بيروت - لبنان 2018/12/11 م الموافق 1440/04/03 هـ

هل كانت مقبرة الصحابة (الباشورة).... بقيع بيروت؟

حجم الخط

وصل الإمام الأوزاعي الى بيروت سنة 130هـ  وكانت الطريق الى بيروت منذ القدم من دمشق او من بعلبك  تمر بمسارين   ساحليين الخط الاول من دمشق الى داريا فالكرك  ثم الى البقاع الغربي فراشيا فمشغرة الى كفرملكا فصيدا والدامور الى  بيروت او من دمشق الى حمص فاللاذقية وطرابلس والبترون وجبيل ونهر الكلب فبيروت وكانت الطريق الاولى قبل الاسلام تربط صيدا وبعلبك وكانت في القرن السابع عشر الطريق الرئيسة بين صيدا وبيروت  كما قررهريبرت بوسه. ولكي نعرف موقع دخول الأوزاعي بيروت يجب العودة الى الطريق التي سلكها من بعلبك الى بيروت ؟ فمن المرجح ان يكون الأوزاعي قد سلك طريق  بعلبك  الكرك فمشغرة فصيدا و بيروت لاسيما ان الجبال في وادي القرن ووادي الحرير وانقطاعها بالثلوج والمخاطر لم تكن قبل فتح طر يق دمشق بيروت سنة 1858م مأمونة الاستعمال. نقل من أرخ لسيرة الأمام الأوزاعي  ما ورد في كتاب «محاسن المساعي في مناقب الإمام أبي عمرو  الأوزاعي والذي ورد فيه» ان الأوزاعي قال أعجبني في بيروت أني مررت بقبورها فإذا امرأة سوداء في القبور، فقلت لها: أين العمارة يا هنتاه (هنت لغة في أنت) فقالت  إن أردت العمارة فهي هذه وأشارت الى القبور وإن كنت تريد الخراب فأمامك وأشارت الى البلد، فعزمت على الاقامة فيها ...»  وذكر البعض ان المقصود بالقبور مقبرة الباشورة؟ 
الا ان احداً لم يذكر   نقطة وصول الأوزاعي الى بيروت ولا من اي الابواب دخلها فمن المتواتر ان العرب عندما فتحوا بيروت كانت لا تزال انقاض عمائرها منتشرة وبيوتها خربة  نتيجة الزلزال الذي ضربها والسونامي الذي تبعه وجعلها خرابا يبابا  انتقل من بقي من اهلها الى صيدا بما يوحي بان الأوزاعي لدى وصوله اتجه صوب مركز من سبقه من المرابطين المنتشرين حول مسجد بيروت  القريب من مقبرتهم ، في وقت كان سور بيروت قد تهدم وذلك قبل ان تصبح مدينة مربعة لها اربعة ابواب  وليس سبعة كما يحلو لمن يميل الى العدد سبعة وقبل ان تفتح ابواب محددة  لاستقبال القادمين اليها ما يرجح انه لم يكن لها سوى الباب الذي يؤدي الى موقع مرابطة المسلمين.
ومن الطبيعي مع تكاثر السكان واتساع العمران واستقرار الامن والامان ان يدعم سور المدينة وان تفتح فيه ابواب جديدة. مع الإشارة الى ان بعض ما عرف مؤخراً من ابوابها يعود الى القرن التاسع عشر.  والأبواب المذكورة هي باب السراي يدخل منه كبار الزوار من ذوي الرتب السياسية والعلمية. وباب الدباغة المجاورة لدباغات المدينة لدخول  قوافل البضائع والتجار وأصحاب الخانات وهو قريب من المرفأ. والباب الثالث هو باب الدركاه في الجنوب ولعل هذا الباب من اقدم ابواب بيروت كما يدل اسمه فلفظ الدركاه  عرف من ايام المماليك والعثمانيين وكان على الداخل منه المرور  في ازقة وزواريب متعرجة. والباب الرابع هو باب السنطية وهو باب صغير لم يشر من ذكره الى تمتعه بأية ميزة معمارية او زخرفية او دفاعية على غرار ما كتب عن بقية ابواب المدينة. ومن غير المؤكد ان الابواب المشار اليها كانت موجودة عند قدوم الأوزاعي  الى بيروت. فإذا كان الأوزاعي قد توجه عند وصوله الى بيروت الى موقع المسجد العمري الصغير فيكون قد مر على مقبرة المصلى ولاسيما انه درّس في المسجد المذكور. اما اذا كان دخوله من الجهة القبلية للمدينة اي ما سمي باب الدركاه فتكون مقبرة الصحابة في ساحة عصور هي المشار اليها فيما روي عند وصوله اليها. اما اذا كان قد دخل من الجهة الغربية اي من باب السنطية واتخذ له سكناً قربها فتكون تلك المقبرة قديمة أيضاً وجدت قبل سنة 130 هـ. يبقى ان نذكر ان الاوزاعي عند وفاته سنة 157هـ لم يدفن في مقابر الباشورة (الصحابة) ولا في السنطية ولا في المصلى القريبةمن مكان وفاته لأسباب اشرنا اليها في كتابنا زوايا بيروت.  
الباشورة في كتب الرحالة
ويمكن الاستئناس ببعض كتب الرحالة الذين مروا في بيروت وكتبوا  مشاهداتهم فيها وذكروا الأماكن التي زاروها وأسماءها وأيضاً من بعض ما ورد في   السجلات الشرعية اقدمها  منازعة على أرض في محلة البسطة الفوقا حصلت سنة 1327هـ /1909م أشير في معرضها الى أن الأرض هي وقف محمد حميدي صقر المسجل سنة 1210 هـ /1795 م لدى قاضي بيروت في حينه الشيخ إبراهيم الصائغ وأن مبايعة حصلت سنة 1274 هـ /1857م ذكر فيها موقع الأرض على أنه في الباشورة، مما يدل على حدوث اسم البسطة في وقت لاحق لتسجيل الوقف وللمبايعة المذكورة. وكان أقدم ذكر للباشورة ورد سنة 1223 هـ / 1809م عندما أرخ مفتي بيروت عبد اللطيف فتح الله بناء عبد الله عمر الناطور عين العافوص الواقعة «فوق عين الباشورة». والوثيقة المؤرخة في 13 ربيع الأول الأنور سنة 1259 هـ / 1843م تذكر من أوقاف أحمد حسين القباني العمار الواقع في البستان المعروف بالواقف الكاين بحي عين الباشورة «تجاه الجبانة» (دون تسمية الجبانة). علماً بأن جامع البسطة التحتا عرف بزاوية البدوي الجديدة  كما جاء في وثيقة مؤرخة في 11 جمادى الأولى1263 هـ/1847م عندما وقف  سعد الدين النقاش عقاره على أن يؤخذ من الريع كل سنة مائة قرش خمسون منهــا «الى الزاوية الجديدة التي عند عين الباشورة» وحدد الموقع المذكور بأنه «زاوية البدوي الكائنة في جبانة الباشورة « كما وقف الحاج حسن منيمنة داره سنة 1264 هـ /1848م على أن يعود نصف الريع « لزاوية الباشورة». 
كلمة «الباشورة»
وكلمة الباشورة او الباشوراء من المصطلحات العسكرية المرتبطة بالاستحكامات الحربية ومنشآت الدفاع. جمعها بواشير أي حصن بارز مشرف غير منتظم الشكل منعزل عن باقي المواقع تعلوه سطيحة يشيد في الأرض الخلاء المكشوفة لمنع تقدم العدو والتفوق عليه في الحرب. قال كاترمير ان الباشورة تسمى بالفرنسية bastionمعناها البرج. قال المقريزي (السلوك 1/105) «ويجعل التراب داخل المدينة على حافة الحفر ليكون مثل الباشورة». وقال دوزي في «تكملة المعاجم العربية» إن الباشورة سد من التراب لمنع وصول الخيالة والرجالة والسهام إلى مواضع المحاربين (متراس بلغة الحرب الاهلية التي عشناها في بيروت). ولأن المشارقة لم يعرفوا الحصون البارزة، فهو بالأحرى متراس ترابي. وموقع مقبرة الباشورة الحالي مرتفع عن مستوى الطريق كما يظهر من جدار المقبرة الشمالي. فالباشورة من المصطلحات المحدثة ولا توجد في لسان العرب. وبالتالي لم تكن مستعملة أيام الفتح الإسلامي لبيروت . قال الشيخ عبد الرزاق البيطار في كتابه «حلية البشر في أعيان القرن الثالث عشر» إن أبناء بيروت من أهل الماضي كانوا يسمون هذه المقبرة «مقبرة سيدنا عمر». كما سمي أول مسجد بنوه في بيروت بعد الفتح «بالجامع العمري». 
وأغلب الظن ان المقبرة الأولى التي سميت مقبرة سيدنا عمر رضي الله عنه كانت في  المصلى   قبل أن ينقل موضع الدفن إلى مقبرة الصحابة التي اكتشفت بقاياها في ساحة رياض الصلح قبل نقل الدفن الى مقبرة الباشورة. فمن الطبيعي بعد امتلاء مكان الدفن في مقبرة وكثرة العمران والبناء حولها ان يتم اختيار قطعة ارض  ثانية  للدفن وذلك في موضع  بعيد نسبياً عن مركز السكن. وهكذا اختيرت الأرض الواقعة خارج السور (فيما عرف بعصور على طريقة البيارتة بلفظ السين صاداً) لتكون المقبرة الثانية للتابعين وتابعي التابعين. ويمكن القول بأن المدة لمباشرة الدفن في موضع آخر خلاف  الموضع المعهود (المصلى) لا  يزيد عن مائة سنة  ما يرجح مباشرة الدفن في الموقع المكتشف في الساحة المذكورة الذي كان خارج العمران وخارج سور المدينةوالتي اخذت اسم مقبرة سيدنا عمر أيضا.  
ومن المرجح ان الدفن في مقبرة الصحابة الثانية لم يستمر وكانت قد درست القبور وتكاثر العمران حولها  فبدأ الدفن في مقبرة الباشورة الحالية يدل على ذلك ان  احمد باشا الجزار حين استلم امن بيروت سنة 1771م اقطع من جاء معه  من العسكر المغاربة مناطق مختلفة فيها فقد اقطع محمد آغا الجبوري قطعة ارض كبيرة الى الجنوب من ساحة رياض الصلح فيما عرف بعد ذلك بالغلغول قام بوقفها بعد ذلك. واقطع أبو الموت موقع زقاق البلاط ما عرف بحي أبو موت (يموت) واقطع محمد حميدي صقر منطقة الباشورة (ما عرف فيما بعد بالبسطة). مما يدل على ان الدفن كان قد توقف في مقبرة الصحابة في ساحة رياض الصلح (عصور) وانتقل الى مقبرة الباشورة الحالية التي عرفت ايضاً بمقبرة سيدنا عمر وكانت قبورها متباعدة  ومنتشرة على مساحة تصل الى زواية البدوي الجديدة (جامع الباشورة – البسطة التحتا) وكانت بعض قبورها ملاصقة لمبنى الكلية السلطانية (كلية البنات المقاصدية). قبل شق طريق البسطة ونقل ضريح والي سورية حمدي باشا الى داخل المقبرة. 
وقد ظهرت أسماء ترب بيروت في الوثيقة المؤرخة في غرة ذي الحجة سنة 1297 هـ/1880م التي أثبتت تخلي عبد الله محمد خرما الناظر على «الترب المعروفة بتربة الباشورة وتربة الصنطية وتربة المصلى والخارجة ..» الى حسن محرم بك رئيس جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية في بيروت.
يمكن تحديد مقابر بيروت من خلال عدد سكانها. ولا توجد معلومات دقيقة عن عدد السكان أيام الفتوح الاسلامية الاولى. فقد كان هذا العدد يزداد ويتناقص تبعاً للحملات العسكرية على المدينة أو لما يقع فيها من أوبئة. يذكر صالح بن يحيى في حوادث بيروت أيام الصليبيين «أن بيروت لما كان الفرنج بها، كان بها جماعة من المسلمين مستوطنين بمساكنة الفرنج وكان (المسلمون) يجتمعون لصلاة الجمعة فلم يكملوا أربعين (العدد اللازم لصلاة الجمعة) فيصلي بهم الخطيب ظهراً في بعض الأوقات، وفي معظمها يكملون بما حضر من الضواحي فيصلي بهم جمعة...»  يذكر أن مدة استيلاء الفرنج على بيروت دامت خمسة وتسعين سنة وأربعة اشهر وثلاث عشر يوماً. وفي مجلة المشرق (مجلد24) أن عدد اهل بيروت قلّ  أيام المماليك الى عشرة آلاف لما أصابها من الطواعين. وفيها (المشرق 31) انه لم يكن في بيروت أيام الامير فخر الدين المعني في القرن السابع عشر وأيام الجزار في القرن الثامن عشر إلا ستة آلاف نسمة. وبلغوا سنة 1820 ثمانية آلاف نفس.
ولنا دليل على تنقل اماكن الدفن ما عرفناه فقد توقف الدفن في مقبرة المصلى – الخارجة سنة 1930 بقرار من السلطة الفرنسية وانتقل الدفن الى مقبرة الباشورة  ثم دعت الحاجة سنة 1958 الى مكان جديد للدفن فاختير موقع قرب حرج بيروت بما اصبح يعرف بمقبرة الشهداء ومنذ بضع سنين انتقل الدفن الى مقربة الاوقاف. 
  *محامٍ ومؤرخ



أخبار ذات صلة

خطوات لتصفية القضية الفلسطينية .. وخبير يحذِّر من تفتيت المدينة
فتن كقطع الليل
الشك في عدد الركعات