بيروت - لبنان 2020/06/06 م الموافق 1441/10/14 هـ

مع ارتفاع نسبة المشاكل الزوجية: ابحثوا عن التربية أولا.. وثانيا.. وثالثا..؟!

حجم الخط

لا شك أن كثرة الخلافات الزوجية المنتشرة في مجتمعنا والتي غالبا ما تحول البيوت إلى حجيم تحتم علينا أن نطرح على أنفسنا السؤال الأساسي... وهو كيف تربى هؤلاء المقبلون على الزواج..؟! وما هي القيم والمبادئ والأفكار التي زرعت في نفوسهم وأذهانهم عن كل ما له علاقة بالزواج..؟! بل وما هي الأبعاد النفسية والثقافية والفكرية والسلوكية التي أُشربوا معانيها منذ الصغر، حول موضوع إختيار الشريك، وفترة الخطبة، والعلاقة مع أهل الشريك، وعقد القران، والزواج، وتأسيس منزل الزوجية، وطبيعة الحياة مع الشريك، وما شابه من مواضيع..؟!

إهمال واضح
{ بداية اسمحوا لنا أن نعترف بأن المجتمع من حولنا يعاني من إعوجاج واضح في هذه المسألة، إذ غالباً ما نهمل موضوع تربية الأبناء على حسن اختيار الشريك، ولا أقصد بالإهمال هنا الإهمال المتعمد أو المباشر، وإنما أعني الإهمال الذي يتأثر به الأبناء (ذكوراً أو إناثاً) من خلال معايشتهم اليومية لسوء تصرفات الآباء والأمهات مع بعضهم البعض، أو من فساد العلاقة بين الأم وأهل الزوج، أو عدواة الأب مع أهل الزوجة وما يرافقه من حياة متوترة لا تترك إلا الأفكار السلبية في نفوس الأبناء.
فكل ما سبق يعني أننا بصورة مباشرة، وإن كانت غير متعمدة، نشوِّه معنى ومفهوم الزواج في نفوس وأذهان الأبناء..؟!
فكيف إن أضفنا إليه ما تقوم به وسائل الإعلام من تركيز غير مبرَّر لحالات الطلاق والخلافات الزوجية في المجتمع...!؟
وكيف إن أضفنا إليه أيضا تلك الأصوات التي «تنعق» من هنا أو هناك لتصور الزواج وكأنه سجن أبدي، لا بد من تحطيمه «لينعم» الشباب بحرية العلاقات دون أي إطار محدد.. سوى «إطار الحرية العبثية»...؟!
وكيف إن أضفنا إليه ذلك، النماذج المقيتة والتجارب المؤسفة، التي لا يمكن أن ننكرها رغم قباحتها، وقد يعيشها أحد الأبناء مع والده أو والدته في المحكمة المتخصصة، فيظلم من قاضٍ، أو يتاجر به من قبل كاتبٍ، أو يكون ضحية واسطة قوية، أو حتى يتم استغلاله من قبل محامٍ ماديٍّ جشعٍ..؟! 
وكيف إن أضفنا إليه تلك الأفلام المسلسلات التي تنتج بملاييين الدولارات، ولا تروي سوى قصص الكآبة والمشاكل والهموم والحزن والإحباط التي يسببها الزواج، بينما السعادة والفرح والسرور والبهجة والحياة الوردية الحالمة في «المساكنة» و«المصاحبة» واتخاذ العشيقة دون أي ضوابط دينية أو إنسانية أو أخلاقية..؟!
وكيف إن أضفنا إليه، للمرة الرابعة، الأفكار والمفاهيم المغلوطة التي نصرّ على توارثها جيلاً بعد جيل، حول علاقة الرجل بزوجته وبـ «حماته» وأهل زوجته، أو علاقة المرأة بزوجها وحماتها وما شابه..؟!  
إذن.. تعددت الأسباب «والتشويه واحد».. فسادٌ وتدميرٌ وخرابٌ وتشويهٌ لكل ما له علاقة بمؤسسة الزواج في نفوس الأبناء، دون أي التفاتٍ لسلبية ما يدور من حولنا، ودون أي مبادرةٍ للإصلاح تنقيةً لهذا الأمر، وايضاً دون توعيةٍ أو إرشادٍ أو توجيه...؟!
مسؤوليات غائبة
ومن هنا نقول أن التربية بما فيها من أسس وقيم ومبادئ، هي المسؤول الأول عن تصويب مفهوم الزواج في نفوس الأبناء.
وبالتالي فإن الواجب على الأبوين أن يحسنوا العمل بتربية الأبناء خلال مختلف فترات حياتهم، حتى يكونوا في المستقبل أزواجاً ناجحين يتمتعون بنفوس متوازنة وسليمة. 
وفي مرحلة الطفولة والتي تمتد من الولادة حتى تسع أو عشر سنوات تقريباً من عمر الأبناء، لا بد أن يكون التعليم الأول من خلال تحقيق القدوة الحسنة في حياتهم، فمسؤولية الأب والأم هي أن يكونوا دائما أمام الأبناء في أبهى صورة من صور العلاقة، فلا مشاكل ولا صراخ ولا غضب ولا انفعال ولا أي من تلك التصرفات التي تثير الخوف والقلق في نفوس الأبناء، فقد أثبتت الدراسات النفسية أن عدداً كبيراً من الأطفال الذين يعايشون مشاكل الأبوين خلال تلك الفترة يعانون من أمراضٍ عقليةٍ ونفسيةٍ وعضويةٍ ومن صعوباتٍ تعلميةٍ تبقى معهم فترات طويلة، أولها وأخطرها غياب الشعور بالأمان داخل البيت وبين أحضان الأبوين.
ونحن حين نقرأ قول الله تعالى في القرآن الكريم: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ}، لا بد أن نعلم تمام العلم أن أبناءنا اختبارٌ وبلاءٌ لنا في كل مجالات الحياة، وعلى كل واحد منا أن ينظر كيف يعمل من أداء حق الله عليه في هذا الاختبار..!!  
وحين نقرأ أيضا قول النبي  صلى الله عليه وسلم : «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤول عَنْ رَعِيَّتِهِ، الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْؤولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ ومَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، قَالَ: وَحَسِبْتُ أَنْ قَدْ قَالَ: وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ- وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ».. ألا نستنتج منه أن الأب والأم يتحملان مسؤولية الرعاية التامة والشاملة تجاه أبنائهما..؟!
أين حسن تحمل المسؤولية في أب، لم يرَ ابنه منه طوال طفولته، سوى أمارات الغضب المستمر في البيت، والانفعال الدائم، ورفع الصوت على الأم، والشتائم والشكوى والتذمر...؟!
يقول الله تعالى: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا}، فهل يا ترى سأل الزوجان مرة ما معنى (قُرَّةَ أَعْيُنٍ)..؟!
يقال: قُرّة العين، لما يُرضِي ويَسُرُّ، وفي القرآن الكريم (فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُن)، والنبي  صلى الله عليه وسلم  قال: «وجعلت قرة عيني في الصلاة»، وكثير من العلماء يقولون أن (قُرَّةِ أَعْيُنٍ) إنما هى مشتقة من استقرار العين، وهذا يدلّ على مدى استقرار القلب وشعوره بالأمن والطمأنينة، خاصة أن العين كما يقال بوابة القلب، فإذا ما استقرت استقر القلب وفرحت النفس..، فكيف لأب أن يشعر بـ (قرّة عينه) وهي فيه من الصفات الخبيثة ما يشكل حاجزاً نفسياً وشعورياً منيعاً بينه وبين أبنائه..؟!
وكذلك حال الأم التي يترعرع الأبناء في حضنها، وهم لا يذكرون منها سوى الشكوى المستمرة، وعدم الرضى، والتذمر من الأب ومن أحواله ومن ظروفه، و«لعن الساعة» التي تزوجته، ومن «حظها الأسود» الذي جعلها ترتبط برجلٍ مثله...؟!
إن الحقيقة التي لا بد أن نعترف بها هي أن أكثرية الانحرافات التربوية في سن الطفولة تؤدي بلا أدنى شك إلى تشوّه معنى الزواج في نفوس الأبناء، وإلى بداية نشوء بذرة شاذة بداخلهم، وإلى تكوّن فكرة الرفض لمؤسسة الزواج، لأنهم لم يروا منها (كما تمثلت بين أبويهما) سوى الأسى والحرمان والمشاكل.


Bahaasalam@yahoo.com




أخبار ذات صلة

قطع السير عند ساحة النور طرابلس بالاتجاهين
قطع طريق خلدة الآن
بغداد تُخاطب مينيابوليس: "نحن أيضًا نُريد أن نتنفّس"