بيروت - لبنان 2019/01/21 م الموافق 1440/05/15 هـ

دراسة حديثة عن التراث الإسلامي بين التنقية والتحقيق: توصيات بتأسيس كيان مؤسّسي موحّد للتعامل مع التراث

حجم الخط

تراث الأمة هو إرثها الحضاري وذاكرتها وهو الإبداع الفكري الذاتي للشعوب، وهو الهوية الثقافية التي من دونها تتحلل وتضمحل وتتفكك. والتراث يحتاج لمنهجية للتعاطي مع نصوصه، تحققها تارة، وتنقيها تارة أخرى، وهذا الأمر يتأتى من خلال دائرة تبدأ بـ «الفهم» للنص التراثي ثم «التجريد»
لننتقل من «المسائل» إلى «المناهج»، حيث نأخذ من تراث أسلافنا «مناهجهم» في معالجة الواقع وصناعة العقل ومناهج التفكير، ولا نقف عند «مسائلهم»، لأنها في الغالب ــ ليس لها مشابه في واقعنا المعيش؛ نظراً لتقدم الآلة والانفجار الرقمي وعالم ما بعد العولمة والحداثة.
ثم تأتي مرحلة مهمة وهي «الاستنباط»، بمعنى عندما جردنا المسائل التراثية من المؤثرات المتعلقة بالأحداث والأشخاص والزمان والمكان يبرز عند ذلك منهجية العقل المسطر لهذا التراث فنستنبط منه ما يُصلح واقعنا ويتماشي مع ظروفنا.
 وبعد مرحلة الاستنباط يأتي «التفعيل»، وهو تحويل المناهج المستخلصة من الدراسة العميقة لتراثنا إلى تطبيق عملي على مشكلات واقعنا، وهنا يظهر جليا الأثر المعرفي والبناء التراكمي لهذا المسلك في عدم الانفصال عن الموروث، وفي الوقت نفسه التعامل مع معطيات الواقع المعيش، فنحن في أمس الحاجة لمشروع ينفتح على المستقبل لكنه متكئ على تراثه ومحافظ على هُويته.

أحمد ربيع الازهري
هذا ما ذهب إليه الشيخ أحمد ربيع الأزهري، الباحث في التاريخ والمنهج الأزهري، في دراسة حديثة له عن «التراث الإسلامي بين التنقية والتحقيق»، مضيفا أن التراث يحتاج منا أن نتعامل معه من خلال أربع طرق في إطار فقه الإحياء التراثي، هي:
أولا: النشر والتحقيق: بأن تنهض المؤسسات العلمية والأكاديمية بتحقيق كتب التراث، على أن يصمم موقع لتحميل الكتب التراثية على الإنترنت يتبع الأزهر الشريف.
ثانيا: التيسير: بأن تطبع الكتب بعد تيسيرها عن طريق الاختصار أو التهذيب أو التقريب بصورة ميسرة للناس بعد حذف ما فيها من معلومات خاطئة تخالف نصوص الشارع الحكيم وتتصادم مع العقل المستقيم والفطرة الصحيحة.. على أن يوضح منهج التيسير والمستهدف منه وغايته.
وتقترح الدراسة إنشاء سلسلة «كتب الجيب» تبسط كتب التراث بشكل يحبب الناشئة في التعرف على تراث أسلافهم.
ثالثا: خدمة النص التراثي بفهرسته وعمل القوائم البيبلوجرافية لكتب التراث وموضوعاته وموسوعات المصطلحات التراثية والتكشيف.. إلخ.
رابعا: الإحياء، وهو تحويل المناهج المستخلصة من التراث إلى صيغ وآليات على الأرض يمكن البناء عليها وتكرارها وإكمالها، فنحن نريد عقلاً يتعاطى مع التراث وينتج أثراً تنمو به هُويته وتزدهر به ذاتيته وتشرق بأنواره حضارته، فالإشكالية تكمن في العقلية التي تقرأ التراث بعيون مختلفة وتقوم بتوظيف النص التراثي لمصالحها بعيداً عن المناهج العلمية الضابطة لكل علم، فنجد البعض يتعامل مع التراث على أنه عبء على المستقبل فيريد أن يتجاوز التراث بإنكاره والحط منه بالكلية ويخلط بين ما هو وحي إلهي وما هو فهم بشري، ويقرأ التراث في مسألة بعينها بعيدا عن ظرفها وزمانها التاريخي، فيدور في فلك المسائل الحياتية، لا المناهج الفكرية .
والصنف الثاني يتعاطى مع النص التراثي والذي هو منتج بشري كما يتعاطي مع النص الديني المقدس، وهنا يظهر الخلل في الفهم أيضا، وهناك صنف ثالث انتقائي يستشهد بالنصوص التراثية وفق رؤيته وقناعته وبرؤية قاصرة وليست كلية.
ودعت الدراسة إلى إخراج القرآن والسنة الصحيحة من مفهوم التراث فالقرآن نص إلهي والسنة عن سيدنا محمد المعصوم من الخطأ، وما عدا ذلك نجتهد في تحقيقه وتدقيقه والاستفادة منه وننزله على الواقع بآلية منضبطة.
آليات التنفيذ
وحول الآليات التي ينبغي اتباعها لتفعيل ذلك أشارت الدراسة إلي مراحل مهمة، هي:
ــ التنخيل، ويدخل تحت هذه المرحلة مرحلة الفهم والقراءة المنهجية البعيدة عن التحيز والانتقاء حيث يتم تنخيل هذا المحتوى لنُزيل ما علق به من تغبيش وتأويل منحرف وفهم مغلوط.
ــ التعليل، وفيها يتم البحث حول منهج التعليل وفقه الاختيار ومناهج التفكير التي حكمت العقل الكاتب للنص التراثي وفق مضامين كل علم مع تعليل المنخول من هذا التراث حتى يُسلم بفضله العقل المعاصر.
ــ التنزيل، وهذه أخطر مرحلة لأنك تنزل النص التراثي على الواقع وهذا يستوجب عقلاً فارقاً تكاملت لديه دوائر العلوم وتشعبت لديه المعارف والفنون لينتقل بالنص التراثي إلى لغةِ الخطاب المعاصر.
- التشغيل، وهذه مرحلة مهمة لعودة الروح للجسد والوعي للعقل المسلم بأن تحفز هذا العقل على العودة لمضمار السباق الحضاري معتمداً على عطائه التراثي كشريك في بناء الحضارة الإنسانية.
ومرحلة التشغيل هذه تقتضي منا العودة إلى المدارس العلمية المشهود لها بصحة المنهج وإرثها المضيء في خدمة الدين واللغة مثل مدارس الأزهر الشريف في مصر والزيتونة بتونس والقرويين في المغرب إلى غير ذلك من معاهد العلم التي تسير على مناهج هذه المدارس الكبرى لأننا إن أعدنا تشغيل آلة العقل المسلم مرة أخرى في بيئات دخيلة على العلم وقليلة الباع في الفهم نكون قد وضعنا ترساً من تروس هذا العقل في غير موضعه والنتيجة سوف تكون وخيمة، والواقع المعيش يدلل على ذلك.
توصيات ومقترحات
وخلصت الدراسة إلى مجموعة من المقترحات والتوصيات، منها:
إنشاء كيان مؤسسي يجمع كل الهيئات والمؤسسات العلمية العاملة في تحقيق التراث والمخطوطات من كل بقاع العالم العربي والإسلامي لكي تضع رؤية لخدمة تراثنا والذي لم ينشر إلا عشرة في المائة منه على أقصى تقدير، وتتكامل الخبرات وتقسم الأدوار حتى لا تتكرر المشروعات الخادمة للتراث مما يضيع المال والوقت مع تسهيل تبادل نسخ مصورة من المخطوطات في ما بينهم.
السعي لعمل أكبر منصة إلكترونية للمخطوطات والتراث العربي والإسلامي على أن يجمع فيها نسخ إلكترونية من المخطوطات الموجودة في مكتبات العالم المختلفة.
إنشاء معهد داخل الأزهر الشريف للمخطوطات والتراث الحضاري الإسلامي ليقدم المعونة العلمية للباحثين في تحقيق كتب التراث العربي والإسلامي في علوم الشريعة وعلوم العربية والعلوم النقلية والعقلية بل والعلوم العلمية التجريبية، ويضع مناهج لدراسة وتحقيق كل علم من هذه الفنون وغير ذلك ويقيم الدورات للمهتمين بالدراسات التراثية وتحقيق التراث.
أن يطلق الأزهر الشريف من خلال جامعته سلسلة لنشر كتب التراث التي حققت الألوف منها وما زالت حبيسة الأرفف في مكتبات الكليات في جامعة الأزهر منتظرة أن تخرج إلى النور في شكل مطبوع أو على الأقل تصويرها ورفعها على شبكة المعلومات «الإنترنت» كما تفعل الكثير من الجامعات في العالم. أن ينشر الأزهر طبعة محققة تحمل اسمه للكتب في التخصصات العربية والشرعية لتكون هي النسخة المعتمدة لباحثيها ولباحثي العالم الإسلامي في الاعتماد عليها بدلاً من الاعتماد على كتب حققها أنصاف العقول والذين يعلقون عليها بتعليقات سخيفة وصلت لتكفيرهم لمؤلفيها.
إنشاء «علم المراجعات التراثية» ويهدف إلى جمع المسائل التراثية التي تم توظيفها على غير «مقاصد الشارع» أو على غير مقاصد مؤلفيها أو لحقت بها تفسيرات وتأويلات منحرفة واعتمدت عليها عقول هشة علمياً ومتطرفة فكرياً والقيام بمراجعتها وبيان الفهم الصحيح لنصوصها.
عمل موسوعة «لفهم مداخل علوم التراث» وكيفية فك شفرته اللغوية والعلمية؛ فالكتب الفقهية التراثية مثلاً تحتاج لفهم المصطلح الفقهي والقواعد الفقهية والأصولية لكل مذهب، بعكس دراسة كتب النحاة ومنهجية مدارسه كمدرسة البصرة ومدرسة الكوفة مثلاً.. وهكذا فإن لكل علم قواعد وأصولاً، فيجب أن يؤسس لمراجعة تراثه منهجاً خاصاً به لكي نرفع تلك الإشكالية التي نراها من بعض أدعياء التنوير الذين يحكمون على نص حديثي مثلا بالقبول والرد وهو لم يدرس مصطلح الحديث ولم يتفنن في علوم الإسناد والجرح والتعديل والعلل..، بالاضافة إلى اعتماد منهجية للتعامل مع النص التراثي.




أخبار ذات صلة

في ظل تنامي مأساتهم وازدياد الإضطهاد بحقِّهم: تقاير تؤكِّد تحوُّل [...]
هاشم: التجديد هو أن نبعث في تراثنا الحيوية لا أن [...]
إغاثة الملهوف... واحترام إنسانية الإنسان