بيروت - لبنان 2020/05/29 م الموافق 1441/10/06 هـ

درجة الدكتوراه... تخصّص تنديد واستنكار..؟!

حجم الخط

اسمحوا لنا أن نبارك لكثير من أبناء هذه الأمة لحصولهم على درجة الدكتوراه مع مرتبة الشرف الأولى في تخصص التنديد والاستنكار..!؟   
وهم بلا أدنى شك أسياد «الشجب القولي» و»الرفض اللساني» لكل الآفات المنتشرة..؟! 
وهم السبّاقون في «التنديد الكلامي» لكل ما يعاني منه المجتمع..؟!
وهم طبعا.. أصحاب الفضل في «التفوق اللفظي» لمناقشة كل المشاكل المحيطة بالناس..؟!
لقد كثر هذا التخصص في بلادنا حتى أصبحنا مجتمعا «متخما بالتنديد»...؟! 
مجتمعا يعاني من فائض في «عبارات الاستنكار»...؟!
وطبعا... مجتمعا أرهقت ألسنة أبنائه (ولا شيء غيرها).. من كثرة الاستخدام والاستهلاك..؟!
لقد غرقنا في أمواج التنديد والشجب والاستنكار الموحلة حتى غاب عن عقلنا فقه البدائل الذي أرسى قواعده ديننا الحنيف..
هذا الفقه الراقي والحضاري الذي دعانا إلى تقليل الكلام والبدء الفوري بالعمل الصحيح والواضح لتغيير الواقع المخزي إلى الأفضل والأحسن..
فقه نرى معالمه صريحة (على سبيل المثال لا حصر) في قصة الرجل الذي أتى إلى النبي  صلى الله عليه وسلم  يخبره عن فقر حاله وسوء أوضاعه فخاطبه: (اذْهَبْ فَاحْتَطِبْ وَلا أَرَاكَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَجَعَلَ يَحْتَطِبُ وَيَبِيعُ فَجَاءَ وَقَدْ أَصَابَ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ فَقَالَ اشْتَرِ بِبَعْضِهَا طَعَامًا وَبِبَعْضِهَا ثَوْبًا ثُمَّ قَالَ هَذَا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَجِيءَ وَالْمَسْأَلَةُ نُكْتَةٌ فِي وَجْهِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لا تَصْلُحُ إِلا لِذِي فَقْرٍ مُدْقِعٍ أَوْ لِذِي غُرْمٍ مُفْظِعٍ أَوْ دَمٍ مُوجِعٍ).. 
لم «يحوقل» ولم «يحسبن» ولم يردد على مسامع هذا الرجل كلام الاستنكار والوعود اللسانية... وإنما قام صلى الله عليه وسلم بتأمين الأساس له ثم أمره بالسعي والعمل لتأمين الكسب الحلال وضمان كرامة العيش..؟!
إننا في زمن أيها السادة لا ينفع فيه الكلام وإن كان كثيرا...!! 
ولا جدوى فيه من عبارات الشجب والتنديد وإعلان حالات القلق المستمر وأن قدمت بأجمال الألفاظ وأبلغ الصياغات...!! 
نحن نحتاج إلى العمل.. وإلى التخطيط ..وإلى السعي.. وإلى دراسة الواقع.. وإلى التغيير.. وإلى ترجمة الإيمان إلى سلوكيات حضارية.. وإلى زرع أرضية خصبة تؤمن للناس - وخاصة جيل الشباب- العيش بكرامة وكبرياء من خلال السير في طريق الجهاد الحياتي الذي يغرس في نفوسهم ثقافة العمل البناء .. لا مفسدة الكلام الأجوف الذي لا يغني ولا يسمن من جوع..؟!
إن شبابنا لديه من الطاقات والقدرات والإمكانات والكفاءات ما يشكر عليها، وبلادنا فيها من المجالات ما يمكّن الناس من الإحساس بكرامتهم وإنسانيتهم ويخولهم حسن التفاعل مع الكون المسخر لهم، وكل ما نريده ونطالب به هو فقط.. أن تتحول «معاجم التنديد والاستنكار» التي شنفتم بها آذاننا منذ الطفولة إلى أعمال نرى آثارها مثمرة في نفوس الشباب وفي تطور وتقدم وتحسّن البلاد والعباد..
أيها السادة.. إن الله تعالى قد حذرنا وبصريح الآية من الوقوع في ما نصر على إيقاع أنفسنا بإيدينا فيه ... فقال: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ».. فهل تدبرنا وعملنا..؟!

bahaasalam@yahoo.com


أخبار ذات صلة

ترامب محاطا بمستشاريه في المكتب البيضاوي قبيل التوقيع على القرار التنفيذي (أ ف ب)
ترامب يشن «حرباً استباقية» على مواقع التواصل الاجتماعي
ترامب ينفذ تهديده.. ويطوق "منصّات التواصل الكُبرى"
باخرة Asopos تُفرغ حمـولتها في خليج جونيه