في أعمالنا وأقوالنا كما أمر الله تعالى.

كيف ننقّي الفهم الخاطئ لتعاليم الدين؟ وكيف يكون المؤمن ملتزما بالمفهوم لا بما يريد أن يفهمه؟..


الشيخ د. حداد

بداية قال الشيخ د. أسامة حداد، المفتش العام للأوقاف الإسلامية: يتميّز ديننا الحنيف بأن الإيمان مقرون بالعمل، وهذا ما صرّح به الإمام الحسن البصري عندما قال «الإيمان ما وقّر في القلب وصدّقه العمل».

الشيخ د. أسامة حداد



وإن ما نشهده في زماننا من شرخ بين المسمّى بالمؤمن ولا يطبق أحكام دينه ولا يلتزم بمنهج الإسلام في معاملاته وكلامه وسلوكه فهذه الشريحة هي التي تحتاج إلى إصلاح وليس المفاهيم الإسلامية، هي أمر نفتخر به ولكننا نجعل من سلوك بعض من يظهرون بمظاهر التديّن وكلامهم شيء ومعاملاتهم مشينة، فمثلاً الذي يصلي وبعد صلاته يشتم زوجته، ماذا نهج هذا الإنسان من دينه؟! ومثل آخر المظهر الديني والمضمون يخالف بكذبه وأخلاقه وسلوكياته فهذا هو المنافق الذي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عنه في حديثه الشريف «أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً وزعم انه مسلم، إذا حدّث كذّب وإذا وعد خلف وإذا أؤتمن خان وإذا خاصم فجر».

وقال: لن يستفيد المجتمع من لحيتك، بل سيستفيد من أخلاقك، لن يستفيد المجتمع من مظهركِ وإنما يستفيد من حيائكِ، نحن لا نقلّل من شأن اللحى ولا الحجاب وإنما ننتقد الذين يسيئون إلى هذه الشعائر الدينية بسلوكهم السيئ.

وأضاف: اننا بأمسّ الحاجة لتجنيد كافة الوسائل الإعلامية والتواصلية والتربوية لتوضيح معنى المفاهيم الإسلامية وحسن سير تطبيقها وان دور العلماء لا يقلّ أهمية من نشر هذه المفاهيم، وأن يخاطب النّاس بما ينهض بحالهم لا أن يكتفوا بذكر أحداث تاريخية قد لا تتكرّر أو يتحدثون عن فضل عمل لا يساهم في نهضة المجتمع.

واختتم قائلاً: المطلوب من الجميع العمل بروحية هذا الدين العظيم الذي أسّس حضارة استمرّت ونرى مظاهرها في البلاد التي عرفت قيمة الإسلام.


مزوق

أما الشيخ وسيم مزوق رئيس دائرة الفتاوى في دار الفتوى، قال: يقول ربنا سبحانه وتعالى {وقل ربي زدني علماً} ويقول حبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم «طلب العلم فريضة على كل مسلم» قال العلماء أي والمسلمة، فيجب شرعاً على المسلمين والمسلمات أن يتعلّموا أمور دينهم ليتفقّهوا كيفية الصلاة وسائر العبادات.


الشيخ وسيم مزوق



ونلقي اليوم الضوء على قضية مهمة وخطيرة، ألا وهي كيفية تطبيق على أرض الواقع بتعاليم الإسلام فالبعض ربما يفهم المفاهيم الدينية بشكل خاطئ حيث يقرأ الآيات القرآنية ويفسّرها ويفهمها كما يريد دون الرجوع إلى العلماء الربانيين الذين أمرنا الله عزّ وجلّ بسؤالهم حيث قال {فسألوا أهل الذكر أن كنتم لا تعلمون} وهذا الأمر من الله لنعبده ولنطبّق دينه كما أمرنا سبحانه وتعالى لا كما نريد نحن، فكما إذا مرض العبد يلتجأ إلى الطبيب المختص ليعطيه العلاج المناسب، وهنا نرى المريض يستسلم بأوامر الطبيب حيث لا يجادله ولو كان الدواء مرّ لأنه يعلم أنه يجيد مهنته وسيكون سبباً لشفائه، فكيف بنا بالأمور الدينية والشرعية حيث يقوم البعض بتشويه صورة الإسلام بسبب عدم تطبيقهم شرع الله والمفاهيم الدينية بشكل صحيح، مثالاً على ذلك عندما يأتي أحد الأزواج ويقول: أنا رجل وقد قال ربنا «الرجال قوّامون على النساء»، فيظن أن مفهوم القوامة هو الديكتاتورية فيريد أن يتحكّم بزوجته كما يريد، ويقول أنا أنفق عليها قد أتيت لها بالطعام والشراب والسكن، فيجب عليها أن تكون كالخادمة لي ولأولادي، فالقوامة لي. فهذا الإنسان هو ذكر وليس برجل لأنه لم يفقه مفهوم القوامة ولم يتعلّم من العلماء معنى القوامة حيث قالوا القوامة هي تحمّل المسؤولية في إدارة المنزل والأسرة والقيام بالرعاية المطلوبة منه لزوجته وأولاده حيث قال صلى الله عليه وسلم «كلنا راع وكلم مسؤول عن رعيته»، فالقوامة ليس بمعناها فقط أن يؤمّن الزوج الطعام والشراب والسكن، لكن القوامة معناها أيضاً أن تحسن رعاية ومعاملة زوجتك بالكلمة الطيبة، وبالإبتسامة والمعاملة الحسنة، ولكي لا يقع المسلم في الأخطاء عليه أن يتعلّم وأن يسأل وأن يتفقّه أمور دينه قبل أن يقع في هذه الأخطاء، وندعو الله أن يفقّهنا في الدين وأن يرزقنا التطبيق الفعلي والعملي وليس فقط القول، قال ربنا سبحانه وتعالى «لما تقولون ما لا تفعلون»، فالمشكلة اليوم إما بالجهل الكلي للمفاهيم الدينية أو يوجد جهل جزئي حيث يعلم بعض الأمور ويغفل عن البعض الآخر، أما المشكلة في التطبيق فربما يعلم الحكم الشرعي ويعلم حقيقة المفاهيم الدينية، ولكنه يفتقر إلى التطبيق وإلى الأسلوب وإلى الحكمة.

فبعض الأزواج يعلم الواجب الشرعي تجاه زوجته بالنسبة للإحسان والمعاملة الحسنة ويعلم حديث الرسول صلى الله عليه وسلم «استوصوا بالنساء خيراً» ولكنه يفتقد الأسلوب والحكمة، وعلاج ذلك أن يلجأ إلى العلماء ليتعلّم وإلى أهل الاختصاص في السلوك الإنساني، لأن العلوم اليوم أصبحت موجودة، وكل ذلك أيضاً موجود في ديننا علّمنا إيّاه الحبيب صلى الله عليه وسلم وأصبحت الاختصاصات في الجامعات العصرية أو المعاصرة تدرّس هذه الأمور فلا نستحي أن نلجأ ربما لطبيب مختص في أمور نفسية لأن البعض قد يمتنع عن المودّة والرحمة والاحسان لزوجته بسبب عوائق نفسية عنده في التعامل مع الزوجة، فيحتاج إلى من يرشده ويعلّمه كيفية تذليل هذه العقبات، فالزوجة تحتاج إلى كلمة «أحبك» و«اشتقت إليك» كي تشعر بوجودها التي هي حياة قائمة على الشراكة.

وكذلك نوجه الكلام للزوجات بأن يحسنّ معاملة أزواجهن، لأن من المفاهيم الخاطئة أن بعض النّاس يظنون ان الحياة الزوجية هي فقط عبارة عن طعام وشراب وأولاد وينسون جانب الروح وجانب العاطفة والمشاعر والأحاسيس، وقد قال عليه الصلاة والسلام في حق السيدة خديجة رضي الله عنها «أني قد رزقت حبها» ليعلّمنا عليه الصلاة والسلام كيف نكون أوفياء في أمورنا الأسرية والحياتية.

واختتم قائلاً: أدعو النّاس إلى التطبيق الحقيقي للمفاهيم الدينية والإسلامية، فننال سعادة الدارين، والحذر الحذر من الإعلام الذي يشوّه صورة الإسلام حيث يُركّز ويظهر ويلقي الضوء على منظمات تدّعي الإسلام وهي لا تمّت إلى الإسلام بصلة، وندعو حكام الغرب إلى العدل في كلام عن الإسلام لأنهم يتجنّون على الإسلام عندما يقولون سنواجه الإسلام الإرهابي، فلا يوجد إسلام إرهابي وغير إرهابي، الإسلام واحد جاء بالعدل وبالحق وبالمحبة والرحمة، ولكن كما يوجد من يشوّه صورة المعتقدات الأخرى يوجد من يدّعي الإسلام ويشوّه صورته.


أخبار ذات صلة

الحسن تشكر الدول التي ساهمت باطفاء الحرائق
جنبلاط ينصح باستخدام "الماعز" لتنظيف الأحراج
حسين فريدون شقيق الرئيس الإيراني (AFP)
شقيق روحاني إلى سجن شهير بعد إدانته بقضية فساد