بيروت - لبنان 2019/01/21 م الموافق 1440/05/15 هـ

في ظل أيام نحسات نعيش في سوادها: متى نُجيد فنّ الحياة .. فنُصلح مجتمعنا برُقِيّ ديننا..؟!

حجم الخط

أما آن لنا أن نبادر إلى العمل الجدي والواعي لنكون على مستوى رقي هذا الدين العظيم خاصة في ظل هذه الايام النحسات التي تبسط سوادها على مختلف مجالات الحياة من حولنا..!!
وأرجوكم... لا يحدثنا أحد عن الاسلاف وما قدموه... فهم قوم فكروا وتدبروا وعملوا واجتهدوا وقدموا ما يستطيعون، أصاب منهم من أصاب وأخطأ من أخطأ، فرحمهم الله وتقبل منهم كل جهد بذلوه... وكفانا بكاء على الاطلال.. وافتخارا بأعمال لم نقم نحن بها..؟! 
ولكن.. تفضلوا حدثوني عن يومنا.. عن حاضرنا.. عن واقعنا المزري الذي يشتكي في كل لحظة من اعوجاج فكرنا.. واندثار أعمالنا.. وانحراف مسارنا... وغياب فاعليتنا عن حركة الحياة اليومية..؟! 


ماذا قدمنا في مختلف مجالات الحياة..؟!
هل تريدون الإجابة التي تفرون من سماعها رغم يقينكم بها...؟! 
الحقيقة المؤلمة أننا أصبحنا - وآسف على التعبير - عالة على البشرية، نستفيد من خبرات كل الناس واختراعاتهم ومساهماتهم وابتكاراتهم.. ولا نقدم شيئا من عندنا..، والأنكى أننا نصفهم بأبشع الصفات ونشتمهم ونسيء إليهم ثم نهرول للاستفادة من إسهاماتهم الحضارية والحياتية..؟!
في شوارعنا وفي بيوتنا وفي أخلاقنا وفي تعاملاتنا وفي تجاراتنا وفي مناهج تعليمنا في أسلوب دعوتنا وفي طرق خطابنا وفي كل الامور, لم نقدم منذ عقود طويلة ترجمة فعلية لحسن إيماننا بهذا الدين العظيم، بل العكس هو الصحيح، قلبنا كل حسن إلى قبح بسوء فهمنا وبلادة فكرنا ندرة مبادراتنا..؟! 
وبدلا من أن نتدبر آيات الله فنعمل على تحقيق التفاعل معها من خلال أعمال حضارية تفيد البشرية كلها وليس فقط المسلمين... ارتضينا القعود عن كل عمل إيجابي حتى أصبحنا و»اللا شيء» .. مترادفين في المعنى والدلالة والأثر..؟!
ضمور فكري حاد
لقد أصبنا أيها السادة بضمور حاد في «عضلاتنا الفكرية»، وبكسل مرضي في «خلايا التدبر«برؤوسنا، وبموت سريري لمنظومة العمل والانتاج، وبتنا عند كل مفصل حياتي نراقب أعمال الآخرين من حولنا ونتابع خطوة بخطوة تقدمهم وتطورهم وإساهاماتهم... ولا نقدم سوى «مصمصة الشفاه» و»الحوقلة» و»الحسبنة» مع قليل من لزوم تعابير الوجه الزائفة كضرورة من ضروريات اتقان الدور..؟!
نعم... ربما يكون الكلام قاسيا... ولكن صدقوني الأقسى.. أن هذا هو الواقع..؟!
إننا - ولنعترف بذلك- أسياد ثقافة الاستهلاك والتواكل في كل أمور حياتهم.. لا نريد السعي للعيش في رغد ثقافة الإنتاج والحضارة وفي نعيم حسن التفاعل مع كتاب الله وسنة رسوله الكريم، لأننا أصبحنا نعيش وفق قاعدة «كل عامل قد يخطئ... ونحن لا نعمل حتى لا نخطئ»..؟!
منطق «إبليسي أرعن».. تأصل في عروقنا وانتشر في سائر أعضاء الجسد، فألفناه وتعودنا عليه وعشنا معه لسنوات وسنوات، ثم «أبدعنا» في التعامل معه فاعتبرنا كل دعوة للعمل أو للمراجعة أو للوقوف مع أخطاء الذات بهدف الإصلاح.. اعتبرناه رجساً من عمل الشيطان . وما لصاحبها سوى الرجم أوالنفي أوالعذاب، أو طبعا... اتهامه بما يليق... و «لحسن الحظ» صندوق التهم عندنا.. جاهز ومنوع ومتجدد ..؟! 
أحيانا أنظر إلى بعض هؤلاء الذين حرفوا مسار الفكر الديني عن أصوله وحولوه إلى ما يشبه (البزنس العائلي) الذي يبتغي الكسب فقط لنفسه ولو على حساب الناس كلها، واطلقوا في سبيل حمايته كل منكر وكل فساد، فأتذكر عبارة سمعتها منذ الصغر يقول فيها صاحبها: (طوبى لمن تعلم ليخدم دينه، والويل لمن تعلم ليخدمه الدين)..؟!
نريد وعيا دينيا - إنسانيا
إن الناس الغارقين في أطنان من المآسي والمعاناة قد ملّوا من معارك كل المتكلمين على الساحة الإسلامية اليوم بلا استثناء..وملوا من سطحية الحديث ومن قشور المركَّز عليه...
بل أقول لكم الحقيقة المؤلمة..
لقد ملوا من الكلام كله، لأنهم لم يروا منكم إلا الكلام... ولا شيء غيره..؟!
فالناس يحتاجون إلى العمل الذي ينعكس بفوائده على أبنائهم.. 
يريدون أن يشاهدوا إنجازاً عملياً واحداً يعيد الثقة إلى قلوبهم.. 
يطالبون بتحرك حضاري- إنساني يشعرهم أنهم بشر وأنه ما زال من المتحدثين من يهتم بقضاياهم وأمورهم الحياتية.. 
الكل يتحدث عن التقوى .. والكل يتحدث عن الإيمان.. والكل يتحدث عن العدالة.. ولكن من الذي يترجم حديثه إلى عمل يصدق أقواله..؟!
لقد انقلب فكرنا حتى عادينا أنفسنا ووواقعنا وحياتنا..فاختفى أثرنا.. وتشوهت أدوارنا.. وفقدنا متعة العيش في ظل رقي ديننا العظيم... فضاعت الحياة وأسأنا إلى ديننا.. ولا يبرر أحد سوء الواقع بأن الظروف صعبة.. فدور أي مصلح في كل زمان ومكان أن يتفوق على الظروف وأن يجعلها حافزا للتقدم والإبداع والتطور.. لا «شماعة» لتعليق كل تأخر عليها..؟! 
في كتابه «الإسلام والطاقات المعطلة» كتب الشيخ محمد الغزالي يقول: «إن التأخر والجمود والهوان لا تجد أوعية أفضل لها من تلك النفوس المغلقة والحواس المعطلة والمواهب المطموسة، ولنقلها صريحة... إن أمتنا محتاجة إلى أن تجيد فن الحياة ... وقبل أن تصل إلى درجة الإجادة المنشودة، لن يصلح بها دين، ولن تصلح لها دنيا..؟!».. 
هذا كلام قاله عالم مجدد محروق القلب.. قبل أكثر من ثلاثين عاما...؟! 
فيا ترى ما كان سيكتب الشيخ الغزالي لو عاش في عصرنا المخزي ..فرأى ما نراه اليوم وعاش ما نعيشه..؟!


bahaasalam@yahoo.com



أخبار ذات صلة

في ظل تنامي مأساتهم وازدياد الإضطهاد بحقِّهم: تقاير تؤكِّد تحوُّل [...]
هاشم: التجديد هو أن نبعث في تراثنا الحيوية لا أن [...]
إغاثة الملهوف... واحترام إنسانية الإنسان