بيروت - لبنان 2021/04/14 م الموافق 1442/09/02 هـ

في ظل الفساد واليأس والظلم المنتشر: المسؤولون يتحفوننا بحسن النوايا.. وفقط حسن النوايا..؟!

حجم الخط

حقيقة أقول... لم يعد المواطن اللبناني يدري ما الذي يحصل في بلادنا؟!..

كل شيء يسير عكس المطلوب حتى بات الإنسان يائسا مستسلما ينتظر - لا أقول الانهيار - وإنما اكتمال الانهيار الذي بتنا نعاني منه في شتى المجالات..؟! اجتماعيا واقتصاديا وأسريا وتربويا وصحيا وسياسيا وبيئيا و...

نحن في انهيار شامل لم يسلم أحد من اللبنانيين ومع ذلك ما زلنا ننتظر المزيد..؟!

فالناس اليوم يعيشون في تشاؤم مستمر يكبر يوما بعد يوم.. لا لإنهم متشائمون بطبعهم، ولكن لأنهم وبكل أسف متشائمون (بلبنانيتهم) التي باتت عبئا عليهم في كل النواحي الحياتية..؟!

والأسوأ أن الناس جميعا ينظرون يمينا وشمالا... ويتأمّلون في كل ما يقال من وعود كاذبة، فلا يرون إلا الفساد والخبث والمشاكل والمعارك والحروب والعصبية والمذهبية والتخلّف الفكري والعلمي والعملي.. فأي تاريخ هذا الذي نعمل على كتابته..؟!

روى التاريخ لنا أن ملكا من الملوك رأى فلاحاً عجوزاً في التسعينات من عمره يغرس شجرة زيتون، فقال له: «لماذا تغرس شجرة الزيتون وهي تحتاج إلى عشرين سنة لتثمر وأنت عجوز في التسعين من عمرك، وقد دنا أجلك؟»، فما كان من العجوز إلا أن أجابه بلسان العقل الإيماني: «السابقون زرعوا ونحن حصدنا ونحن نزرع لكي يحصد اللاحقون»..؟!

نحن اليوم كلبنانيين لم نأكل من غراس السابقين فحسب، بل أصابتنا التخمة ثم رحنا «بفخر خادع» نشوّه ما زرعوا، وفوق كل هذا كان زرعنا للاحقين من بعدنا شجرا خبيثا لا يثمر إلا العلقم المرّ..

وهنا نسأل...

أين مساهمتنا في كتابة تاريخ اللاحقين الفكري من إنتاج أدبي وشعري علمي وفقهي ودعوي..؟!

وأين نحن من كتابة تاريخ اللاحقين في المجال الإبداعي والفني الراقي..؟!

إننا أيها السادة الكرام نعيش في زمن نحتاج فيه إلى «نفضة» قوية تزيل كميات الأتربة المتراكمة منذ سنوات فوق رؤوسنا حتى حجبت النور عن سمائنا..

ونحتاج أيضا إلى إعادة تشكيل نظرتنا لمعنى الحياة ولدورنا المطلوب فيها وأننا لسنا مجرد كائنات تأكل وتشرب وتستمتع ثم ترحل، وإنما نحن بشر كرّمنا الله تعالى وفضّلنا على سائر المخلوقات حتى نعمل ونبدع ونصلح ونعمل عقولنا في كيفية عمارة الأرض فنقدّم للمستقبل تاريخا مشرفا يفخر به الأبناء والأحفاد، ومن هنا ندرك لماذا وصف الله تعالى هؤلاء الذين يرفضون الاعتراف بهذه الحقيقة فقال: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ}..

النيّة لا تكفي

وقمة الكوارث أن كل مسؤول أيا كانت مسؤوليته يخرج علينا ليعلن طيب نواياه وأنه يحمل في قلبه كل المشاعر النبيلة، وجميل أن تكون نيّة الإنسان طيبة وصالحة، وجميل أيضا أن يعلن هذه النية جهارا وأن يعلم الناس بها، ولكن أبدا ليس بجميل أن تكون النية هي كل أعماله.. بينما جوارحه بكل أنواعها متقاعسة عن العمل الصالح الذي يؤيّد هذه النية..؟!

ولذا نقول أن مجتمعنا اليوم يعاني من زيادة مفرطة في حسن النوايا.. ومن فقر مدقع في ترجمة هذه النوايا إلى أعمال صالحة..!!

فالكل يحمل في نفسه النوايا الطيبة، والكل يعبّر عنها بجميل الكلام بل ويبني على أرضها قصورا من الأحلام، فإذا ما عاد إلى «لبنانيته» انهارت الأعمدة على رأسه وعلى رأس من معه!!

وفي الوقت الذي اقترن فيه صلاح العمل بطيب النوايا في فكرنا الإسلامي الصحيح، يعيش المسلمون في بلادنا اليوم - ككل اللبنانيين - بجناح النوايا الوحيد الذي يعاني من غياب جناح الأعمال الصالحة، فكانت النتيجة فسادا متراكما لسنوات يحتاج لإزالته إلى سنوات أكثر..؟!

في تعاملنا مع الفقر... نوايا ولا عمل..

في تصدّينا لأمواج الفساد... نوايا ولا عمل..

في فكرنا... نوايا ولا عمل..

في سلوكنا.. نوايا ولا عمل..

في تصرّفاتنا... نوايا ولا عمل..

في تغييرنا للمنكر... نوايا ولا عمل..

في تطوير أساليبنا الدعوية... نوايا ولا عمل..

في الحفاظ على الأسرة من المخاطر المستجدّة .. نوايا ولا عمل..

بل حتى في وقاية النيّة نفسها من الانحراف.. مجرد نوايا طيبة ولا عمل...؟!

مجتمعنا أيها السادة متخم بالنوايا الطيبة التي لا تغني ولا تسمن من جوع، بل هو عما قريب سيصبح الوكيل الرسمي والحصري «للنوايا الطيبة في منطقتنا العربية»، ولكن للأسف وكيل بلا زبائن... وبلا بضاعة.. وبلا مصداقية..؟!

ولعل أسوأ ما في الأمر أن حتى الدعاة الذين من المفترض أنهم أفضل الناس.. بات بينهم جميع كبير من «المدّعين» الذين يشجعون على هذا الإعوجاج واضعا إياه تحت ستار التوكل تارة والعجر عن عمل آخر تارة أخرى...

فرأينا معه كثيرا من المسلمين يعتزلون المجتمع ويتقوقعون على أنفسهم.. ولا همّ لهم سوى الدعاء والذكر الخالي من العمل وهم يرددون بلسان كذب... «نيّتنا التغيير نحو الأفضل..؟!»..

أي تغيير وأي إصلاح هذا الذي تدعون وأنتم عالة على المجتمع ودخلاء على الناس..؟!

فيا أيها المسؤولون والدعاة أولا وقبل أي أحد...

«إنما الأعمال بالنيّات».. حديث نبوي شريف افتتحت فيه معظم كتب السنّة النبوية وفيه دلالة واضحة لكل ذي عقل على أن النية وحدها لا تكفي، وإنما لا بد معها من عمل صالح وصادق ومخلص يترجم هذه النية إلى كيان علمي أو ثقافي أو اجتماعي أو تربوي أو إلى أي عمل واضح ليكون الحكم عليه صحيحا، وإذا ما استمر المجتمع بمختلف مجالاته مقتصرا على النوايا فسيبقى تطوّره وتقدّمه... مجرد نيّة..!!



الشيخ بهاء الدين سلام

bahaasalam@yahoo.com


أخبار ذات صلة

التحكم المروري: حركة المرور كثيفة على اوتوستراد الرئيس لحود باتجاه [...]
هيل يلتقي الرئيس سعد الحريري في بيت الوسط
السعودية: على المجتمع الدولي أن يتوصل لاتفاق مع إيران بمحددات [...]