بيروت - لبنان 2019/11/19 م الموافق 1441/03/21 هـ

توضيح حول مقال «أوقفوا بناء المساجد»

خدمة المسلم في إنسانيته وحاجاته الضرورية أساس لتفاعله مع المسجد

حجم الخط

كتبت في الأسبوع الفائت مقالاً في هذه الزاوية تحت عنوان «نعم أوقفوا بناء المساجد»، وقلت فيه: «من المؤلم جدا أن تكون ملايين الدولارات في لبنان تنفق على بناء المساجد في الوقت الذي فيه نرى المواطن - الذي من المفترض أن يكون أحد روّاد هذه المساجد – نراه فقيرا.. مذلولا... مريضا.. محتاجا.. يعاني من أزمات معيشية متلاحقة وعديدة، ولا أحد من المسؤولين يريد أن يبحث عن حل لها»...

وكما توقعت، انهالت عليّ التهم بعد نشر المقال، بل إن البعض تجاوز مرحلة التهم وطالب بعزلي عن كل عمل دعوي من خطابة وغيرها تحت ستار أني «أشكّل خطرا على الفكر الديني وأروّج لأفكار علمانية تسعى لمحاربة الدين ومنع شعائره»..؟!

ولذا اسمحوا لي اليوم أن أكتب لكم هذا التوضيح، لا لأتراجع عما قلته.. ولكن لأشرح لبعض المشككين الذي طلبوا مني - وبنوع من التهكّم - شرح كيفية تنفيذ الفكرة التي ناديت بها... 

خطط مطلوبة

أولا.. أنا لم أطالب – وبألف تأكيد لن أطالب - بالتوقف عن بناء المساجد بشكل دائم...!؟ وإنما طالبت «بالترشيد» في ميادين النفقات والهبات والتبرعات بحسب فقه الأولويات، حتى لا يطغى جانب على جانب، فتكون النتيجة خسارة الجانبين..؟!

ثانيا.. لهؤلاء الذين سخروا من كلامي بعدما شككوا في النوايا، ثم طالبوا - وكما قلت بتهكّم - أن أشرح كيفية تنفيذ ما قلته، أقول وبكل بساطة...

إن المجتمع بمسؤوليه جميعا - مهما كانت درجة المسؤولية عند كل واحد منهم - مطالب بعقد اجتماع موسّع يدرس فيه أحوال المجتمع ويحدّد الأولويات التي علينا أن نسير لتنفيذها وتيسيرها، سواء كانت مدارس إسلامية متطوّرة شبه مجانية.. أو مستشفى راقٍ لعلاج أبناء المسلمين بأسعار مدروسة.. أو مساكن للشباب أو مصانع أو غيرها.. ثم يصدر القرار واضحا وصريحا يتمُّ فيه الإعلان عن البدء بتنفيذ خطة «مالية – استثمارية» خمسية، وخلالها يكون التوقف عن بناء أي مساجد جديدة ثم تحويل كل تبرّع أو هبة أو مساعدة لتمويل هذا المشروع المتفق عليه، وعند الانتهاء من تنفيذ الخطة، تدرس الأوضاع مرة ثانية ليصار إلى الاتفاق على تنفيذ مشروع آخر جديد تحتاجه البلاد والعباد.. والذي ربما يكون مسجدا...؟!

الترشيد ضرورة

إن الدعوة السابقة ليست أبدا من باب التضييق على أعمال الخير كما اتهمني البعض، وإنما خطوة في سبيل العمل على حسن ترشيد الإنفاق الذي أمرنا به ديننا العظيم، وهو ليس رفاهية أو من الكماليات، بل من الواجبات الأصيلة التي تحقق الأهداف المطلوبة لنهضة المجتمع بشرا وحجرا، كما أنه باب رئيس وأساس للوصول إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي..

فنحن حين نطالب بإلتزام الأولويات، إنما نطالب حقيقة بالعمل الجاد والصائب لتحقيق تقدّم ورقيّ الإنسان المسلم بداية، حتى يكون قادرا بعد ذلك على التفاعل المثمر مع نتائج وجود المسجد من حوله في كل ميادين حياته.

فالمسلم اليوم الذي يدخل إلى المسجد، يحتاج إلى الأمن الغذائي في حياته حتى لا يكون صوت معدته في المسجد أعلى من صوت الخطيب..؟!

يحتاج إلى وظيفة تشعره بإنسانيته، حتى لا يتحوّل دخوله إلى المسجد فقط .. ملئا لوقت فراغه..؟!

المسلم في بلادنا يحتاج إلى تأمين متطلبات التعليم لأبنائه، كي لا يكون دخوله إلى المساجد بهدف طلب المساعدة من المصلين في هذا الأمر..؟!

يحتاج إلى الحصول على العلاج «بكرامة» وإلا حرم أصلا من دخوله المسجد لظروف مرضه...؟!

فعمل الخير ليس محصورا في بناء المساجد، ولا في تشييد المصليات، ولا في إنفاق الملايين على التزيين والزخرفة، بل إن عمل الخير منا قبل أي شيء أن نحسن خدمة هذا الإنسان في إنسانيته وحاجاته الضرورية ليكون مسلما قادرا على دخول المسجد والتفاعل مع دروسه ونشاطاته.

وإذا كان الراحل الشيخ محمد الغزالي قد قال قديما: «إن بناء المصانع يعدل بناء المساجد»، فإن أيضا بناء المدراس والمعاهد والجامعات والمستشفيات والمساكن التي تستر الناس والمشاريع التي تنمّي قدرات المسلم والمجتمع، أيضا يعدل بناء المساجد في الأجر والثواب..

فلقد ورد عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالكعبة ويقول: (ما أطيبك وأطيب ريحك ما أعظمك وأعظم حرمتك والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمة منك ماله ودمه وأن نظن به إلا خيراً)..

أيها السادة... إن التخطيط الواعي والناجح في أي عمل خيري خدمة للدين وأهله قد يكون في أحيان كثيرة سببا في نجاح العمل، فهل وصلنا إلى مرحلة فقدنا فيها قيمة التخطيط..؟! أم أننا في مرحلة فقدنا فيها فضيلة الإقدام على حسن اختيار العمل..؟!

إن الخوف الأكبر.. أن نكون في مرحلة فقدنا فيها قيمة الاثنين معا، وحينها لن ينفعنا إلا العودة الصادقة إلى ما يحقق الأمن والأمان والخير والتيسير والطمأنية في حياة المسلم...!؟





bahaasalam@yahoo.com



أخبار ذات صلة

جريدة اللواء 19-11-2019
فتاتان تمران في ساحة رياض الصلح، من أمام نعش السلطة التي سقطت (تصوير: جمال الشمعة)
النِصاب بين الوصول والتهريب: كِباش في ساحة النجمة اليوم
العراق: المدارس أغلقت أبوابها والمحتجّون يسدّون مدخل أحد الموانئ