بيروت - لبنان 2018/10/21 م الموافق 1440/02/11 هـ

صوم النفوس عن هواها وأطماعها

حجم الخط

بقلم: الشيخ رامي أحمد الفرّي*

 إن أعظم الأيام عند الله وأقدس شهر وأبلغه هو شهر رمضان المبارك الذي تجلى الله فيه على عباده وعلى الأكوان فأنزل فيه القرآن كتابه المحكم وكلماته التامات ونوره للهداية الكاملة , وانقاذاً من الضلال, وحفظاً من الريب , وعصمةً للعقول والقلوب من أهواء النفوس ومن فساد التصورات , ومن عبث الأفكار المنحرفة ومن مرديات الشياطين الذين يكيدون للأنسان ويوردونه موارد التهلكة، ومن فضل الله على عباده أن جعله هدىً لكل الناس والى آخر الزمن، فهو ليس لأمة دون أخرى ولا لجيل دون آخر , ولا لنبيّ دون بقيّة الأقوام لأنه آخر ما أنزله الله من الكتب . وأكمل ما أتمّ به وحيه . وأنزله على آخر الأنبياء لتكون به الهداية لكل العالم وليكون حجة الله على العالمين بالحق الذي يقوم به , وبالهداية التي تكشف الضلال , وبالبينّات الواضحات التي لا يزيغ عنها من يعتمد حرية البحث والبرهان اليقيني والفكر الرشيد فكان القرآن الكريم كما وصفه ربه : إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم . 
وتكريما ً لهذه الهداية القرآنية فقد أمر الله بصوم الشهر الذي أنزله فيه بياناً وشكراناً, والتزاماً للهداية بالعبادة , وصفاءً للنفوس وتطهيراً للقلوب وتزكية للأرواح , وأعلاءً لمقاصد الوجود الانساني , فإذا كان الصوم قد فرض على كل الأمم لمرانها على التقوى واقترابها من فيوضات الملأ الأعلى , فقد جعل تلك القربات موضوعا ً للصوم في شهر القرآن ليدرك الصائمون الحق الذي تعتصم به التقوى والسبيل الأمثل لمعارج القرب من الله تعالى وبذلك تكتمل العبادة بالهداية العليا ويفوز الصائمون بوعيهم القرآني, وترتقي الحياة كلها بتجليات الخالق عز وجل على كونه وعلى عباده بما رفعهم به الى أعلى مقام ايماني وبما كرمهم به من رحمته بهدايته ومن عصمته بتربيتهم الايمانية ومن غفرانه باستجابة المؤمنين لأمره والتزامهم بهداه. واذا كان الناس قد اهتدوا وارتقوا بنزول القرآن الكريم فإنهم في هذه الأيام أعظم حاجة الى كتاب الله بعد أن فشا فيهم الضلال وتفاقم بينهم المنكر .وفقدوا روح السلام والسكينة وتحول المجتمع العالمي الى ساحة للتناوش والى غابة من تسلط الاقوياء على الضعفاء, والى ميدان لجشع الأغنياء وفقر الفقراء واغترت الدول الكبرى بسلاحها الذي يهدد الحياة والأحياء, فقدت الضمائر أنوارها, وسقطت المصائر في مهابط انسانيتها وغدا الأمن والحقد قي ايدي الطغاة والجبابرة لا في قلوب الرحماء والودعاء , وغفلت حضارة العصر عن كرامتها ومحادرها وعن شرف اخلاقها وطهارة امجادها , وأصبحت اليوم في جاهلية دونها جاهلية العصور الماضية لأنها قد بلغت في العلوم أقصى معارفها, ونالت من الحرية أوسع مجالاتها وكان الأولى بها أن تتقدم في مقاصد الخير وأن تسمو في آمال السلام وأن تعطي من ثقافتها وأهدافها أعظم مباهج الحياة وأقدر مسالك الشكر لله على ما وهبها من النعم ويسّر لها من الرفاه... فلم يبقَ أمامها إلا أن تسوق أهدافها وأن تتسارع انجازاتها للايمان بالله المبدع وتكريم الانسان الضائع وأن تسلك الصراط المستقيم لتستنير بهداية الله . وتجثو خاشعة في عبادة الله وتتوقف عن الغرور وعن طغيان القوة وما تمارسه من ظلم وتسلط واستهانة بحقوق الانسان ومن عدوان على السلم والأمن وعن ادعاءات الزور والبطلان بالحديث المنافق عن حماية الأنظمة ومكافحة التطرف والارهاب. 
إن صوم المؤمن هو صوم النفوس عن هواها وأطماعها وأخطائها وصوم القلوب عن اذلال الشعوب وارهاقها وصوم الطغاة عن الظلم والقهر والجبروت وصوم الانسانية عن مفاسدها وشرورها, وصوم الانظمة عن عدوانها وطغيانها لتسلم الحياة وتمجد الانسانية في تقواها وهدايتها ويتجلى الله على العالم  برحمته وانقاذه, فيكون رمضان هو الرائد الذي يقود الى النور والهداية بالصوم الذي يرقي وينقي ,بالقرآن الذي أنزله الله رحمة للعالمين وهداية للناس أجمعين.  

* رئيس المركز الاسلامي طرابلس



أخبار ذات صلة

قبة العشرة (2) قبيبات العروس في محلة الخضر
بيت الزكاة الخيري سدني يزور بيت الزكاة والخيرات بلبنان
الهموم تعالح بالعمل لا بالقول