بيروت - لبنان 2019/06/19 م الموافق 1440/10/15 هـ

عباءة المكارم... ليست على مقاسكم

حجم الخط

وردت في قصص الزمن الغابر... وفي عهد الفاروق عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)، وأثناء تولّيه مقاليد الأمور في سياسة دنيا الأمة الإسلامية، جاءه من يشكو إليه مظلمة لكي ينظر فيها، ويحكم لصاحب الحق حقه بها، وينزل على الظالم الجاني عقابه.
فقد قصد الزبرقان بن بدر دارة الخلافة هائجاً مائجاً، كثير الانفعال وقابل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب شاكياً إليه الشاعر المشهور (الحطيئة) الذي قال فيه بيتا من الشعر هذا نصه:
دَعِ المَكارِمَ لا تَرحَل لِبُغيَتِها
وَاِقعُد فَإِنَّكَ أَنتَ الطاعِمُ الكاسي
فهدّأ الخليفة عمر رضي الله عنه من روع الشاكي، واستدعى الحطيئة وأرسل بطلب شاعر النبوّة حسان بن ثابت رضي الله عنه، وطلب إليه أن يبيّن له قيمة الهجو في هذا الشعر، وذلك بحضور الشاكي والمشكو منه، فأجاب حسان - وهو الخبير المخضرم بمعاني الكلمات ودلالاتها - ان الكلام الوارد هو أفحش من الهجاء، وإن أقذع الهجاء لأهون من هذا بكثير، وانه لدنس صبّه عليه لا تقوم به كرامة، فقضى عمر رضي الله عنه بحبس الحطيئة في سجن مظلم.
وليس بعيداً عن الحادثة وما نتج عنها فقد قرأت تحليلاً لأحد المعلّقين عليها وفيه أورد معنيين اثنين:
الأول: ان الحطيئة كان خبيراً بالحياة وانها عنده بوجهين اثنين أو غايتين اثنتين... أولاهما: غاية خسيسة دنيئة يعيش عليها الأدنياء فيرون سعادتهم في لذّة المطعم والملبس وكفى... وثانيتهما: غاية شريفة يحيا لها الفضلاء فيجتهدون لتحصيل زادهم من الفضيلة والسمو.
الثاني: ان الخليفة الراشد عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) ... أدرك فداحة الظلم الذي لحق بالشاكي المتظلم إليه... ولم يجتهد من ذات نفسه باصدار الحكم بل استعان بالخبير المحلف لدى الأمة - شاعر الدعوة، شاعر رسول الله حسان بن ثابت - الذي بيّن له بحضور كل من الشاكي والمشكو منه ومن حضر من كبار القوم وبجلسة علنية ان الهجاء كان مدمّراً ويستحق الحطيئة سجناً مظلماً.
ان في القصة لعبرة... وفي شعر الحطيئة الخبر اليقين عن احوال قوم يعيشون في القرن الواحد والعشرين... قوم ودّعوا المكارم ولا يفكّرون حتى الان في شدّ الرحال لبغيتها... 
قوم لبسوا عباءة المسؤولية... وتربّعوا على عرش الإدارة يسوسون الرعية بلا ذمة ولا دين ولا ضمير...
قوم لبسوا عباءة البحبوحة في رغد العيش... ونسوا التكافل الاجتماعي الذي يحميهم من ثورة الجياع والمحرومين...
قوم لبسوا عباءة السلطة، فمارسوا القهر والتسلّط، وامتهنوا هضم حقوق الآخرين.. وسلّطوا أزلامهم فجاسوا في الديار اذلالاً لكرامات الناس الذين ولدتهم أمهاتهم أحرارا. 
هؤلاء وغيرهم قوم ودّعوا المكارم... وودّعتهم المكارم.. بل إن عباءة المكارم ليست على قياس أجسادهم وعقولهم...
واحزنااااه.
   الشيخ عباس محمد العرب



أخبار ذات صلة

التحكم المروري: حركة المرور كثيفة من اوتوستراد الرئيس لحود باتجاه [...]
إردوغان يقول إن الرئيس المصري السابق محمد مرسي "قتل"
أحمد الحريري: البلد محكوم بالتوافق وبالحفاظ على استقراره الأمني