بيروت - لبنان 2019/12/08 م الموافق 1441/04/10 هـ

تفلّت الأسواق ليس من الإسلام

حجم الخط

د. يوسف إبراهيم*


العبادة الحقّة تنعكس على جميع معاملات المسلم، والقرآن الكريم الذي أنعم الله به على المسلمين وهو دستور حياتهم الحقيقي قد أوضح لنا ذلك في أكثر من موضع، وإذا كان الإسلام عقيدة وعبادات وأخلاق ومعاملات.. فالمعاملات تمثّل جماع الإسلام كله، فالعقيدة الصحيحة تفرض على المسلم التعامل العادل بعيداً عن كل صور الظلم التي تشهدها أسواقنا، والأخلاق تظهر عند ممارسة التعامل مع الناس، وأخلاق الإسلام هي الضابط الحقيقي لكل المعاملات المالية، كذلك فإن العبادات إن لم يظهر أثرها على المعاملات فلا فائدة منها، فعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: «من لم تأمره صلاته بالمعروف وتنهه عن المنكر لم يزد من الله إلا بُعداً»، ويقول الله تعالى: {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر}، كذلك نرى العقيدة الصحيحة تنعكس على المعاملات بين الناس، ورسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه يقول: «ما آمن بي من بات شبعاناً وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم» أي أن المعاملات تمثل خلاصة الإسلام حيث جاء ديننا العظيم لإصلاح الدنيا وسياستها في كل جنباتها.

ومن ثم فإن المعاملات وممارستها على هدي الإسلام تمثل صحة العقيدة وقبول العبادة، وعظمة الأخلاق.. فعلى المسلم أن يعيش صانعاً كان أم تاجراً أم مستهلكاً في حالة إيمانية تدفعه إلى ضبط سلوكه الاقتصادي وربطه بسلوكه الإيماني لمواجهة كل صور التجاوزات التي تعاني منها مجتمعاتنا العربية والإسلامية.

ولا شك أن عالمنا العربي والإسلامي يشهد إهداراً متزايداً لحقوق المستهلكين حيث تعاني أسواقنا من تجاوزات ومخالفات كثيرة ومتنوّعة يدفع المستهلك وحده ثمنها، وتضيع معظم الجهود المبذولة على أيدى المحتكرين والمستغلّين والغشاشين وتجار الأغذية والمنتجات الفاسدة كما يلحق المستهلك المسلم بنفسه أضراراً بالغة بإسرافه وتجاوزاته الاستهلاكية وعدم وعيه بأن السفه الاستهلاكي يؤدّي إلى جشع التجار وغش الصنّاع أو المنتجين، فكلما كان السوق في حاجة إلى المزيد من السلع والمنتجات الغذائية بسبب زيادة الاستهلاك، كلما أعطينا الفرصة للصانع أو المنتج لكي يغش ويتلاعب في المواصفات، وأعطينا الفرصة – أيضاً – للتاجر لكي يستغل ويحتكر ويتحكم في الأسعار وفق هواه.

إن غياب البُعد الأخلاقي عن أسواقنا أدّى إلى ظهور العديد من الممارسات الضارّة بالاقتصاد مثل: الغش والتدليس والاحتكار وسوء الإنتاج والخداع والتضليل، وغير ذلك من المشكلات والأزمات التي جعلت السوق ساحة حرب لا مكان ارتزاق، وهذا ما جعل الاقتصاديين ينادون بنشر القيم الأخلاقية بين عناصر السوق (الصانع – التاجر – والمستهلك) لضمان استقرار الأسواق، ووقف كل التجاوزات التي تشهدها والتي تتضاعف في أوقات الأزمات..

إن الإسلام لا يعرف حرية السوق المنفلتة من القيم والضوابط، ولذلك ينبغي أن تراقب الدولة الأسواق وأن تتخذ من الإجراءات ما يكفل مكافأة المجيدين الذين يلتزمون بالقيم والأخلاق في إنتاجهم، ومعاقبة المنفلتين الذين يدمنون الغش والتزوير والإضرار بالمستهلكين.

 * أستاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر


أخبار ذات صلة

"أسوشيتد برس": لافروف سيزور واشنطن الثلثاء المقبل للمرة الاولى منذ [...]
العربية: إطلاق 3 صواريخ من غزة باتجاه مستوطنات إسرائيلية
ارتفاع حصيلة قتلى هجوم الجمعة في بغداد إلى 24 بينهم [...]