بيروت - لبنان 2020/06/06 م الموافق 1441/10/14 هـ

تأهيل الكليات الشرعية نواة لتجديد الفكر الديني في بلادنا

بعد تراجع عام أصاب مختلف مجالات الحياة

حجم الخط

ربما هي المرة الألف التي نكتب فيها عن ضرورة تجديد الفكر الديني في بلادنا وفي مجتمعنا، ومع ذلك سنبقى نكتب ونطالب به حتى نرى تغييرا إيجابيا يعيد الأمور إلى نصابها.
فنحن اليوم وبكل أسف أصبحنا أناسا لا نتقن إلا التقليد ولا شيء سوى التقليد..
التقليد في الفكر...
التقليد في الكلام...
التقليد في الخطابة...
التقليد في معالجة المشاكل...
حتى أصبحت عبادتنا عبادة المقلدين الجاهلين ... لا عبادة المتدبرين العالمين..؟!
ومن هنا نرفع الصوت مجددا اليوم لنطالب بالبدء بمسيرة تجديد الفكر الديني حتى لا تترسخ في أذهان الناس وخاصة جيل الشباب المسلم تلك المقولة الفاسدة التي يسعى البعض لترويجها من «أن الإسلام دين لا يصلح لزماننا»..؟!
الخطوة الأولى
وأول ما نطالب به للسير في تلك الفريضة الفكرية والثقافية والدعوية هو البحث الجدي ثم تقييم كل ما تقدمه كليات الشريعة للطلاب وللمجتمع على امتداد الأراضي اللبنانية..
بل والسؤال عن الأشخاص الذي يتخرجون منها ، فما هي دوافع التحاقهم بهذه الكليات...؟!
وما هي الكتب والمقررات التي يدرسونها..؟!
وما الذي يقدمونه لأمتهم ولأفراد مجتمعهم في هذا الزمن العصيب...؟!
وما أدوارهم الفعلية بعد التخرج..؟!
أسئلة كثيرة لا بد أن تطرح في هذا المجال، خاصة أننا نعاني أشد المعاناة من سيطرة الجهل على كثير من الأمور الأساسية في حياتنا ومع ذلك كله لا نجد من يقول للحق حقا إلا فيما ندر...؟!
فهذه الكليات ومن خلال أثر خريجيها نلاحظ أنها تعاني من تخبط كبير ومن خلل واضح، فلا المناهج باتت تلبي متطلبات العصر، ولا طرائق التدريس تناسب الظروف والبيئات، ولا المواد المعتمدة تتماشى وأحوال المسلمين، ولا حتى الكثير من المدرسين يؤدون أدوارهم على الوجه الذي يجب...!؟
ومن هنا أصبحنا نشاهد خريجي هذه الكليات ينعزلون شيئا فشيئا عن معالجة الأمور الحياتية والأساسية، حتى استغل المخالفون لقيم الحق والفضائل هذا الانعزال فبسطوا أجنحتهم ومدّوا ظلالهم على مختلف النواحي والأمور الحياتية فكانت النتيجة أن ظهروا بمظهر المسؤول عن حل كافة المشاكل.... لاقوة وعلما منهم ولكن ضعفا وجهلا ممن عليهم أداء مسؤولياتهم...؟!
ثم .. ترتب على هذا الأمر أن نشأ جيل جديد ممن تخرج من تلك الكليات لا يفقه من العلم إلا أبوابه العامة، ولا يتقن من العمل به إلا تفسيق الآخر أو تكفيره، ولا يحسن من تطبيقات العلم النافع سوى الأحاديث والخطب التي تفرق الأمة وتشتت الجهود وتعود على المجتمع بما ليس فيه المصلحة...؟! فكان الأمر في نهايته أن هجر الصالحون مهمة التدريس فيها وترك الطامحون الدراسة فيها واستوطن المغرضون قاعاتها وساحاتها وتخرج منها (المتفيقهون) الذين نرى معظمهم اليوم يتحدثون فلا يخرج منهم سوى ما يزيد الأمة فرقة وبعدا وتنفيرا...؟!
مما يدفعنا للقول أن الاستمرار في المستوى الفقهي والعلمي والفكري والثقافي لكثير من خريجي كليات الشريعة والدراسات الإسلامية في لبنان يدفعنا وبقوة إلى البدء الفوري بالمعالجة حتى لا نصل إلى مرحلة سوداوية بحق المسلمين في لبنان وبحق العلماء السابقين لنا وبحق الأبناء... وهذا الأمر لن يكون إلا إذا توفرت في نفوسنا جميعا النية الصالحة بهدف رفع مستوى وأسلوب التعليم في الكليات الشرعية فوضعت الشروط لتحسين المستقبل وحدّثت المناهج وأحسن أختيار المشرفين والمدراء والعمداء والطلاب، وأول المطلوب أن نعترف بالخطأ!؟..
فالغالبية العظمى ممّن انتظم في الدراسة داخل هذه الكليات - وبكل أسف نقولها- تخرج من صفوفها ليسلك طريقا من طريقين، إما أن يعمل في مجال الدعوة إلى الله تعالى، وإما أنه اكتفى بالتعلم لذاته ولأسرته وسعى للعمل في أي مجال من مجالات الحياة، وفي كلتا الحالتين تساوت النتائج بالنسبة للمسلمين في هذا البلد، والسبب أن جمعاً كبيراً من هؤلاء الخريجين الذين انخرطوا في ميدان الدعوة قد تشربّوا أساليب التقليدية والجمود أثناء الدراسة فخرجوا إلى المجتمع بعد ذلك ليشكلوا فرقا كبيرا من حيث الكمّ.... لا من حيث النوعية..؟!
فلقد رأينا ولسنوات عديدة ومتتالية زيادة واضحة في أعداد الدعاة ولكن لم نرَ أثر هذا الكمّ فكريا أو ثقافيا أو اجتماعيا أو تربويا أو علميا أو دعويا في المجتمع، مما يطرح تساؤلات كثيرة حول المناهج والأهداف التي تسعى تلك الكليات إلى تحقيقها على أيدي خريجيها...؟!، ولذا نقول أننا أمام مشكلة واضحة في مسيرة هذه الكليات.
غربلة المنتسبين؟!
والخطوة الإصلاحية الضرورية التي تُطالب بها هذه الكليات في سبيل البداية الفعلية  في تجديد الفكر الديني في المجتمع هي أن يستوفي المتقدم إلى هذه الكلية شروطا واضحة وسليمة تضمن للمجتمع في المستقبل داعية متفوقا وبارعا واسع الثقافة، متقدّ الذكاء، ألمعي الفكر، قادرا على المراقبة والتحليل، سليم النظرة في تشخيص أمراض المجتمع وتقديم العلاج إليها، وليس أن تكون فصولها ومبانيها كما يتردد على ألسنة الكثير من الناس في عصرنا مستقرا لكل من فشل في الالتحاق بالكليات الأخرى .. فلم يجد أمامه سوى هذه الكلية فانتسب..؟!
وطبعا ... لا نقصد بالذكاء والألمعية أن يكون عبقريا، ولكن أن لا يكون مصابا (بقصور فكري) لا تنضبط معه الحقائق، فقد يرى العادة عبادة والنافلة فريضة والشكل موضوعا ومن ثَمَّ يضطرب علاجه للأمور، وتصاب الدعوة على يديه بهزائم شديدة، كما نقصد بنقاء القلب قلبا محبا للناس، عطوفا عليهم لا يفرح في زلتهم، ولا يشمت في عقوبتهم؛ بل يحزن لخطئهم ويتمنى لهم الصواب.
وكذلك أن يكون الراغب في الانتساب إلى هذه الكلية ممّن يعلمون صدقا ويقينا أن طريق الدعوة إلى الله مفروش بالأشواك ومليئ بالتعب، وعليه أن يتسلح بالصبر فهذا الطريق كما قال ابن القيم: «طريق تعب فيه آدم، وناح لأجله نوح، ورُمِيَ في النار الخليل، وأضجع للذبح إسماعيل، وبيعَ يوسف بثمن بخس ولبث في السجن بضع سنين، ونُشِرَ بالمنشار زكريا، وذبِحَ السيد الحصور يحيى، وقاسى الضرّ أيوب، وزاد على المقدار بكاء داوود، وسار مع الوحش عيسى، وعالج الفقر وأنواع الأذى محمد...»، فإذا ما التزمت الكليات بهذه الشروط وغيرها الكثير، فهي بهذه الخوة تقوم بعملية غربلة للمتقدمين إليها لتختار الأفضل والأنسب والأصلح والأنجح والأقوم ومن ثمَّ فهي تضمن أن من سيتحدث باسمها أو من سيمثلها مستقبلا هو داعية بكل ما للكلمة من معنى ومن دلالات، كما ستمنع عن نفسها انتساب أي من هؤلاء المنتفعين الذين يتاجرون بعلمهم وبمواقفهم حسبما تتطلب الأسواق..؟!.
توسع التخصصات
من ناحية أخرى، فإن هذه الكليات مطالبة أيضا أن تؤمن للمسلمين في المجتمع خريجين من كافة التخصصات التي يحتاجون إليها، ولو لم تكن تلك التخصصات ضمن نطاق كليتها، فهي مثلا مطالبة بين الحين والآخر أن تساعد من بين شباب المسلمين من يدرس الطب ليلتحق بها مستقبلا كطبيب مسلم معتمد في دوائرها، وكذلك مهندس مسلم وصيدلي مسلم ومحام مسلم وإعلامي مسلم وغيرهم...، لأن كل هذا يقع في نطاق مسؤولياتها التربوية والتعليمية وينعكس إيجابا على المجتمع وعلى المصلحة العليا للمسلمين.
إن الكليات الشرعية في لبنان مطالبة وبشدة أن تعمل بكل جهد لرفع المستوى العلمي عند من ينتسبون إليها ويتحدثون باسمها أو يمثلونها أولا، وعند المسلمين عامة ثانيا، فهؤلاء هم الذين ستسأل عنهم يوم القيامة والنبي صلى الله عليه وسلم يقول «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ... الحديث.
وأيضا نجد أنه بات من الضروري على المعاهد والكليات الشرعية أن تتحرك بسرعة وبحزم لتغيير الوضع القائم المرتبط بالإعلام، فتسارع إلى تخصيص ساعات ضمن المناهج الدراسية لتدريس طلابها كيفية الظـهور على الإعلام، وأن تعلمهم كيفية الابداع في تلك الوسائل، وكيفية التعامل والتفاعل معها، وعلى كل الكليات الشرعية في لبنان أن تبادر إلى الالتفات إلى هذا الأمر وتقوم بإعداد ثلة من دعاتها ورجالاتها حتى يتمكنوا من الظهور الإعلامي بصورة مشرفة وراقية وعلمية ومتحضرة، تثبت للمشاهدين في كل مكان أن الدين الإسلامي الحنيف حاضر في كل المناسبات ومطلع على جميع المواضيع ومتابع لكل الأحداث ومواكب لكل المستجدات.
تجديد لا تبديد
إذن.. ومن باب الحفاظ على فاعلية أدوارها في المجتمع، وسعيا في البدء في تجديد الفكر الديني في لبنان وتنقيته من الشوائب التي ألحقت به، نطالب الكليات الشرعية في مختلف الأراضي اللبنانية أن تبادر فورا إلى اتخاذ هذه الخطوة.
ولا يعتقد أحد أننا نعني بالتجديد ما نراه من تبديد أو تحريف من قبل البعض، بل تجديد الفكر هو تجديد الإيمان به وتجديد الفهم له والتفقه فيه وتجديد الالتزام والعمل بأحكامه وتجديد الدعوة إليه،  وكل ذلك لا يتأتى إلا من داخله وبأدواته الشرعية وعن طريق أهله وعلمائه ، وإلا فإن تخلينا عن أدوارنا وتركنا أماكننا جاء من أراد احتلالها والإغارة عليها وقام بالافتيات على أهل الدين وأدخل إليه عناصر غريبة عنه وفرضها علينا عنوة...؟! 


bahaasalam@yahoo.com




أخبار ذات صلة

قطع اوتوستراد الناعمة بالاتجاهين
وزير الطاقة الإماراتي: اتفاق أوبك+ على تمديد خفض الإنتاج لشهر
"رويترز": عدد المصابين بـ"كورونا" يتجاوز 7 ملايين والوفيات تقترب من [...]