بيروت - لبنان 2020/12/02 م الموافق 1442/04/16 هـ

التحالف العربي وثورة السلام

حجم الخط

إن من يظن ان اتفاقيتي السلام اللتين وقعتهما الإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين مع إسرائيل، تحت معية الولايات المتحدة، هما خطوات ديبلوماسية عادية، أم مبادرات سياسية لمكاسب حكومية ومادية، ولو كبيرة، هم مخطئون. فهذه الاتفاقيات التي اُطلق عليها اسم "معاهدة إبراهيم" هي نقلة نوعية وزلزال سياسي مضبوط الوقع، آتية من عمق التحالف العربي، وبمنطق استراتيجي تغييري جارف، وهذه هي قراءتي من واشنطن.

الصراع العربي- الإسرائيلي كان مواجهة إقليمية "قومية" مع إسرائيل منذ عام 1947، مر بحروب مدمرة عدة، واحتلالات، وملايين اللاجئين، وعنف، وعنف مضاد، وتفجرت حروب أهلية بسبب الحرب الأم، من الأردن إلى لبنان، وكانت لهذه المواجهة الكبرى آثار تاريخية على التنمية الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية لشعوب المنطقة، وعلى السياسة العالمية لأقل من قرن، من دون التوصل إلى حلول نهائية بأي اتجاه.

العامل "القومي" هو الذي حّول أزمة إثنية جغرافية بين عرب فلسطين ويهود إسرائيل إلى مجابهة مع دول "الأمة العربية" كما وصفها القوميون العرب "العروبيون"، وبعدهم وسّع "الإسلاميون" الصراع إلى مفهومه "الجهادي" الأكبر، فحولوا الصراع إلى حرب حتى العظم أي أن هدفها بات الإزالة التامة "للعدو" وليس دولتين للشعبين، كما هو منطق الحل العادل، والمقبول دولياً.

فذهب الراديكاليون في المنطقة العربية إلى حدّ رفض الحلول المطروحة من المجتمع الدولي، وطال الزمن ومرت العقود وتجذر واقع اللاجئين الفلسطينيين داخل الدول العربية، ومع إطالة الزمن بسبب التموقع الراديكالي، تصلّبت الوقائع الديموغرافية على أرض الواقع، بشكل تستحيل معه إعادة عقارب الساعة إلى الوراء. وهذه حالة ديموغرافية قد عصفت بمناطق وشعوب كثيرة غير الفلسطينيين والإسرائيليين فقط، فمن إيرلندا الشمالية، إلى ألمانيا وبولندا، إلى البلقان والقوقاز، وقبرص، وشبه القارة الهندية والسودان وصولاً إلى أقاليم كردستان في أربع دول شرق أوسطية. عندما تطول القضايا "الإثنو-قومية" تتثبت الديموغرافيات بشكل يستحيل حلها بالحروب في هذا الزمن.

أضف إلى ذلك أن الأزمات العربية الديموغرافية ومسائل الحدود مع "غير العرب" كما في الأهواز والعراق وسوريا ودارفور، وإلى حد ما في لبنان سابقاً، ومسائل الحدود "بين العرب" كما بين اليمنين، أو داخل المغرب العربي، وربما إذا طال الوقت في ليبيا، كل هذه المسائل الملتهبة، خصوصاً مع السوشيال ميديا والثورات، خلقت قضايا عدة ومترابطة لحوالى عقدين، فلم تعد "القضية الفلسطينية" القضية العربية المركزية، أو الوحيدة، حتى ولو استمر الخطاب العربي الرسمي يؤكد ذلك.

فما يُسمى بالربيع العربي قد فجّر مجرة من القضايا والتحولات التي كتمتها الأنظمة القديمة والمؤسسة الفكرية الرسمية لعقود. الإنسان العربي يريد التحرر الآن، في كل مكان، ابتداء من نفسه ومدينته وبلده، التاريخ تطور وأحداثه جارفة، وباتت تجرف القضايا التقليدية والعاطفية الرمزية، وجاء تفجير الحروب الداخلية، وانتشار القوى التكفيرية، والتوسع الإيراني الاستعماري، لتخلط الأوضاع الاستراتيجية في المنطقة.

العالم العربي اليوم ليس كسلفه عام 1945، وفلسطينيو اليوم ليسوا كأسلافهم في عام 1947، جزء يريد فلسطين قطعة من الخلافة، وجزء يريدها بمستوى إسرائيل التكنولوجي، وكل من هم بين الحدين.

المنطقة تغيرت جذرياً، الأوطان العربية باتت تدافع عن نفسها "قومياً" وشعوبها تطورت نسبياً باتجاه التكنولوجيا، فبات صعباً أن تبقى في حال نفسية تركز فقط على ما كان في الماضي "القضية المركزية لكل العرب". أضف إلى ذلك أن التهديد الإيراني للدول العربية بات وجودياً، والتهديد الديموغرافي للشعوب العربية أكبر حجماً من أي تهديد آخر، إن الميليشيات الإيرانية قد دمرت وقتلت في العراق وسوريا واليمن ولبنان أضعاف حجم كل فلسطين، وتهديد نظام طهران للجزيرة العربية والهلال الخصيب أكبر بكثير من تهديد إسرائيل لفلسطين، حجماُ واقتصاداً وشعباً.

أضف إلى ذلك أن القوى الإخوانية والجماعات التكفيرية قد ضربت مجتمعات العالم العربي بكامله وأرهبته على آلاف الكيلومترات من القدس، وهي تجهد لإسقاط كل الحكومات التي تعارضها وكل المجتمعات التي تتجه باتجاه الإصلاحات الليبرالية، والذي أثّر في "القضية الفلسطينية" في خضم انفجار المخاطر الكبرى الحديثة على المنطقة العربية المتطورة، دخول القوى الإقليمية الإيرانية والإخوانية إلى عمق المناطق الفلسطينية، عبر حماس، والجهاد الإسلامي، والإخوان المحليين، فتم الاستيلاء على المقود الاستراتيجي الفلسطيني وتجييره ليس باتجاه تفاوض ذكي مدعوم عربياً لانتزاع مكاسب للفلسطينيين، بل باتجاه تهديد المعتدلين الفلسطينيين، والدول العربية المعتدلة على السواء.

ومع هذا التموضع، وُضعت السلطة الفلسطينية في موقع دفاعي، باتت منقطعة عن القيادة الإقليمية العربية، وغير قادرة على الإمساك والتحكم بالمقود الاستراتيجي الفلسطيني، وبكلام قصير، المعادلة الفلسطينية لم تعد تعبر عن المصالح الوطنية الفلسطينية بسبب التيارات الراديكالية التي قرصنتها وخطفتها لصالح أجندات عواصم التشدد التي تخوض حروباً عبثية ضد الاعتدال والانفتاح.

فجأت عملية إنقاذ، للمنطقة العربية، للاعتدال العربي، والآن تنتقل إلى إنقاذ الشعب الفلسطيني نفسه، والعملية انطلقت كثورة في العلاقات الدولية قادها التحالف العربي بأركانه الأساسية، مصر، المملكة العربية السعودية، والامارات، خصوصاً منذ قمة الرياض في مايو (أيار) 2017، بحضور الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ومن أهم توصيات القمة، دحر الراديكاليات في المنطقة، ورد الإنفلاش الإيراني وتوفير الأطر لحل المسألة الفلسطينية.

وعلى صعيد إعادة تركيب الملف الفلسطيني، التحالف العربي انتقل إلى مرحلة "الأمر لي" في المواجهة مع إيران والإخوان، القيادة الفلسطينية باتت رهينة لمحور التطرف، بالتالي فإن قيادة التحالف دخلت على الخط لوضع برنامج عصري لحل المسألة الفلسطينية لمصلحة الشعب الفلسطيني، لا سيما لصالح الأجيال الشابة التواقة لحياة أفضل، فأسقطت الخطوط الحمر القديمة، وسيمسك بالمسألة بيديه وبالمشاركة مع قيادات شابة حديثة من المجتمع الفلسطيني الحديث، المقيم والمغترب.

وكيف ستتحرك هذه الثورة الدبلوماسية العربية؟ من موجتين، من مصر والأردن اللتين وقعتا اتفاقيات سلام مع إسرائيل في الماضي، وهذا العام عبر مبادرتين شجاعتين من قبل الإمارات والبحرين لتوقيع معاهدة إبراهيم مع إسرائيل، وقد تلحقها دول عربية أخرى. التحالف سيخط برامج إنقاذ المنطقة عبر ثورة دبلوماسية لإقامة تكتل السلام، القادر على تعبئة الولايات المتحدة والمجتمع الدولي بالاتجاهات التالية:

- مواجهة إيران، عدوة السلام في المنطقة.

- عزل الإخوان، ناشري التطرف.

- دعم الفلسطينيين كفصيل من التحالف العربي.

- والعمل مع الإسرائيليين، كشريك سلام للتحالف، لإقامة دولة فلسطينية.

وطريق كهذا سيضع الفلسطينيين على الطريق السريع باتجاه دولتهم الفتية، الحديثة، المستقرة، المزدهرة، بدلاً من التجربة الخاسرة عن طريق إيران والتكفيريين، التحالف سيقود الفلسطينيين إلى فلسطين تعيش جنباً إلى جنب مع إسرائيل وعلى تواصل مباشر مع العالم العربي.

إن ما يقوم به الشيخ محمد بن زايد آل نهيان والملك حمد بن عيسى آل خليفة من مبادرة في واشنطن من التوقيع على "معاهدة إبراهيم"، ومن قبلهم قادة مصر والأردن، هو ليس فقط تعزيزاً للسلام، وتوحيداً للقدرة العربية المشتركة، بل إنتاج الفرصة التاريخية لقيام الدولة الفلسطينية، وآخرـ وليس أخيراً، قيادة عرب القرن الـ21 إلى المستقبل.


المصدر: اندبندنت


أخبار ذات صلة

جريدة اللواء 2-12-2020
صرخة جديدة لموظفي مستشفى صيدا الحكومي، ومطالبة بصرف رواتبهم المتأخرة منذ أربعة أشهر
مؤتمر المساعدات نحو «صندوق إنساني».. وسلامة يمدّد الدعم حتى شباط
لا يضعون في السجن إلا من يستحق..ولو أهانهم!