بيروت - لبنان 2018/10/16 م الموافق 1440/02/06 هـ

كيف يعود رمضان شهراً للإبداع

حجم الخط

«خير الكلام» المسموع من الشيخ بهاء الدين سلام  يواكب خير الكلام المكتوب منه  الذي كان حديث الجمعة ليوم 1/6/2018 وهو قوله «ان رمضان شهر للإبداع  ولانطلاق الأمة نحو حياة جديدة بالعمل والاجتهاد والعلم». وقد دفعني ذلك الى اقتراح أفكار عملية تتمثل في الفصل  بين العام والخاص وإعادة العمل بالمعنى الأصلي للتقوى وبإقامة متحف تراثي اسلامي. 

الفصل بين الخاص والعام 
أتى حين من الدهر ساد فيه التداخل بين  زمن بيروت  ومكانها كما تجلى في روزناماتها أو نتيجتها كما يسميها الطرابلسييون، وأعني به الزمن الزراعي المعروف بالسنة المالية والزمن الديني والروحاني الإسم المعبّر عنه بالتقويم  الهجري والزمن الدنيوي المتمثل بالتقويم الشمسي الغريغوري السائد وهو الروحاني اصلاً الميلادي؟. وقد خلط كثير ممن عدّوا  مؤرخين أو كتبة تاريخ بين السنة القمرية (الهجرية) والسنة المالية. واصل هذه الاخيرة ان مصروف الدولة العثمانية كان يتم استناداً الى التقويم القمري، بينما كانت الموارد لاسيما المواسم الزراعية تجنى في الربيع، ولسد هذا الخلل أصدر السلطان سليم الثالث أوامره  الى الدفتردار (وزيــر المالية) بأن ينظم الشؤون المالية في الدولة اعتباراً من أول شهر آذار الشرقي سنة 1789 ميلادية  الموافق لسنة 1205 هجرية. فكان بدء السنة المالية في أول آذار الشرقي. 
وقد اختلط التداخل في الزمان، وتداخل التقويم القمري ورمزه الهلال بالتقويم الشمســــــي فيما كانت الدوائر الرسمية تحدد أعمالها بالسنة المالية أو القمرية الهجرية كانت الساعات التي نحملها في معاصمنا تسير وفقاً للتقويم الشمسي فيما كان التقويم القمري أو ما عرف بالساعة العربية مرتبط بالمفهوم الإسلامي للزمن بحيث أن اليوم يبدأ من ساعة الغروب وكانت العامة ولا تزال تقول الخميس ليلة الجمعة أي أن يوم الجمعة يبدأ من غروب شمس نهار الخميس وهذا الحساب لا يزال معمولاً به في شعائر الدفن والعزاء. ووفقاً لقاعدة تغير الأحكام بتغير الأزمان، فبعدما كانت وثائق الولادة العثمانية تحدد الزمن استناداً الى السنة الهجرية الهلالية الروحانية غدت الوثائق بعد انتهاء الحكم العثماني تحدد الولادات بالزمن الشمسي الغريغوري وأن كانت قد أهملت احياناً تحديد يوم الولادة ما استدعى بالنسبة لموظفي الإدارة العامة اعتبار نصف سنة الولادة من حق الموظف والنصف الآخر من حق الدولة. 
ويطغى الزمن الروحاني على المكان في المسيرات الدينية سواء في الأعياد أو في سفر وعودة الحجاج واستقبالهم بالرصاص  مع ان الحج عبادة يستحب عدم إفشائها على عكس النكاح. وقد اجتمع في بيروت خطان متوازيان الخط الديني المتمثل في شيوخ الزوايا الصوفية التي كانت منتشرة في الأحياء ، والخط الثاني هو الخط السياسي الذي تمثل بالسلطة المركزية المحلية. ومع انتقال السلطة من العثماني الى الفرنسي  ثم اللبناني ومع هدم الزوايا والتكايا بذريعة هدم الأبنية القديمة وتوسيع الشوارع، تراجع الخط الديني على حساب الخط السياسي وبدل تقديم النذور لضريح الولي وطلب الشفاعة من شيخ الطريقة، أضحى الزعيم السياسي مقصداً لقضاء الحاجات وتراجعت الواسطة الدينية لحساب الواسطة السياسية ونشأت حركتا رفض واحدة ترفض التأثير الديني والتوسل. والثانية ترفض الواسطة السياسية تحت ستار الديمقراطية والمساواة في الحقوق والموجبات وحل السياسي محل الديني في تقديم وجبات الطعام للفقراء وفتح  مراكز لعلاجهم والتبرع للمؤسسات الخيرية الاجتماعية والتربوية للأيتام وأصحاب الدخل المعدوم وظهر اختلاط الخاص بالعام في احتلال الساحات والطرقات والأرصفة عند صلاة الجمعة  وفي مناسبات دينية كمسيرات الموالد بالطبول أو في صلوات العيدين. واختلط العام بالخاص ففي المسجد الذي يقام في طابق أرضي من بناء يغدو من غير المستغرب أن يشاهد بعض المصلين بثياب النوم بيجاما أو دشداشة وصرماية عتيقة (يوجد دوماً من يتركها ويذهب بحذاء جديد) متناسين الوصية «خذوا زينتكم عند كل مسجد...» ووصل اختلاط العام والخاص الى  بسط  التاجر بضاعته على الأرصفة وإيقاف السيارات الخاصة في الطرق العامة واحتلال المطاعم والمقاهي للطرقات والساحات واقفال الشاطىء امام العامة  الخ. 
إعمال العمل بالمعنى الأصلي للتقوى
  والتقوى التي هي الأصل الأول للأخلاق التقوى التي أريد بها إحكام العلاقة بين الإنسان والخلق وبين الإنسان والخالق ولا يراد بها الذل والزهد في الدنيا والانكسار. وفضيلة التقوى تتمثل في أمرين: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يعتريهما ما يعرض للنفس الإنسانية من ضعف في طباعها وأهوائها كالنفاق والرياءوإيثار العاجلة والرضوخ  للشهوات .وليس  الخلل في النصوص ولكن في ضعف في النفوس وفي تغليب المصلحة الخاصة على غيرها. فغدت الفردية  والتشبث  بالرأي هو الصفة الغالبة  كمثل ما ذكره الأديب التركي عزيز نيسين في رواية تدور في معرض فني ترأسته فنانة مشهورة روت للحاضرين حلماً عجيباً فيما يراه النائم انها كانت تسير في ساحة واسعة وفجأة صاح رجل يطلب من الناس ان يقف كل منهم مكانه لا يبرحه وان يقوم كل منهم برسم دائرة حول المكان الذي وقف فيه ، وحذرهم من تخطي الدوائر تحت طائلة أفدح النتائج. وانتهى الحلم بأن أياً من الواقفين لم يحاول ولم يجرؤ على الخروج من دائرته الوهمية. وهما اختلفت الشعارات والنظريات الا انها كلها  في حقيقتها متشابهة كما تشبه الورقة النقدية الحقيقية الورقة النقدية المزيفة والفرق بينهما وجود رصيد لواحدة وانعدامه للأخرى.ويصح القول ان المؤتمرات تستعيد القرارات والآراء التي وصفت بأنها «قليلة الأنصار» حتى غدت كالصوت والصدى.  وقد وقع البعض تحت تأثير سحر شعارات اعتقد انه صاحبها وانه قادر على تطبيقها وتطويعها، فأصبح أسيراً لها كما حصل مع زائر سحرته امرأة جميلة كانت تغزل حريرها وأخذ بطلبها يلف الخيط مسروراً حول يديه، وفجأة لاح له بريق في عيني المرأة توجس منه شراً وحاول الفرار ولكن الخيوط كانت قد أحكمت قبضتها على يديه فما استطاع منها فكاكاً. 
وما شهدناه مؤخراً من تحالفات كان في حقيقته تحالف الأضداد وهو تحالف بين متناقضين في الرؤى والأهداف والأحلام (أو الأوهام) تحالف عقيم غير ولود، وإذا حصل العكس فلن يلد مولوداً سوياً قابلا للحياة بل كالمولود الذي ذكر في كتاب يعود الى القرون الوسطى(ما أشبه الليلة بالبارحة) بعنوان «فسيولوجس» تخيل فيه كاتبه ان زواجاً تم بين اسد ونملة فولد لهما حيوان عجيب يجمع صفات أبويه معاً، فإذا أكل اللحم رضي الأسد ورفضت النملة ، وإذا أكل الحَبّ رضيت النملة ورفض الأسد، فكان تناقضهما سبباً في فنائهما. ولا يخفى ان بعض الساسة ووسائل الاتصال تخدم نزوات التعصب والفرقة، وقد لبسوا مناظير فوق أنوفهم ينظرون الى  من والاهم من جهة المنظار التي تكبّر وينظرون الى من يخالفهم من الجهة الأخرى للمنظار التي تصغرّ وتبعّد. ان أمراض العقول كثيرة كأمراض الأبدان، ولكن أمراض القلوب هي التي لا حيلة فيها. ولو أن كل حر يقول انا الورد لما بقي للورد معنى إلا ان يكون فجلاً في رفوف سوق الخضار. 
وقد تغير رمضان الجديد عن رمضاننا القديم. فأصبح موائد لإفطارالمتخمين الذين يحبون المال حباً جمّا ويأكلون التراث اكلاً لمّا  ووسيلة لجمع المال الذي لا يعرف مصيره فحبذا لو تتوحد جمعيات الخير في اتحاد بإشراف دار الفتوى ومديرية الاوقاف. 
وأصبح رمضان الجديدمهرجانات ليلية  للرقص والغناء. ومناسبة لمساعدة التجار وتزيين الدروب بدل ترطيب القلوب، فعودة رمضان الاصلي بنبذ بدع الحاضر وتصحيح معنى التقوى وتقديم مرضاة الله على رضا الناس والعودة لتقديم الصدقات بيد يمنى لا تدري بها اليسرى. 
إنشاء متحف للتراث الإسلامي
من المتفق عليه ان احترام التراث الانساني يشكل أحد أهم دعائم المدنية.ومنذ ان فتح المسلمون بيروت، وهم يبنون قواعد المجد فيها ويتركون بصماتهم الباقية آثارها المادية والأدبية. وفي بيروت ولبنان آثار لها وزنها بين آثار العالم ولها قيمتها في نظر التاريخ. لقد تسابقت الأمم الراقية الى ما خلفه جدودها من آثار فاعتنت بها وخصصت لها  مراكز لعرضها  خالقة بذلك حركة اشتركت فيها طبقات الأمة كلها. كما ان إقامة المتاحف وإحياء الآثار يشكل مورداً للثروة ومقصداُ للزوار من مختلف أنحاء العالم. لأن التراث هو لغة عالمية إنسانية تعمل مؤسسات الأمم المتحدة على إقامة المتاحف وحفظ التراث المادي والمعنوي للشعوب والأقوام. 
فهل يتوّج رمضان بإنشاء متحف للتراث الإسلامي من الحتم اللازم ان يضم اللقى الأثرية واللوحات الحجرية التي تؤرخ لبناء مسجد أو زاوية أو سبيل فكل أثر منها يعتبر جزءاً من تاريخ بيروت. ومنها الموجود في مديرية الأوقاف الاسلامية ويمكن ان يتضمن المتحف مجسمات لبعض المساجد والزوايا التي تهدمت أو ازيلت ورسومات تبين مسطحاتها وما ادخل عليها من توسعة وإضافات وان تنقل الى المتحف القبة التي كانت تعلو جامع الأحمدين (الباشورة) التي سقطت أثناء  القصف الاسرائيلي. وان ينقل الصندوق الأثري الذي كان محفوظاً في الغرفة الجنوبية الغربية للجامع العمري الكبير والذي كان يضم العلبة التي حوت ثلاث شعرات من اللحية النبوية الشريفة. وكذلك عمامة المفتي الشهيد الشيخ حسن خالد وما يمكن جمعه من بيوت البيارتة من صور ووثائق ذات دلالة. 
 * محامٍ ومؤرخ



أخبار ذات صلة

المؤتمر العالمي الرابع للأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم
الجمع بين الحجاب والتهتُّك!
الزكاة للإبنة