بيروت - لبنان 2020/04/03 م الموافق 1441/08/09 هـ

الحرب العالمية الأخيرة..

حجم الخط

في مثل هذه الأوقات العسيرة، كيفما جرّب المرء الابتعاد، أو التقاط نفَسٍ للبحث عن قضية بديلة أكثر أهمية أو إثارة للكتابة، عاودت تداعيات انتشار وباء كورونا المتلاحقة محاصرته، ورمي ظلالها الثقيلة على كل مناحي الحياة الأخرى، المتعلقة بأي حدث سياسي أو اجتماعي أو ثقافي، فرض الفيروس سطوته عليها، فأزاح الاهتمام بها، أو أجّلها وشل نشاطها الحيوي مؤقتا، كما فعل بحياة معظم مدن العالم وحيوات قاطنيها، الكبرى منها بشكل خاص، ومؤسف وحزين.

كورونا الذي اكتسب اسمه من شكله المجهري، سليل العائلة التاجية القاتلة، يشبه اليوم شبحا أسطوريا لملك شاب، مزهو بتيجانه ومظهره المتكور كوردة حمراء، لكنه مخادع وسفاح، أكثر بطشا من أسلافه، شمولي وقاسي الفؤاد، يتوج ذاته على عرش العالم في تجبره وغطرسته، لإدراكه لمقدراته الماراثونية على السيطرة، وتحدي مقدرات البشرية وعظمة تقدمها وإنجازاتها، يحاصر قلاعها، ويرمي أسوارها بحممه الجهنمية مثل كرات منجنيق، يهاجم نظمها الدفاعية ويمتحن متانة مناعتها، يفتك بها بدم بارد، وهو المتناهي في صغر حجمه، لكنه المنتصر في جولاته الأولى، حتى اللحظة.

هي فرصة لمراجعة ومحاسبة الذات مع ذاتها

مفردة الحرب، ترددت عشرات المرات في الأيام الأخيرة الماضية، على ألسنة زعماء الدول الكبرى، ورؤساء ومسؤولو منظمات دولية، وساد إجماع لفظي بتوصيف ما يحدث، بأنه الأقسى والأشد منذ الحرب العالمية الثانية.

حرب غير تقليدية، بدون قذائف أو نيران، ضد عدو مجهول غير مرئي، لكنه ملموس وجلي الوضوح في نتائجه الكارثية وضحاياه، تتصدى له منذ بدء انتشاره، وتقف في صفوف جبهاته الأمامية الأكثر خطورة، كوكبة من الفرق النبيلة والشجاعة، في مقدمها الطواقم الطبية بكافة تخصصاتها، وموظفي مراكز العزل الصحي، ومراكز البحوث العلمية، وعمال الخدمات والنظافة والتعقيم، وفرق الدفاع المدني أو العسكري التي تضبط حالات الطوارئ المجتمعية، وعمال المطارات وسائقي شحن البضائع، والصيدليات وموظفو متاجر بيع الأطعمة والسلع الحيوية، والمتطوعين المغامرين الذين يخضعون لاختبارات اللقاحات، إضافة إلى غالبية الوسائل الإعلامية والمنصات الإلكترونية وشبكات التلفزة عبر العالم، التي استنفرت طواقمها الإخبارية بجاهزية كاملة، للتغطية المستمرة والمباشرة لتداعيات الحدث، ونشر التوعية العلمية والصحية، وتعرض بعض مراسليها على الأرض لاحتمالات إصابة، أو حجر صحي جراء تنقلاتهم المستمرة بين الأماكن الموبوءة.

لهؤلاء جميعا، ترفع القبعة، وسيذكر التاريخ أنهم أبلوا بلاء حسنا، وكانوا أوفياء لإنسانيتهم ومهنيتهم في هذه الحرب العالمية الأخيرة، التي لا تعني نهاية العالم، لكنها قد تغير التاريخ إلى ما قبل كورونا، وما بعده.

حرب البشرية العالمية الأخيرة، التي منحها هذا الوباء ببعض العدل وقليل من هامش الرحمة، فرصة أخيرة لمراجعة الذات، على الصعيد الدولي وعلى الصعيد الفردي، حيث يؤمل بإعادة النظر، والتحلي بالشفافية النقدية للأداء الحكومي، والنظم العالمية المعمول بها، والخروج بأشكال محدثة وعادلة تلبي تطلعات الشعوب، التي يتوقع عقب انتهاء هذه المحنة، أن تسارع للمحاسبة والمطالبة بالإصلاحات الجذرية، وتجديد ضغوطها في الشارع التي توقفت في أكثر من بلد نتيجة لتفشي الوباء.

وهي فرصة "كورونوية" ذهبية لهذه النظم، للبدء منذ اللحظة، باتخاذ إجراءات مرنة تتعلق بإيقاف السجالات السياسية، والاتهامات المتبادلة، وتنفيس الاحتقان بين بعض الدول، والضغط على كافة الأطراف في بؤر الصراع والحروب عبر العالم، للإسراع بالحلول السياسية الإنقاذية، وحماية أرواح آلاف الجنود، وإعادتهم إلى أسرهم وخدمة مجتمعاتهم، واستمرار الضغوط للإفراج عن المعتقلين والمغيبين قسريا عبر العالم، وتخفيف الأحكام عن السجناء غير المجرمين أو منحهم الرعاية الصحية المطلوبة، والنظر بعين الرأفة لملايين المشردين والنازحين واللاجئين العالقين على تخوم حدود البلدان، والضغط الحثيث للكف عن التلاعب بالأغذية المعدلة وراثيا، وانتهاكات البشرية المستمرة ضد البيئة والمناخ، والطبيعة التي ردت صفعتها بجبروتها الأقوى من جبروت الإنسان.

حرب غير تقليدية، بدون قذائف أو نيران، ضد عدو مجهول غير مرئي

هي فرصة لمراجعة ومحاسبة الذات مع ذاتها، أو ضمن دوائرها وشبكاتها العائلية والاجتماعية، حيث دفع الهلع العديد من المؤمنين، إلى تقديم الاعتذارات والندم لأفعال ارتكبوها سابقا بحق غيرهم، كما ساهم العزل الأسري القسري أو غير القسري، ليس فقط إلى إعادة استكشاف جماليات اللحمة العائلية وتشديد أواصرها، بل أيضا إلى تعزيز آليات التفكير المجتمعي السليم وترجمته بسلوكيات نبيلة، تعنى بالآخر دون تمييز لعرق أو لون أو دين أو طائفة، مثل التواصل والاهتمام بكبار السن، الذين رحب البعض بزوالهم بفاشية مخجلة، أو أولئك الوحيدين، أو المرضى بأمراض أخرى، أو ذوي الاحتياجات الخاصة، من الجيران أو في المحيط الضيق، ومساعدتهم عند الضرورة.

سلوكيات تصب جميعها، في المأمول من النفس البشرية أن تمارسه باستمرار، وليس فقط في أوقات الخطر، مع أهمية التخفيف ما أمكن من الاستهزاء والكوميديا السوداء التي اكتسحت وسائل التواصل الاجتماعي في الآونة الأخيرة، وهي، وإن أمكن تبريرها كآليات عفوية لدفاع النفس البشرية عند مواجهة فكرة الفناء، عبر اللجوء لبعض السخرية والضحك، إلا أنها، في مبالغاتها الهستيرية اليوم، وبخاصة في الدول العربية، قد تجرح أفئدة المصابين، أو ممن فقدوا أحباءهم جراء الوباء.

تعيش البشرية هذه اللحظات، أقسى اختبارات الحب، إما أن يخرج العالم شهيا ونظيفا بعد كل هذا الصابون، أو نخسر فرصتنا بنصر مشرّف في حربنا العالمية الأخيرة، الأخلاقية أولا، قبل كل شيء.

المصدر: "الحرة"


أخبار ذات صلة

في «زمن كورونا».. الحركة في الشوارع يحكمها «نوع الجنس»
الكويت: شفاء إصابة من فيروس كورونا ليرتفع عدد المتعافين إلى [...]
بعد تجربته على الفئران.. علماء أميركيون: نعتقد أننا وجدنا لقاحًا [...]