بيروت - لبنان 2018/11/13 م الموافق 1440/03/05 هـ

مع بدء الأمطار ودخول فصل الشتاء: أيام يسهل معها أداء العبادات فلنكن من المجتهدين

حجم الخط

قال الله تعالى في كتابه العزيز: {ان في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع النّاس وما انزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون} «سورة البقرة، الآية 46».
ويقول ايضاً {الذي جعل لكم الأرض فراشاً والسماء بناءً وانزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم فلا تجعلوا لله انداداً وأنتم تعلمون}.
فالماء مصدر للحياة في الكون إذ لا يستغني عنه الإنسان والحيوان والنبات، وقد ربط الله تعالى وجود الحياة بالماء فقال: {وجعلنا من الماء كل شيء حيّ افلا يؤمنون} ينزل الله من السماء فيروى به الأرض ويحييها بعد موتها، قال الله تعالى: {ونزلنا من السماء ماءً مباركاً فانبتنا به جنات وحب الحصيد}.
نعمة المطر
{ والمطر هو نعمة الخالق عز وجل على خلقه وجميع الكائنات الحيّة والجمادات وكل ما في الكون، فالمطر أساس الماء على سطح الكرة الأرضية والماء أساس كل شيء ومنه خلق كل كائن كما جاء بذلك في القرآن الكريم، قال الله تعالى: {وجعلنا من الماء كل شيء حي}.
وقد جاء لفظ المطر في القرآن الكريم في أكثر من موضع وهي تحمل معاني الخير والرحمة وفي مواضيع أخرى تحمل معنى العقاب الشديد وهي شكل من اشكال العذاب الدنيوي للاقوام الكافرة، لذلك من الهدي النبوي عند سقوط المطر الدعاء والتوجه إلى الله بأن تكون سقياً رحمة لا سقياً عذاب.
وانقطاع المطر عن الأرض مؤشر في الدين الإسلامي إلى وجود خلل وتقصير في العبادات والمعاملات بين النّاس، مما استوجب غضب الله ومنعه المطر من النزول فلا بدّ من التوبة والاستغفار وتأدية صلاة الاستسقاء طلباً لنزول المطر واسقاء الأرض وانبات النبات الطبيعي والزروع بواسطة الإنسان الذي هو بالتالي مصدر غذاء للانسان والحيوانات الأخرى وتتكون من مياه الأمطار والينابيع والمياه الجوفية العذبة الصالحة للشرب من قبل الإنسان ويقضي المطر بنزوله على جميع الميكروبات والجراثيم المسببة للامراض والتي تكون منتشرة في الهواء والتربة وتسبب الأمراض المعدية للكائنات الحيّة، كما ان صوت المطر وقطراته المتساقطة ورائحته على التراب راحة للنفس وتهدئة الأعصاب وتقليل التوتر والضغط النفسي.
لذلك فان من سنن الله في الكون ان حياة جميع الكائنات وسائر المخلوقات رهينة بالماء مصداقاً لقوله تعالى في سورة الانبياء: {وجعلنا من الماء كل شيء حي} فالماء مرادف للحياة والخضرة والجمال، وانعدامه مرادف للموت والجفاف والبوار، ومن أهم مصادر الماء في الطبيعة الأمطار التي ينزلها سبحانه وتعالى من السماء فإذا الينابيع جارية وإذا الأرض مخضرة وإذا الزرع مبتهج وإذا النّاس فرحون برحمة الله مصداقاً لقوله تعالى في سورة الزمر: {ألم تر ان الله انزل من السماء ماءً فسلكه ينابيع في الأرض ثم يخرج به زرعاً مختلفاً انواعه}.
فالمطر نعمة ربانية لا ثمن لها وهبة إلهية لا غنى للناس عنها، وهو رزق يرسله الله تعالى رحمة بعباده وسائر الكائنات.
وإذا كان الابتعاد عن منهج الله وكثرة الذنوب والمعاصي سبباً من انحباس المطر، فان التوبة إليه واستغفاره بالليل والنهار أسباب تساهم في نزول الغيث مصداقاً لقوله تعالى: {فقلت استغفروا ربكم انه كان غفاراً يرسل السماء عليكم مدراراً} فالاستغفار مجلبة للمطر.
ففصل الشتاء هو فصل رحمة وخير للبشرية، ولا يحسن التأفف منه بسبب امطاره الغزيرة، بل علينا ان ندرك النعم والخيرات والبركات التي يحملها هذا الفصل وننظر إليه كموسم للاكثار من الطاعة والعبادات ولندعو ربنا «اللهم صيِّباً نافعاً».
مزوق
{ وفي هذا الإطار يحدثنا رئيس دائرة الفتاوى في دار الفتوى الشيخ وسيم مزوق قائلاً: قال الله تعالى: {لو ان أهل القرى آمنوا واتقوا  لفتحنا عليهم بركات من السماء والارض} قال علماء التفسير عن هذه الآية الكريمة من بركات السماء المطر فهو نعمة من نعم الله عز وجل على عباده وبالتالي على المسلمين ان يحمدوا ربهم على نعمة فصل الشتاء والمطر ولا يتشاءموا ولا يتطيروا ولا يعترضوا حيث ان بعض النّاس تضجر من البرد وتشتم وتسب المطر، فهذا لا يجوز شرعاً لأنه اعتراض على ما قدره الله سبحانه وتعالى وقد قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم  في الحديث القدسي: «لا تسبوا الدهر فإنه انا الدهر»  أي الله سبحانه وتعالى هو المقدر لما يحصل في السماء خلال السنة، بل في الحياة الدنيا كلها وقد قال عليه الصلاة والسلام «الشتاء ربيع المؤمن طال ليله فقامه وقصر نهاره فصام»، فالشتاء بالنسبة للمؤمنين هو بستان الطاعات والقربات يفرح المؤمن بهذا الفصل لأنه يستطيع ان يصوم بشكل هين وسهل على النفس فيأخذ الأجر العظيم حيث قال  صلى الله عليه وسلم  «من صام يوماً في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً».
كما ان المؤمن يستثمر الليل في الشتاء لطوله فيقف بين يدي ربه ويناجيه ويدعو ويصلي ويقرأ القرآن وقد قال سيدنا جبريل عليه السلام لسيدنا محمّد  صلى الله عليه وسلم  ان شرف المؤمن قيامه بالليل، وكان عليه الصلاة والسلام يدعو ويقول عند نزول المطر «اللهم صيباً نافعاً» وعند انتهاء المطر «مطرنا بفضل الله ورحمته».
كل ذلك ليعلمنا  صلى الله عليه وسلم  ان نبقى متصلين بالله عز وجل خائفين منه ولو اصابنا الريح الشديد فنفزع إليه أيضاً سبحانه وتعالى ونقول «اللهم انا نسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما ارسلت به ونعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به».
فعندئذ يشعر المسلم بالأمان والأمن والطمأنينة لأنها كما تكون أي الريح عذاباً للكفار أو للعصاة فهي ابتلاء للمؤمنين المتقين عندما يسلكون وبطبقون سنة نبيهم بالدعاء عند المطر والريح لأن الدعاء مستجاب عند ذلك قال  صلى الله عليه وسلم  «سنتان لا يرد عندهما الدعاء النداء والمطر»، فالدعاء مستجاب عند نزول المطر فندعو بما ذكرناه سابقاً وبما نريد من خيري الدنيا والآخرة.
واضاف: ومن السنة أيضاً عند نزول المطر ان نبلل انفسنا بشيء من المطر كما كان يفعل  صلى الله عليه وسلم  حيث يكشف عن رأسه عند نزول المطر.
كما يستحب ان نقول عند سماع الرعد «سبحان الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته» وعند رؤية البرق نقول «سبحان الذي يريكم البرق خوفاً وطمعاً» لأن البرق قد يكون فيه العذاب والصواعق، قال تعالى: {ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء} قال علماء التفسير نزلت في رجل من كبار قريش كان يقول للنبي  صلى الله عليه وسلم  «أيش» أي «اي شيء ربك» من حديد أو من نحاس؟ فنزلت صاعقة من السماء فأهلكته.
واختتم قائلاً: نذكر قول الله تعالى {وجعلنا من الماء كل شيء حي} فإذا لم تمطر السماء فلا نبات وبالتالي لا حياة على وجه الأرض بالنسبة للانسان والحيوان والنبات، لأنه جميعها بحاجة إلى الماء فهي من أعظم النعم التي يجب علينا ان نشكر الله عليها قال تعالى: {وان تعدوا نعمة الله لا تحصوها} فبالمطر يحيا الإنسان والحيوان والنبات وتستمر الحياة باذن الله تعالى فهي الغيث وعلينا ان نفرح بهذه النعمة وان نتفاءل وان نستخدم الماء بدون اسراف وهذه سنة عن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  في الوضوء والغسل يعلمنا ان نشكر نعمة الماء ولو كنا على نهر جار فلا نسرف في إستخدامها. 




أخبار ذات صلة

في ذكرى مولده صلّى الله عليه وسلم محبته اتباع وعمل [...]
محمّد رسول البشرية
وقوف المأموم