بيروت - لبنان 2020/05/25 م الموافق 1441/10/02 هـ

وَبَشِّرِ الصابرين

حجم الخط

الشيخ د. يوسف جمعة سلامة*

إنّ الصبر عنوان الإيمان الصادق وبرهانه، ومن المعلوم أن الإيمان نصفه شكر على النّعماء، ونصفه صبرٌ على البأساء والضرّاء، فالصبر ضياء للإنسان في دنياه وآخرته؛ لذلك فإن جزاء الصّبر عطاء من الله بغير حساب في الآخرة، وهو في الدنيا ضياء في الأحداث، وثبات يُكَفّر الله به الذنوب ويفتح باب الفرج القريب.

ومع اقتراب شهر رمضان المبارك والعالم كله يواجه جائحة (كورونا)، نحن بحاجة إلى أعظم زاد، إلى كتاب الله الكريم، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}، ورسولنا وقدوتنا محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا حَزَبَهُ أمرٌ قال: (يا بِلالُ، أرِحْنا بالصَّلاةِ).

إنّ الصبر نصف الإيمان، والتحلّي بالصبر من شِيَمِ الأفذاذ، فاصبرْ وما صبرُكَ إلا بالله، اصْبِرْ صَبْرَ واثقٍ بالفرج، كما جاء في الحديث عن عائشة - رضي الله عنها - أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الطَّاعُونِ، فَقَالَ: «كَانَ عَذَاباً يَبْعَثُهُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ، فَجَعَلَهُ اللَّهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، مَا مِنْ عَبْدٍ يَكُونُ فِي بَلَدٍ يَكُونُ فِيهِ، وَيَمْكُثُ فِيهِ لاَ يَخْرُجُ مِنَ البَلَدِ، صَابِراً مُحْتَسِباً، يَعْلَمُ أَنَّهُ لاَ يُصِيبُهُ إِلا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ، إِلا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ شَهِيد).

رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ

ونحن في هذه الأيام أحوج ما نكون إلى التوجه إلى الله سبحانه وتعالى بالدعاء خاشعين مُتَذَلِّلين، أن يكشف عنّا وعن شعبنا وأمتنا والعالم أجمع الوباء والبلاء، فالدُّعاء مَلاَذُ كلّ مكروب وأملُ كلّ خائف وراحةُ كلّ مضطرب، وهو من أعظم العبادات التي ينبغي للمسلم أن يعتصم بها خاصةً في أيام المِحَنِ والشّدائد.

وحقٌ علينا جميعاً أن ندعوَهُ سبحانه وتعالى في الشّدةِ والرَّخاءِ والسَّراءِ والضَّراءِ ، ونفزعُ إليه في المُلِمَّاتِ ونتوسّلُ إليه في الكُرباتِ، حينها يأتي مَدَدُهْ ويصِلُ عوْنُه، ويُسْرعُ فرجُهُ {أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ}.

ومن الجدير بالذكر أن كُتب السنّة النبوية الشريفة قد اشتملت على أحاديث كثيرة تُسهم في تفريج الهمّ والغمّ والكرب والحزن، منها:

عن أَنَسِ بْن مَالِكٍ - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْبُخْلِ وَالْجُبْنِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ).

وعن سعد بن أبي وقاص – رضي الله عنه – قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ: «لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِين،» فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيءٍ قَطُّ إِلاَّ اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ).

وعن أَبِي بَكْرَ - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (دَعَوَاتُ الْمَكْرُوبِ: اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو؛ فَلاَ تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ)، ولذلك يجب علينا أن تكون ثقتنا بالله سبحانه وتعالى عظيمة، فهو على كل شيء قدير.

ما نزل بلاء إلا بذنب... ولا رُفِع إلا بتوبة

من رحمة الله سبحانه وتعالى أن فتح باب الأمل والرجاء أمام المذنبين، ليتوب مسيئهم ويثوب إلى رشده شاردهم، فيدُ الله - عزّ وجلّ - مبسوطة بالعفو والمغفرة لا تنقبض في ليل ولا نهار، تنشد مذنباً أثقلته المعاصي يرجو الأوبة بعد طول الغيبة، وَمُسيئاً أسرف على نفسه يرجو رحمة ربه، وفاراً إلى مولاه يطلب حسن القبول، كما جاء في الحديث الشريف أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم - قال: (لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحاً بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ مِنْ رَجُلٍ فِي أَرْضٍ دَوِيَّةٍ مَهْلَكَةٍ مَعَهُ رَاحِلَتُهُ عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَنَامَ فَاسْتَيْقَظَ وَقَدْ ذَهَبَتْ فَطَلَبَهَا حَتَّى أَدْرَكَهُ الْعَطَشُ، ثُمَّ قَالَ: أَرْجِعُ إِلَى مَكَانِيَ الَّذِي كُنْتُ فِيهِ فَأَنَامُ حَتَّى أَمُوتَ، فَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى سَاعِدِهِ لِيَمُوتَ فَاسْتَيْقَظَ وَعِنْدَهُ رَاحِلَتُهُ عَلَيْهَا زَادُهُ وَطَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَاللَّهُ أَشَدُّ فَرَحاً بِتَوْبَةِ الْعَبْدِ الْمُؤْمِنِ مِنْ هَذَا بِرَاحِلَتِهِ وَزَادِهِ).

إن باب التوبة مفتوح، وإن رحمة الله واسعة، فما عليك أخي القارئ إلا أن تعود إلى محراب الطاعة، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى: {إِلا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً}.

فيا كل مسلم... لن تتحقق تلك النتيجة المأمولة في مكافحة فيروس (كورونا) إلا بتكاتف الجميع، والالتزام بكل الإجراءات التزاماً تاماً، فالمسألة مهمة جدا، فهي حياة أو موت، فلا تهاون في تطبيقها.

* خطيب المسجد الأقصى


أخبار ذات صلة

إيطاليا.. 300 إصابة بـ"كورونا" و92 وفاة
جعجع: الصيغة اللبنانية لم تنته بعد
"كورونا".. فحوص قصر عدل زحلة بدأت