بيروت - لبنان 2020/04/08 م الموافق 1441/08/14 هـ

قراءات لما وراء حالات الإنتحار في لبنان

ترك الشباب وإهمال قضاياه أسباب رئيسة... وجميعنا مسؤول عنها..؟!

حجم الخط

لا شك أن قتل النفس محرّم بنص القرآن الكريم، ولا مجال لأن يقول أحد أيّا كان بحلّها مهما اشتدّت الأزمات أو وقيت الأسباب على الإنسان، فقد قال الله تعالى {وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا}، كما قال النبي  صلى الله عليه وسلم: «من قتل نفسه بشيء عُذب به يوم القيامة»..

ولكن في الوقت عينه ليس لأحد أن يطلق الأحكام جزافاً كيفما شاء ليكفّر كلّ منتحر وليقول عنه ما لم ينزل الله به سلطانا...؟! فالأمر ليس بهذه البساطة التي يعتقدها البعض.

ودعونا بداية نقول أن الإنتحار الذي ساد في بلادنا مؤخرا ليس وليد الصدفة ولم يأتِ فجأة، بل ولم يظهر بين ليلة وضحاها، إنما هو نتيجة سنوات سوداء من التخلّي الشامل عن إنسانية الإنسان حتى بات المواطن في بلادنا مخزنا ضخما لمزيج من الأمراض النفسية والفراغات الروحية والتناقضات التفسيرية للدين التي أوصلت بدورها إلى حالة من التشتّت والانكسار والاحباط..

ومن هنا إذا أردنا أن نكون عادلين ومنصفين في أحكامنا فعلينا أن نحاكم كل مسبّب وكل مقصّر وكل مشارك في هذه الحالة العبثية التي عاشها هؤلاء الذين انتحروا... ليس فقط لأنهم كانوا من أبرز أسباب انتحار من انتحر... ولكن أيضا لأنهم ما زالوا فتنة تدعو لانتحار كل من تشابهت حياتهم مع حياة من انتحر سابقا...

ثم إن الحديث عن الانتحار والمنتحرين بطريقة عدوانية لا إنسانية، لم تتقن إلا جلد المنتحر ونعته بأبشع الصفات حتى وصلت بالبعض إلى مرحلة تكفيره...؟! ليس أبدا من صفات المؤمنين ولا من سمات المسلم الحق الذي يعلم تمام العلم أن ما إنسان يقدم على قتل نفسه إلا لو كان مغيباً.. أو مريضاً... أو مجنوناً... وللأسف المسؤولون في بلادنا أوصلوا المواطن إلى كل الصفات السابق ذكرها...؟!

أسباب خفيّة

لقد بيّن الإسلام الحنيف أن تنشئة الإنسان السويّ ليس مهمة فردية، بل هو عمل جماعي تتضافر فيه جميع المكوّنات التي تؤثّر في بناء الفكر والمفاهيم عند هذا الإنسان مع اختلاف حجم المسؤوليات، فللأبوين دور، وللمعلم دور، وللمسؤولين دور، وللدولة دور، وللدعاة دور، وهكذا حتى تتوحّد الأدوار على هدف سامٍ واحد .. وهو بناء الإنسان السويّ مع مراعاة فارق القدرات والملكات.

فللأهل مثلاً نجد موعظة لقمان لإبنه حين قال له: {يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِير}. 

وفي عظم دور المعلم نجد حديث النبي  صلى الله عليه وسلم فيما رواه الترمذي: «إن الله وملائكته وأهل السموات والأرضين، حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير».

أما في أهمية تأدية الحاكم والمسؤول لواجباته تجاه المحكومين نجد قول الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ}، كما نجد من الأحاديث الكثير منها تحذير النبي  صلى الله عليه وسلم الحاكم الغاشَّ لرعيته والظالم في قوله: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ»، وكذلك قوله  صلى الله عليه وسلم: «مَن وَلَّاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ شَيْئًا مِن أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ فَاحْتَجَبَ دُونَ حَاجَتِهِمْ وَخَلَّتِهِمْ وَفَقْرِهِم احْتَجَبَ اللَّهُ عَنْهُ، دُونَ حَاجَتِهِ وَخَلَّتِهِ وَفَقْرِهِ»، وقوله  صلى الله عليه وسلم: «كُلُّكُم راعٍ، وكُلُّكُمْ مسؤولٌ عَنْ رعِيَّتِهِ: الإمامُ راعٍ ومَسْؤُولٌ عَنْ رعِيَّتِهِ، والرَّجُلُ رَاعٍ في أهلِهِ وَمسؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالمَرأَةُ راعيةٌ في بيتِ زَوجها وَمسؤولةٌ عَنْ رعِيَّتِها، والخَادِمُ رَاعٍ في مَالِ سَيِّدِهِ وَمَسؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وكُلُّكُم رَاعٍ ومسؤُولٌ عَنْ رعِيَّتِهِ» متفقٌ عَلَيْهِ، ومقصد كل ما سبق ذكره هو تحقيق العدل ومنع كل صنوف الظلم التي حرمها الله تعالى وبالتالي تربية إنسان سويّ سليم الفطرة يشكّل مع غيره مجتمعا صالحا.

وبقراءة عكسية لما سبق، يمكن لنا أن نقول أنه حين يتربّى الإنسان في مجتمع لا عدل فيه ولا تربية صالحة ولا علم ولا أخلاق ولا مسؤولية ولا تأمين لأي من الضروريات التي كفلها الله تعالى له، فإن النتيجة الطبيعية أننا سنرى بأعيننا نماذج بشرية لم تفهم حقيقة الدين ولم تستطع أن تتعامل مع الحياة بكل ما فيه إلا بطريقة سلبية بعيدة كل البُعد عما أمر الله تعالى..؟!

فكيف إن كان هؤلاء قد تربّوا منذ طفولتهم في مجتمع شرعن الفساد.. وحرّف الحقائق.. وقنّن الظلم.. وشوّه المقاييس.. وأباح سرقة حقوق الرعية ليزداد الراعي منه..؟

كيف سيكون حالهم وهم قد تربّوا في مجتمع جعل كلّ قوي على حق وإن كان ظالما، وكل مظلوم متهما وإن كان على حق..؟!

كيف ستكون طرق مواجهتهم لتحدّيات الحياة وهم يرون كل يوم أن الحصول على أبسط حقوقهم هو حلم بعيد المنال...؟!

بل كيف وهم لم يروا من أمور دينهم إلا كل تشويه وتفرّق وتشتّت وتخاصم..؟!

طبعا.. لا أقول هذا الكلام تبريرا للانتحار.. ولكن أقوله لأن الله تعالى قد أمرنا أن نقول الحق وأن نظهر الحق حتى لا يُكرر الباطل في المجتمع... مثنى وثلاث ورباع..؟!

وأقوله أيضا حتى يعلم «من لا يريد أن يعلم...؟!»، حجم الجرائم التي ارتكبوها في مجتمع لم يعد يرى في حياته إلا استمرارا لمسيرة الذل والقهر والظلم والفساد..؟!

كلمة أخيرة

إن في ديننا أيها السادة أوامر صريحة ودعوات واضحة لبناء كرامة الإنسان وللحفاظ عليها من كل تشوّه أو نقصان وخاصة في حاجياته الضرورية التي لا غنى عنها لأي كان، ولذلك قال ابن حزم رحمه اللّه: «فرضٌ على الأغنياء من كل بلدْ أن يقوموا بفقرائها، ويُجبرهم السلطان على ذلك إن لم تقم الزكوات بهم، ولا في سائر أموال المسلمين، فيُقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لا بد منه، ومن اللباس في الشتاء والصيف بمثل ذلك، وبمسكن يُكًنُّهم من المطر والصيف والشمس وعيون المارة..»...؟!

فأين كل هذا في المجتمع؟.. وأين البناء الصحيح.. والتعاليم الراقية.. والعمل الجماعي الحضاري الذي أمرنا به ديننا الحنيف؟.. وأين تحمّل المسؤوليات والقيام بالواجبات كما ينبغي..؟!

صحيح أننا اليوم نرى مبادرات فردية تعبّر عن صدق واخلاص الأشخاص من هنا أو هناك، ولكن المطلوب أن تكون هذه الأمور أصل في المجتمع، وان تكون كرامة الإنسان في كل ضروريات حياته مصانة، من مأكل ومشرب وملبس ودواء ومأوى وحق في التعليم وحصول على العدل وغيرها...؟!

صدّقوني... إن هؤلاء الذين أقدموا على قتل أنفسهم... لم يعرفوا أصلا معنى الحياة، ولم يشعروا يوما بإنسانيتهم التي كرّمها الله تعالى في كتابه الكريم، ولذلك ما إن حانت الفرصة لهم للتخلّص من تلك «الميتة» التي كانوا يعيشونها حتى بادروا إلى التخلّص منها...؟!

نسأل الله تعالى أن يرحمهم ويغفر لهم ويخفـّف عنهم... وأن يجعل لكل من كان سببا في هدم الحياة عند أي إنسان ما يستحق من العذاب..؟! 

bahaasalam@yahoo.com


أخبار ذات صلة

فرنسا: 541 حالة وفاة جديدة بكورونا والإجمالي 10869
وزير الصحة من مستشفى البترون الحكومي: سنبدأ الاسبوع المقبل بأخذ [...]
تراجع جديد بوفيات "كورونا" في إيطاليا.. والأرقام مشجعة