بيروت - لبنان 2020/05/29 م الموافق 1441/10/06 هـ

خطورة انتشار الطلاق ليس بأعداده وإنما بـ «إبليسية»التعاطي بين المتخاصمين

نريد لجنة دينية - وطنية تدرس الأسباب وكيفية العلاج

حجم الخط

منذ ما يقارب السنتين كتبنا مقالا عنوناه بـ (فقه الطلاق.. رأفة بالأسرة) وقلنا فيه أنه «في كل مرة يدبّ فيها خلاف بين زوج وزوجه يتحول الأبناء فورا إلى سلاح فتاك يقاتل كل طرف به الطرف الآخر لتكون النتيجة الحتمية «انفجار السلاح» في وجهيهما.. وقد كتبنا كثيرا وحذرنا من أساليب «النكاية» المعتمدة التي تتخذ من الأبناء ورقة يلعب بها المتخاصمان كيفما شاؤوا بهدف تسجيل النقاط، ولكن يبدو أن الاعوجاج قد أصبح فعلا أقوى من الكلام»..
وطالبنا حينها بضرورة النزول إلى أرض الواقع ومخاطبة الناس بمشاكلهم وهمومهم وقضاياهم، وخاصة تلك المرتبطة بالزواج والأسرة والتربية وما شابه من الأمور التي تشكل ظاهرة ملفتة في بلادنا في ظل تلك الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية المتردية التي تعصف في لبنان فتنعكس اضطرابا وعصبية في كل بيت في لبنان.
وأيضا قلنا أن من أولوياتنا اليوم هو السعي الجاد من قبل كل المتخصصين إلى توعية الزوجين قبل الزواج بـ «فقه الطلاق»، أي بالطريقة الإسلامية الصحيحة لتحقيق الطلاق إذا ما وقع بينهما مستقبلا، وهذا كما قلنا مرارا وتكرارا لا يمكن أن يكون إلا من خلال دورات تدريبية أو ندوات متخصصة تقام للمقبلين على الزواج، و ليخرج إلينا في المستقبل أجيال تعرف حقوقها كما واجباتها، فلا تظلم ولا تتجنى ولا تتعدى الحدود التي أمر الله تعالى بالوقوف عندها، فالأسر في لبنان وخاصة تلك التي تعاني من المشاكل بين الزوجين قد تحولت بيوتها - بفعل الجهل والفهم الأعوج لتعاليم الدين- من منازل عائلية إلى «حلبة صراع» يتبادل فيها الطرفان كافة أنواع الضربات والمحرمة قبل المباحة، وفي نهاية الأمر يكون الأبناء الخاسر الأول والأخير.
المشكلة في النوعية لا في الاعداد؟!
واسمحوا لي هنا أن أقول صراحة أن الحديث عن نسب الطلاق وتفشيها في بلادنا لا بد أن يكون أولا من حيث نوعية المشاكل التي تحدث وأساليب التعامل معها من قبل الطرفين  وليس من حيث الأعداد والأرقام، لأن طبيعة المشاكل وكيفية التعامل معها هي التي تعبر عن الخطر الذي نتحدث عنه.
ولعل أبرز النقاط التي يجب علينا المسارعة في حلها هي كالتالي:
أولا.. مسألة النكايات بين الزوجين: فالواضح أن الزوجين باتا يعتمدان على أسلوب النكايات عند أي مشكلة تحدث بينهما، وبالتالي أصبح هم كل واحد منهما أثبات خطأ الآخر وإلقاء اللوم عليه وأظهاره بمظهر المجرم والمذنب بدلا من السعي في حل المشكلة وإزالة أسباب الخلاف.. ولعل هذا الأمر يعود إلى سوء المفاهيم التي تسيطر على الأذهان وتصور الزواج للطرفين وكأنه معركة لا بد لطرف القضاء فيه على الطرف الآخر، مع العلم أن القرآن الكريم وصفه بأنه سكن ومودة ورحمة وفضل وتعاون... إلا أن سوء الأفكار المنتشرة أدى إلى سوء الحياة..!؟
ثانيا.. اعتماد «سياسة التصنع» في بدايات الزواج: فكثير من الرجال والنساء يتعمدون «التصنع» أثناء فترة الخطبة، فيظهر كل واحد منهما للآخر أجمل الأشياء وأرق الطباع وأفضل الصفات وإن كانت غير حقيقية، حتى يشعر الواحد منهما أن الحياة وردية وأن عقد القرآن، سيدخله إلى جنة الدنيا، وما أن يتم الزواج  حتى يفاجأ كل واحد بحقيقة الأخر في طباعه وسلوكه وصفاته وتبدأ المشاكل..!؟
وهنا لا بد أن يعلم الجميع أن الحياة الزوجية تقوم على التلقائية وعلى الطبيعية لا على التصنع والتكلف والتجمل الكاذب، فالزواج حياة واستمرار ومشاركة وتعاون وتقاسم للمسؤولية وتحمل لظروف الحياة بمختلف مراحلها ولا يمكن أن ينجح أحد إن كان الزواج عنده قد بدأ بالكذب...؟!
ثالثا.. غياب ثلاثية النجاح عن فكر الزوجين..: إن الزواج بكونه مؤسسة مباركة تسعى إلى بناء الأجيال البناء الصحيح والإيحابي لا يمكن أن يكون ناجحا إلى إذا أسس على أرض خصبة ومتينة هي (السكن والمودة والرحمة)، وعلى هذه الأرض ترفع الأسس الثلاثة للحياة الزوجية، وهي.. الاحترام.. والثقة... والمشاركة..
فالزواج بلا احترام بين الزوجين لن يدوم ... وإن دام فسيخرج لنا أجيالا ساء أدبها وانحرف سلوكها وتشوهت مفاهيمها...
والزواج بلا ثقة.. هو جحيم يعيش فيها الزوجان يتلوعان بنار الشك المنهي عنه شرعا، وحتما هو سينتهي بـ «طلاق فضائحي» يسعى كل واحد منهما فيه إلى الإساءة للآخر بلا رقيب ولا حسيب..؟!
والزواج بلا مشاركة في تحمل المسؤوليات من الطرفين هو ممارسة مرفوضة لمفهوم التسلط ومفهوم الطبقية وغيرها من المفاهيم البالية التي لم تنتج إلا الخراب والتفكك والدمار الأسري..؟!
رابعا.. إدخال الأطراف الخارجية..: فمن أكثر الأمور سلبية التي نراها في المجتمع هي المسارعة في إدخال الأطراف الخارجية عند حدوث أي اختلاف بين الأزواج مما يعني اطلاع هذا الطرف على أسرار الحياة بين الأزواج، وأحيانا يكون الكلام في أدق الخصوصيات وأكثر الأمور سرية، مما يفتح الباب على مصراعيه لزيادة الخلاف بدلا من علاجه، خاصة إن كان هذا الداخل بينهما لا يعرف لحفظ الأمانة معنى ولا ستر أعراض الناس سبيلا...؟! والمشكلة الأكبر والأفظع... تقع حين يكون أحد الزوجين في حالة استجابة كلية «لوسوسة إبليسية»، فيتحدث أمام هذا الغير بكل ما لا ينبغي أن يتحدث به زوج عن زوجه، فيكشف المستور... ويفضح المحظور... ويهتك أما العلن ما أمر بستره الرحيم الغفور..؟!
خامسا... سعي كل طرف إلى كسب الأبناء لصالحه..: وبالتالي إدخالهم عنوة كأطراف في النزاع  ثم المساعدة في تحويلهم إلى سلاح في سبيل «تسجيل نقطة» على الطرف الآخر، مما يعني أن كل طرف سيحارب الآخر بالأبناء ، ويدعي الحرص على مصلحتهم، وأن كل طرف سيستعمل مشاعر وأحاسيس الأبناء سلاحا في وجه الآخر ثم يدّعي أنه الأنسب لتربيتهم والرعاية بهم، بينما الحقيقة المرة التي لا يريد أن يعترف بها الطرفان هي أن الأبناء عنده ليسوا أكثر من ورقة رابحة يحاول استغلالها لمصلحته فقط لا غير..!؟
نطالب بحل لا بتوصيف
إننا في خصم هذا «المهرجان العبثي» الذي يدور في مجتمعاتنا نطالب بلجنة دينية وطنية يكون أفرادها من المتخصصين الثقاة لتدرس - وبجدية- ظاهرة انحراف القيم والأخلاق عند الزوجين إذا ما حدث خلاف بينهما..
لجنة يكون هدفها الأول إعادة منظومة الأخلاق إلى النفوس وخاصة بين الأزواج حفاظا على الأبناء من الانحراف النفسي والفكري الناتج من معايشتهم لآباء وأمهات استباحوا كل شيء في سبيل التشهير ببعضهما البعض، فتسعى في سبيل ذلك إلى إصلاح الإعلام إصلاح المنابر والجمعيات والمؤسسات والمدارس وكل ما ينبغي حتى لا يكون الواقع الممارس في بلادنا... سلاح دمار شامل للأسرة..!!
 
bahaasalam@yahoo.com





أخبار ذات صلة

ترامب ينفذ تهديده.. ويطوق "منصّات التواصل الكُبرى"
باخرة Asopos تُفرغ حمـولتها في خليج جونيه
واشنطن للدول المتعاونة مع طهران: لا استثناءات من العقوبات