بيروت - لبنان 2020/05/28 م الموافق 1441/10/05 هـ

نحو قراءة جديدة لكتاب الله تعالى: الوراثة في العلاقة معه... لن تقدِّم للأمّة عطاءً قرآنياً

حجم الخط

غريب أمر كثير من أبناء قومنا في علاقتهم مع كتاب الله تعالى، يهجرونه فكرا وتدبّرا وعملا... ثم يستغربون أحوالنا وأحوال الحياة من حولنا..؟!

يتركون كل تفاعل مطلوب مع آياته وكيفية التعامل معها... ثم يشتكون بُعد الأجيال عن الدين...؟!

ومن هنا أسأل... 

أليست كل الجرائم والتفلّتات و«الشطحات» ومظاهر الانحلال الفكري والأخلاقي انعكاسات لرذيلة البُعد الفعلي عن كتاب الله تعالى..؟!

أليست في ظاهرها وفي باطنها دلائل تصرخ في وجوهنا لتخبرنا عن كارثية علاقة جيل بأكمله بالقرآن الكريم..؟!

أما العجب العجاب.. فهو أننا نعلم جميعا قول الله تعالى {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَـذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا}، ومع ذلك نهجره.. ونترك هديه.. ثم نسيء في العلاقة معه.. ثم نقول لماذا انقلبت الأوضاع وتبدّلت الأحوال حتى أصبحت كما نحن..؟!

قراءة جديدة

أول ما نريده - بهدف إصلاح ما فسد من علاقة بكتاب الله تعالى - هو أن نبدأ فكرا وارتباطا وتدبّرا بقراءة جديدة لآيات الله تعالى، وحتى لا تقوم الدنيا عليّ فتتهمني وتشكّك في نواياي ثم أصَّوَّر للناس كعميل متآمر على الدين وعلى التراث..؟! أقول أن كلمة «قراءة جديدة» لا تعني الإساءة للماضي ولا للسلف الصالح الذي أعطى فأخلص، ولا تعني أيضا ترك التراث الراقي ولا التشكيك فيه، ولكنها تعني بالمقام الأول تحقيق التفاعل الصحيح الذي يستفيد من معطيات العصر وما فيه من تطوّر بكل المجالات إنطلاقا مما وصل إليه السلف الصالح في تراثهم..

بمعنى آخر وبتعبير أكثر وضوحا.. علينا أن نجتهد ليكون عمل السلف الصالح أرضا نبني عليها تفاعلنا مع القرآن.. لا أن نكتفي فقط بما بناه السلف الصالح..؟!

وهذا ما فعله السلف الصالح بالمناسبة، إذ كان كل جيل منهم يأخذ من الجيل السابق ما يمكنه من بناء عطاءاته.. وهكذا حتى وصلنا إلى أجيال توقف عندها كل عطاء فاستبدلته «بالوراثة»... فضاع حسن التفاعل واندثرت فضيلة التدبّر..؟!

كم جميل أن نقرأ آية ثم نقول بعدها للناس... سلفنا تفاعل معها فقال عنها كذا... ولكن في عصرنا ظهر لنا بُعدا آخر فيها وهو كذا..؟!

وكم جميل أن نقدّم للناس معاني القرآن الكريم من خلال أمثلة يعاينون مظاهرها.. أو من خلال قضايا يعيشون فيها أو يعانون منها أو يشتكون من سلبياتها.. مع شرح وافٍ للآية بناء على امتزاج علم السلف بنتائج تدبّرنا نحن أبناء هذا الجيل..؟!

وهذا الأمر طبعا لا يكون اعتباطا... ولا عشوائيا.. ولا عبثيا.. بحيث يتكلم كل من أراد بكتاب الله تعالى..؟!

بل يحتاج أولا.. إلى إعادة قراءة لمناهج الكليات الشرعية المنتشرة في بلادنا..

ويحتاج ثانيا.. إلى تحقيق عملية الإرتقاء للأسس التي اعتمدناها لاختيار طلاب هذه الكليات... 

ويحتاج ثالثا.. إلى دقة بالغة في قبول من يقوم بالتدريس في هذه الكليات..

كلام الشيخ الشعراوي

وهنا اسمحوا لي ان أذكر ما قاله الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله تعالى عن ضرورة تفاعل كل عصر مع القرآن الكريم حيث قال: «خواطري حول القرآن الكريم لا تعني تفسيراً للقرآن، وإنما هي هبات صفائية تخطر على قلب مؤمن في آية أو بضع آيات، ولو أن القرآن من الممكن أن يفسر، لكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى الناس بتفسيره لأنه عليه نزل وبه انفعل وله بلّغ وبه علّم وعمل وله ظهرت معجزاته، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم اكتفى بأن يبيّن للناس على قدر حاجتهم من العبادة التي تبيّن لهم أحكام التكليف في القرآن الكريم، وهي «افعل ولا تفعل» تلك الأحكام التي يثاب عليها الإنسان إن فعلها، ويعاقب إن تركها، وهذه هي أسس العبادة لله سبحانه وتعالى التي أنزلها في القرآن الكريم كمنهج لحياة البشر على الأرض، أما الأسرار المكتنـزة في القرآن حول الوجود، فقد اكتفى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما علم منها لأنها بمقياس العقل في هذا الوقت لم تكن العقول تستطيع أن تتقبّلها، وكان طرح هذه الموضوعات سيثير جدلاً يفسد قضية الدين ويجعل الناس ينصرفون عن فهم منهج الله في العبادة إلى جدل حول قضايا لن يصلوا فيها إلى شيء».

ويكمل الشيخ الشعراوي موضحا الفكرة فيقول: فرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الذي عليه القرآن الكريم نزل، فسَّر وبيَّن كل ما يتعلق بالتكليف الإيماني وترك ما يتعلق بغير التكليف للأجيال القادمة، ويمرُّ الزمن ويتيح الله سبحانه وتعالى لعباده من أسرار آياته في الأرض ما يشاء فيكون عطاء القرآن الكريم متساويـاً مع قدرة العقول.. لماذا؟ لأن الرسالات التي سبقت الإسلام كانت محدودة الزمان والمكان، أما القرآن الكريم فزمنه حتى يوم القيامة، ولذلك فلا بد أن يقدِّم إعجازاً لكل جيل ليظل القرآن الكريم معجزة في كل عصر».

وهذا تماما ما تعلّمناه نحن وما نطالب به...!!!

نريد تفاعلا مع القرآن الكريم بكل حرف من حروفه، نقف عنده ونتأمّل ونتدبّر ونطرح الأسئلة حوله، وقلوبنا في الوقت عينه تدعو الله أن يرزقنا معنى جديدا أو دلالة لطيفة تزيد الناس إيمانا، وهذا طبعا لن يكون أبدا إن ظلت علاقتنا بكتاب الله علاقة وراثية... لا نقول إلا ما قاله السلف.. ولا نتحدث إلا بما تحدثوا به.. ولا نقبل إلا ما ورد عنهم.. بينما كل تفاعل جديد أو حديث في نظرنا هو مرفوض ومتهم..؟!

إن التعامل مع القرآن الكريم ليس تعاملا مع كلمات أو مع معاني مجرّدة.. بل هو قبل ذلك تعامل قلوب مع خالقها سبحانه، وتعامل عقول مع المنعم الوهّاب عزّ وجلّ، وأي تعامل يفقد نقاء «عاملي القلب والعقل»... لن يقدّم للأمة عطاء قرآنيا ولن يكون إلا دخيلا عليها..؟!

فيا ليتنا نعمل من الآن بكل الأسس الحضارية الراقية التي تمهّد الأرض في بلادنا ليكون عندنا في المستقبل القريب... قلوب صافية وعقول نقيّة.. تقرأ كتاب الله بقراءة جديدة... فتفيد الأمة وتقدّم للبلاد ما يجعلها كما أراد الحق سبحانه... خير أمة أخرجت للناس..؟!


Bahaasalam@yahoo.com


أخبار ذات صلة

قانون العفو العام ولغم عودة «المُبعدين إلى إسرائيل»
كلام المفتي قبلان يؤشر إلى تصعيد سياسي في الأسابيع المقبلة
إلى أي لبنان نحن ذاهبون..؟