بيروت - لبنان 2020/05/25 م الموافق 1441/10/02 هـ

«السلطوية».. «أمر بتقطيع فيل لأنه لم يقدم له التحية»

حجم الخط

موسم التوظيف السياسي لسباق الأنظمة في مواجهة كورونا مزدهر. والمشهد، وسط رعب الناس من وباء خطير، يفرض المقارنة: الديمقراطيات بدت بطيئة في الحركة قبل الاندفاع في تجنيد كل شيء للمواجهة بعد انكشاف نقاط الضعف في الأنظمة الصحية. السلطويات بدت سريعة التحرك بعد أيام طويلة من إنكار الإصابات بالفيروس من أجل هيبة النظام والاقتصاد كما في الصين وروسيا أو خوفاً على الانتخابات كما في إيران. وليس غريباً أن ترتفع موجة الوقوع في إغراء السلطوية. الغريب هو نسيان أمرين في حرارة الكارثة: أولهما أن الرعب هو عملة السلطوية، والحوار هو عملة الديمقراطية. وثانيهما أن الديمقراطية هي التي ربحت السباق التاريخي في القرن العشرين مع الفاشية والنازية والعسكريتاريا اليابانية والتوتاليتارية الشيوعية السوفياتية.

ذلك أن مجلة "درشبيغل" الألمانية رأت أن "المريض الأميركي" جاهز للسلطوية. وهي تعرف أن حلم الرئيس دونالد ترمب أن يحكم مثل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الصيني شي جينبينغ مدى الحياة، خلافاً لتحذير جيمس ماديسون أحد الآباء المؤسسين من "تعظيم السلطة" والقول: "رئيس في ثياب ملك ليس ما نص عليه الدستور وما انتخبناه". وقبل ذلك أفاد استطلاع للرأي أجرته "بيو" بأن خمسين في المئة من الأميركيين يعتقدون بوجود خطر حقيقي في أن تصبح أميركا بلداً سلطوياً لا ديمقراطياً. حتى الدبلوماسي جورج كينان الذي وضع الأساس النظري لمواجهة الاتحاد السوفياتي بإستراتيجية "الاحتواء" في خمسينيات القرن الماضي، اعترف بوجود "قليل من التوتاليتارية مدفون عميقاً في مكان ما من كل منا".

أليس هذا ما طبقه عملياً رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان؟ أليس هذا ما قاد مسار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من نظام ديمقراطي برلماني إلى نظام رئاسي سلطوي، بحيث وضع معهد "بريكسمان" الألماني تركيا في خانة "الدول الأوتوقراطية"، وقال رئيس الوزراء السابق رئيس حزب "المستقبل" أحمد داود أوغلو إن لدى أردوغان ميلاً لجعل تركيا "بلد أقزام"؟

لكن لعنة السلطوية أقوى من الإغراء، وخصوصاً حين صارت "سلطوية ديجيتالية" تراقب كل حركات المواطنين بما يجعل "الأخ الأكبر" في رواية جورج أورويل "1984" من الهواة.

فالاقتصاد التركي في مشكلة أعمق من مشكلة كورونا. وفي المناطق البعيدة في روسيا يتولى الأوليغارشيون من أصدقاء بوتين تقديم ملايين الدولارات والوسائل الطبية للمساعدة في مواجهة الوباء لأن موسكو عاجزة عن ذلك. وكل قوة النظام لا تتحمل تظاهرة في الشارع يقودها ألكسي نافالني. والخطر الأكبر على النظام الثيوقراطي السلطوي في إيران هو نزول الناس إلى الشارع. ويقول المرشح الرئاسي سابقاً مير حسين موسوي الموضوع في الإقامة الجبرية منذ "الحركة الخضراء" إن "الديكتاتورية باسم الدين هي أسوأ أنواع القمع". وما يخيف النظام الشمولي السلطوي الصيني ويعمل على محاربته هو ما حدده شي جينبينغ بست قضايا: "الديمقراطية الدستورية الغربية، حقوق الإنسان، استقلالية الإعلام، المشاركة المدنية، ليبرالية السوق، والنقد العدمي للحزب".

حتى السرعة بعد الإنكار في مواجهة كورونا، فإنها ركزت على الشكل أكثر من المحتوى. ففي ووهان مصدر الفيروس يقول ناشط صيني: "المسؤولون أنفقوا وقتاً طويلاً في تنظيم السيطرة علينا، فلماذا لا يستخدمون هذه الطاقة في تلبية اهتماماتنا؟".

وأحدث تقرير استخباري على مكتب الرئيس شي يتخوف من "موجة معادية للصين" في العالم تحت عنوان التأخر في إعلان كورونا تتجاوز أيام قمع الطلاب المتظاهرين في ساحة تيان آن مين عام 1989.

ولا شيء في النهاية يغلب الديمقراطية. فهي حتى في العجز والتقصير قابلة لتصحيح الوضع بالحوار. وهي في مواجهة كورونا تعلمت الدرس وقدمت كل ما يمكن باستخدام أقصى طاقة المجتمع. وليس "المستبد العادل" الذي تكثر المطالبة به عندما ترتبك الديمقراطيات سوى خرافة. فلا مستبد عادلاً. وإيفان الرهيب هو النموذج، بدأ عادلاً، ثم انتهى يأمر بتقطيع فيل لأنه لم يقدم له التحية في حديقة القصر.

المصدر: اندبندنت


أخبار ذات صلة

"كورونا".. فحوص قصر عدل زحلة بدأت
أول ظهور علني لبايدن منذ آذار
العاهل الأردني: إجراءاتنا الاستباقية حالت دون تفشي وباء كورونا في [...]