بيروت - لبنان 2020/12/05 م الموافق 1442/04/19 هـ

في ظل غلاء الغذاء وفقدان الدواء .. أين الأدوار الوطنية للمؤسسات الدينية والجمعيات الخيرية؟

حجم الخط

من المعلوم للجميع أن الإسلام الحنيف.. ذلك الدين الربّاني المبارك قد تضمّن في أصول تشريعاته ما ينصلح به حال البشر من كافة النواحي، ولذا اشتهر بين أهل العلم ما يعرف بالكليّات الخمس، وهي ما يقصد بها الدين والنفس والعقل والنسل والمال، ولذا جاءت الشريعة الإسلامية بأحكام جامعة تحفظ هذه الكليّات وأمرت بما يضمن استمرارها ويقيها من كل ضر أو شر أو فساد أو سوء...

ويكفي دلالة على ما نقول قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه البخاري (مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِناً فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا)... وما الأمن والعافية والقوت إلا حفظ للدين وللنفس والمال والنسل والعقل...

ولكن في انتقال سريع إلى واقعنا المعاصر نجد أن جلّ هذه الكليات قد فقدت من حياة الناس اليوم حتى بات أغلبنا لا يجد سبيلا للحفاظ عليها سوى الدعاء...؟!

فالأمن مفقود.. والغذاء في غلاء مستمر... والدواء رغم فقدانه فهو ممنوع على الفقراء... والحصول على مدخول مالي ثابت وكافٍ ضرب من ضروب الخيال.. فأي مجتمع هذا الذي نحن فيه...؟!

ولكن رغم كل شيء.. فإن قضية الدواء اليوم تحتل المرتبة الأولى، وذلك لخطورتها في حياة المرء، إذ إن الإنسان قد يصبر على جوع وعلى فقر وعلى حاجة.. أما المرض فلا قدرة لأحد أن يصبر عليه خاصة في ظل غزارة انتشار الأمراض والسموم في أيامنا هذه..

أين التحرّك الصحيح؟

ومن هنا نسأل وبكل صراحة ووضوح..

لماذا لا نرى تحرّكا وطنيا من المؤسسات الدينية والجمعيات (الذي تتكاثر كل يوم في مجتمعنا) لسد حاجة الناس في هذا الباب الواسع الذي يذهب ضحيته المئات بل الآلاف ولا يحرّك المسؤولون ساكنا...؟!

ولماذا لا نرى لقاءات موسّعة تجمع بين كل الأطياف لتعلن رفضها التام وعملها الدؤوب لمعالجة مشكلة الدواء الذي بات شبه مفقود في بلادنا..؟!

ولماذا أيضا لا يعتمد هؤلاء خطة وطنية إنسانية تسعى لتأمين الدواء إلى كل مريض أيا كان دينه أو مذهبه أو طائفته...؟!

وأعلم تماما أن البعض يقدّم (خمسين ألف أو مائة ألف ليرة) ولكن ماذا تفعل هذه الليرات في بلد الدواء فيه أشبه بقطعة ألماس من حيث الندرة والغلاء...؟!

وهل الأولى بالمرجعيات والمؤسسات والجمعيات إصدار البيانات أو إقامة الاحتفالات بمبلغ وقدره...؟! أم السعي إلى تأمين كافٍ ودائم (وأكررها... كافٍ ودائم) لأدوية المرضى الذين باتوا يعيشون في عصر وفي بلد لا يشعرون فيه بمن يسأل عنهم وعن أحوالهم وأمورهم...؟!

إن رب العائلة في بلدنا وفي ظل (تسونامي) الغلاء والوباء والفساد الذي يضرب كل نواحي الحياة يعجز عن تأمين أبسط ضروريات الحياة الكريمة لأسرته خاصة في ظل الفساد المسيطر على كل ما في هذا البلد من مؤسسات، فما بالكم إن كان الأمر متضمنا لأدوية يتجاوز ثمنها مئات الآلاف..

فهل يستطيع شراؤها أو تأمينها لمن مرض من أفراد أسرته...؟!

وإن عجز هل يستطيع أن يصبر على المرض أو يؤجّل علاجه...؟!

إن الإنسان في بلادنا في كلتا الحالتين محروق بنيران ينفخ لإزكائها من أهمل وتهاون وتخاذل بل وتآمر.. في متابعة أمور شعبه أيا كانت مسؤوليته...؟!!

نعم... بين اللبنانيين اليوم خبرات وطاقات واعدة أٌقْعِدت قصرا في بيتها بسبب العجز عن معالجة المرض..؟!

ونعم.. بينهم عقول مفكرة باتت طريحة الفراش بسبب قلّة ذات اليد... ؟!

وبألف نعم... بينهم من مات على أبواب المستشفيات أو في بيته وهو عاجز عن متابعة مراحل علاجه وعن تأمين ثمن الدواء...؟!

والمضحك - المبكي... أن هذا كله يحدث ولا أحد من (اللامسؤولين) يتحرك أو يعمل لمعالجة هذا الفساد، متغافلين عن الحقيقة التي تقول أن الأجساد العليلة والبطون الخاوية لن تنتج إلا جيلا ذليلا... واهيا... جاهلا... متطرفا وأميّا.. فهل هذا مطلبكم أم هو يا ترى هو هدفكم...؟!

متى نثور على أنفسنا؟

فيا كل المسؤولين والمرجعيات والجمعيات والمؤسسات الخيرية.. بل يا كل المعنيين بأمور الناس في لبنان.. 

ربما - وأقول ربما (؟!).. تكون نواياكم مخلصة..

وربما (؟!).. تكون كلماتكم التي تطلقونها هنا أو هناك صادقة..

وربما (؟!)... تكون دوافعكم صافية..

ولكن التاريخ البشري كله.. منذ بدايته وحتى اليوم.. أثبت بما لا يدع مجالا للشك أن النوايا الحسنة والكلمات الصادقة والدوافع الصافية لا تبني أوطانا ولا تقوّم مجتمعات ولا تحدث إصلاحا... إلا إذا ترافقت مع العمل الجاد والمستمر والدؤوب..؟!

ولذلك.. وبكل صدق نقول... نحن أمام حالة مرضية جماعية استفحلت آثارها في المجتمع حتى أصبح التخلّص منها أمر عسيرا، والعسر المقصود هنا ليس في سبل أو إمكانية العلاج، ولكن في المرضى أنفسهم الذين ارتضوا الخمول نهجا.. والتكاسل سبيلا.. والتواكل شعارا.. والمصلحة الخاصة هدفا..؟!

فالعسر.. في نفوس استحكمت فيها (الأنا).. والتصقت بها (المصلحة).. وامتزجت بأصل تكوينها (الشخصانية).. والأنكى... أنها في غفلة من الزمن أصبحت في سدّة المسؤولية وأصبح لها أتباع يؤيّدونها ويصفّقون لها..؟!

وبالتالي فإن المشكلة فينا كشعب أننا ثرنا على كل الأوضاع الخاطئة إلا على شخوصنا المعتلة، وأننا رفضنا كل الإعوجاج من حولنا وأبقينا على عوج دواخلنا، وأننا أيضا أعلنا فساد كل الفاسدين إلا من كان «مننا».. أو من جماعتنا...؟! فانعدمت الثقة وضاعت المصداقية وأصبح حتى كلامنا المحق ودفاعنا الصادق محل شك، والسبب تلك السوابق التي تشهد بعكس ما ننادي به اليوم..

أيها الشعب اللبناني بكل انتماءاته... نحن نحتاج قبل أي شيء إلى ثورة داخلية تعيد فطرة المتحدثين إلى طبيعته حتى لو كانت تلك الثورة في وجه أنفسنا.. وإلا... فلا حياة لمن تنادي...؟!



bahaasalam@yahoo.com


أخبار ذات صلة

قرار جديد لفهمي حول التعبئة العامة.. هذا ما تضمنه
التحكم المروري: قتيل إثر انزلاق دراجة نارية على أوتوستراد الأسد [...]
الأمطار في طرابلس تحولت الى نقمة بفعل الاعمال