بيروت - لبنان 2018/10/15 م الموافق 1440/02/05 هـ

علماء الأزهر عن فريضة الحج.. مشاعر ونسك عظيمة

تعطي أرقى الدروس والعبر إلى الأمة وأبنائها

حجم الخط

تحفل فريضة الحج بالعديد من الدروس والعبر والفوائد العظيمة، منها ما يمس الأخلاق والمعاملات، ومنها أيضا ما يمس العقيدة، فضلا عن الأثر العظيم للفريضة ذاتها بالنسبة للأفراد والأمة على السواء، جراء هذ الحشد الهائل الذي يلتقي سنويا في مكان واحد وميقات واحد، نحو قبلة واحدة، مرددين جميعا «لبيك اللهم لبيك.. لبيك لا شريك لك لبيك».
علماء الأزهر طالبوا بأن تكون قيم وسلوكيات الحج التي تحملها شعائره ونسكه، وكذا الروحانيات التي تحققها هذه الشعيرة، نبراسا مضيئا تهتدي به الأمة كي يمكنها التغلب على أمراضها التي ابتليت بها في العصور المتأخرة، من مادية وأنانية ومجافاة وغيرها. 
هاشم
{ د. أحمد عمر هاشم رئيس جامعة الأزهر الأسبق قال بداية: إن فريضة الحج إلى بيت الله الحرام، ركن من أركان الإسلام، ويتجلى فيها مبدأ الأمان بأجلى صوره، فمن شروط وجوب الحج: الاستطاعة وأمن الطريق، فمن لم يستطع أو لم يكن آمنا على نفسه أو ماله أو عرضه في الطريق لا يجب عليه الحج، وفي تأكيد الشريعة الغراء أمن الطريق لضيوف الرحمن، ما يقرر أن الأمان من أهم حقوق الإنسان، بل إن المؤمن الكامل في إيمانه هو من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم وأعراضهم،  وأن المسلم الكامل في إسلامه من سلم المسلمون من لسانه ويده. وكما أن أمان الطريق من شروط وجوب الحج، فإن الذي يتمعن في زمان الحج ومكانه وأحكامه يرى أن الأمان من أبرز معالم هذه الفريضة.
وقال: أما زمن الحج، فنلاحظ أن الله تعالى جعله من الأشهر الحرم، فشهر ذي القعدة الذي نشد فيه الرحال إلى بيت الله الحرام من الأشهر الحرم، وشهر ذي الحجة الذي تؤدي فيه الفريضة من الأشهر الحرم، وشهر المحرم الذي يعود فيه ضيوف الرحمن إلى أوطانهم من الأشهر الحرم، فجعل الله تعالى زمن أداء فريضة الحج زمنا حراما يحرم فيه القتال، ليأمن فيه ضيوف الرحمن،  وكما جعل الزمان أمانا جعل أيضا المكان أمانا، فنرى البيت الحرام آمنا ومن دخله كان آمنا، بل كان الرجل قديما يلقى فيه قاتل أبيه فلا يتعرض له بسوء احتراما لحرمة المكان ولأنه حرم آمن قال الله تعالى: {إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا}.
فنرى الزمان، الذي تؤدى فيه الفريضة آمنا ونرى المكان آمنا، ونرى الإنسان آمنا، وجعل اللقطة آمنة، فلا يصح لمن وجد شيئا ضائعا مهما كان نفيسا أن يأخذه ولا أن يلتقطه إلا إذا كان سينشد صاحبه ويعرف بالشيء الذي وجده، كما جاء في الحديث (ولا تلتقط لقطته إلا المنشد) كما جعل الله تعالى شجر الحرم ونباته والحشيش الذي ينبت في الأرض آمنا كما جاء في الحديث: (ولا يختلى خلاه) بل جعل الشوك آمنا (ولا يعضد شوكه) أي لا يقطع فيكون كل شيء آمنا.
وأَضاف: ان ضيوف الرحمن، حين يعودون من رحلة الحج المباركة وقد تعودوا على قيمة الأمان وهم يمارسون مناسكه لا شك أنهم يحافظون على أمن الإنسان وعلى أمن الأوطان، ويقومون بنشر الأمن في كل زمان وفي كل مكان.
ولا ريب في أن المجتمعات الإنسانية في هذه المرحلة الراهنة في أمس الحاجة إلى استتباب الأمان، ومكافحة الإرهاب الذي استشرى في كثير من بلادنا. وها نحن نرى أن العبادات في الإسلام ترسى في العباد والبلاد معنى الأمان، فكما أرست عبادة الحج معنى الأمان، فان عبادة الصلاة ترسى أيضا معنى الأمان والتواد والتآلف بين العباد حين يؤدونها في جماعة، وحين يتلاقون في بيوت الله فيستشعرون معنى الألفة والترابط والتعارف والتآلف مما يزيد وشائج التواصل ويؤكد معاني الأمن والمودة بين الناس.
واختتم: ولاشك في أن الإرهاب من أكبر الكبائر وأخطر الجرائم إذا تفشي في بيئة نشر الرعب والفزع وقضى على الأمن والاستقرار، وأشاع الشحناء والبغضاء، وقضى على الروابط الإنسانية، ورمل النساء، ويتم الأطفال قال الله تعالى: {من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا}. من هنا كان واجب الأمة أن تناهض ظاهرة الإرهاب وأن تضاعف جهودها في نشر الأمن والاستقرار مستوحية من عبادات الإسلام كالحج وغيره ما في أسرار العبادات وحكمتها من دعوة إلى الأمان والطمأنينة والرحمة والسكينة.
رمضان
{ أما د.إمام رمضان إمام أستاذ العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر: يوضح أن الإحرام له دلالة مهمة وهي العودة إلى الفطرة السوية، ونتخلص من كل ما أدخل عليها، فالحاج ينسلخ مما سبق من عمره وحياته ويعلن انقياده وتسليمه لله عز وجل، قائلا: لبيك اللهم لبيك.. لبيك لا شريك لك لبيك..فالحج يعلمنا الانقياد المطلق لله عز وجل والاستجابة لأوامره واجتناب نواهيه، علمنا العلة أم لم نعلم، أدركت عقولنا ذلك أم لم تدرك.. ولعل المدقق لشعائر الحج يدرك ان تلك الشعائر تؤكد لدينا هذا المعنى من خلال الطواف والسعي بين الصفا والمروة وتقبيل الحجر الأسود ورمي الجمرات.
ففي حين تكون تحية أى مسجد بصلاة ركعتين عند دخوله، نجد أن تحية قدوم الكعبة تكون بالطواف حولها وليس الصلاة كما تعودنا، وهنا ليس لنا أن نقول لماذا، كما أننا نقبل أو نشير إلى الحجر الأسود وهو حجر لا ينفع ولا يضر، ونهرول بين الصفا والمروة، ونجرى في الرمال، ونرمي الجمرات ونرجم حجرا بحجر...هذه كلها مناسك لو أعمل الحاج فيها عقله ما أتمها، لكنه الانقياد المطلق لله عز وجل الذى ترسخه في قلوبنا فريضة الحج، اقتداء بالنبي  صلى الله عليه وسلم  الذي علمنا ذلك فقال «خذوا عني مناسككم».
موضحاً  أن في ذلك فائدة مهمة يجب أن نعيها دائما وهي أن التشريع الإسلامي لا يخضع في مجمله للناحية العقلية، وإن كان للعقل نصيب في فهم بعض الأمور والعلل، لكن يبقى أن نعلنها دائما في التعامل مع الله «سمعنا وأطعنا».




أخبار ذات صلة

إلى كل المتحدِّثين في لبنان... أعيدوا إلينا «إنسانية الخطاب الديني» [...]
أظلم ما في الليل... آخره
كفالة اليتيم