بيروت - لبنان 2020/12/05 م الموافق 1442/04/19 هـ

حداد: النبي (صلى الله عليه وسلم)أسوة وواقعاً نعيشه في أخلاقنا وليس فقط في مشاعرنا

حجم الخط

يقول الله تعالى {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى }، كما أمر تعالى بالعمل بما أتى به صلى الله عليه وسلم فقال: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}، وكذلك أمر بطاعة النبي صلى الله عليه وسلم والاحتكام إلى سنّته عند الاختلاف، فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}.

فهذه الآيات وغيرها الكثير تؤكد ان علاقة المسلم بالنبي صلى الله عليه وسلم هي علاقة عمل واتباع وليست فقط أقوال، ولعل هذا الأمر هو أكثر ما نفتقده ونحن في شهر المولد النبوي الشريف.

فكم من مولد وكم من جلسة وكم من احتفال أقيم، ومع ذلك اقتصر الأمر على الأقوال ولم يتغيّر شيء في حياتنا...

كم من كلمة وخطبة وأنشودة ألقيت.. وبقي الحال كما هو...

لذلك كان هذا اللقاء مع فضيلة الشيخ د. أسامة حداد المفتش العام في المديرية العامة للأوقاف الإسلامية في لبنان، حول أهمية اتباع النبي صلى الله عليه وسلم قولا وعملا ومنهجا وأثر ذلك على الأفراد وعلى المجتمع؟

حقيقة العلاقة

{ بداية كيف نفهم حقيقة العلاقة مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟

- قال الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً} [الأحزاب:21]، يوجّهنا رب العزّة تعالى إلى حقيقة العلاقة مع النبي صلى الله عليه وسلم فنتخذه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أسوة في حياتنا ومنهجنا..

والفرق بين القدوة والأسوة...

الأسوة: هو من نقتدي به فى جميع المجالات وجميع الأمور الحياتية.

القدوة: هو بشر نقتدي به فى بعض المجالات وليس كلها لأن البشر يخطئ ويصيب.

وما أحوجنا أن نجعل النبي صلى الله عليه وسلم أسوة وواقعاً نعيشه في أخلاقنا وسلوكنا وليس فقط في مشاعرنا وعواطفنا...

وإن من يتتبع سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم من ولادته إلى وفاته يجد الأسوة الحسنة فِي:

• طفولته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (كان لا يرضع إن سمع أخاه بالرضاعة يبكي - لا يأكل حتى يأكل أولاد عمه في بيت عمه أبي طالب).

• شبابه، ورجولته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ... كان مثالاً للصدق والأمانة في كل شيء لا سيما في تعاملاته وتجارته، في بيعه وشرائه، حتى اشتهر بلقب: «الصادق الأمين» صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

• حياته الزوجية صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ... كان يخدم نفسه وأهله ويدخل السرور الى قلوبهم...

• في وفائه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قدمت مرضعته حليمة السعدية مرة عليه تشكو إليه قلّة المطر والرزق، فكلّم خديجة وأعطتها 40 شاة - ومن وفائه مع زوجة عمه أبي طالب فاطمة بنت أسد رضي الله عنها التي ربّته صغيراً في بيتها أنه يوم وفاتها نزل إلى قبرها ولفّها بعباءته وقال: هي أمي الثانية..

• في أخوّته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقد أكرم أخته من الرضاعة الشيماء بنت الحارث السعدية يوم حنين، حينما جيء بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الأسرى، فأكرمها وبسط لها رداءه، وأجلسها عليه، ثم أطلقها، وردّها إلى قومها.

• في أبوّته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كان عندما يلتقي بابنته السيدة فاطمة - رضي الله عنها - يقف لها احتراماً ويقول: «مرحباً بابنتي... أهلاً بمن تشبهني خَلقاً وخُلُقاً»، ويجلسها بقربه - وكان يحب ولديها الحسن والحسين -رضي الله عنهما -، ويحنّ إليهما، وكانا يتبعانه إلى المسجد فيقبل عليهما ويحتضنهما، وكان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يحمل أمامة بنت ابنته زينب على ظهره في الصلاة، فإذا سجد وضعها وإذا قام حملها.

• كان أسوة حسنة في معاملة أصهاره صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أزواج بناته، فقد كان - عليه الصلاة والسلام - يزورهم وينصحهم، ويثني عليهم، ويصلح بينهم وبين بناته إن حصلت مشكلة، فعن سهل بن سعد قال: جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت فاطمة فلم يجد علياً في البيت فقال: «أين ابن عمك؟». قالت: كان بيني وبينه شيء فغاضبني فخرج... فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لإنسان: «انظر أين هو»، فجاء فقال: يا رسول الله، هو في المسجد راقد، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مضطجع قد سقط رداؤه عن شقه، وأصابه تراب، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسحه عنه ويقول: «قم أبا تراب، قم أبا تراب» رواه البخاري.

• أسوة حسنة في دعوته الناس وتربيته لهم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالحكمة والموعظة الحسنة، مع نشاط وحرص واستمرار وتفكير وتخطيط، من أجل توسيع نطاق الدعوة وانتشارها.

• أسوة حسنة في قيادته ومسؤوليته، كان صلى الله عليه وسلم يسأل عن رعيته ويهتم بشؤونهم وأحوالهم، لدرجة أنه صلى الله عليه وسلم يفتقر إذا افتقروا ويفرح إذا فرحوا، ويحزن إذا حزنوا، ينصر ضعيفهم، ويواسي مبتلاهم، ويقيم العدل بينهم..

• وكان رسول الله صلى الله عليه وسلمَ يربّي الصحابة ويعلّمهم بقوله وبفعله، بالكلمة الطيبة، والأسلوب الحسن، والموعظة المؤثرة؛ (قصة الأعرابي يبول في المسجد).

قال - تعالى -: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران:159]، وقال الله - تعالى -: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم:4].

تفعيل العلاقة عملياً

{ كيف يمكن لكل مسلم أن يفعّل هذه العلاقة لتكون منهج سلوكي في كل أمور حياته؟

- لا بد أن تتفعّل العلاقة لتتحوّل من علاقة عاطفية إلى علاقة عملية سلوكية باتباعه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}، فتكون محبتنا اتباعا للمنهج وتطبيقا لما أمر به صلى الله عليه وسلم..

{ برأيكم ما هي أبرز السلبيات التي نتجت عن الاقتصار على الشكل والأقوال في هذه العلاقة؟

- إن الاقتصار على الأقوال في العلاقة مع النبي صلى الله عليه وسلم أدّى إلى انفصام بين المشاعر والواقع.

فالبعض فهم أن حب النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة عليه فحسب وفي إعلانه عن هذا الحب فحسب، وهذا يشبه حال البعض الذين فهموا أن الدين هو أن تصلي، وتصوم، وتزكّي، وتحج، وتنطق الشهادتين، وانتهى الأمر؟ لا..

هذه العبادات (عبادات وشعائر أساسية) وهي فرائض لا يمكن التقصير بها، لكنك لن تقطف ثمارها ولن تحقق أهدافها إلا إذا صحَّت (عبادتك التعاملية).

إنتماؤك الشكلي إلى الدين وإلى النبي صلى الله عليه وسلم لا يقدّم ولا يؤخّر..

تضع صورة للكعبة المشرفة بصدر بيتك لا يكفي، صورة القبة الخضراء على حالة هاتفك لا يكفي، مصحف في سيارتك لا يكفي، آية قرآنية على حائط محلك لا يكفي، مسبحة في يدك لا يكفي، حجاب المرأة لا يكفي!

الدين وحب النبي صلى الله عليه وسلم هو: (إستقامتك)، (معاملتك)، (أمانتك) و(أخلاقك) و(الاقتداء بأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم)، وهذا ما ينقصنا في هذا الزمان... في جميع المجالات ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: إِنَّ أَحَبَّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبَكُمْ مِنِّي مَجْلِساً يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنُكُمْ أَخْلاقاً.

أدوار العلماء والأهل

{ ولكن ألا ترى أن للعلماء والأهل دورا في هذا الأمر؟

- دور العلماء والأهل في هذا الأمر أن يكونوا قدوة في سلوكهم وتصرفاتهم أكثر من خطاباتهم ومواعظهم، وأن يكون التركيز في توجيه الناس نحو السلوك وحسن المعاملة ونجنّب الإساءة الى سمعة الإسلام والمسلمين بأي تصرف لا يرضي الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم..

وأخيرا نتوجه الى النبي صلى الله عليه وسلم ونقول:

نحبك يا رسول الله... حتى في تقصيرنا نحبك... لأنك أجمل ما فينا.

ولكن المهم أن تحبنا أنت... وترضى عنا وعن سلوكنا.. كل عام وحبك في قلوبنا وسلوكنا، حتى نلتقي بك عند الحوض فنشرب من يديك الشريفة شربة لا نظمأ بعدها أبدا.



أخبار ذات صلة

قرار جديد لفهمي حول التعبئة العامة.. هذا ما تضمنه
التحكم المروري: قتيل إثر انزلاق دراجة نارية على أوتوستراد الأسد [...]
الأمطار في طرابلس تحولت الى نقمة بفعل الاعمال