بيروت - لبنان 2021/01/15 م الموافق 1442/06/01 هـ

العراق.. استعادة الدولة بالاحتواء السياسي أم المواجهة العسكرية؟

حجم الخط

في وداع عام 2020 واستقبال عام 2021، صرح رئيس مجلس الوزراء، مصطفى الكاظمي، بالقول: "لقد اتخذت القرار وانتهى. التجاوزات على الدولة تحت أي عنوان غير مقبولة، ولكن دون تهور وإنما بالحكمة والصبر والحسم".

وقد يجمع هذا التصريح بين المتناقضات: عدم القبول بالتجاوزات على الدولة من جانب، والحكمة والصبر والحسم من جانب آخر.

في العراق، ومنذ 2003 لم يكن الصراع بين القوى، التي تمثل الطبقية السياسية، قائماً على أساس مشروع بناء الدولة، وإنما الصراع كان ولا يزال يدور حول السيطرة على الدولة بين أطراف العمليّة السياسية.

ولذلك قدمت الأحزاب والقوى السياسية نفسها بعناوين ما قبل الدولة: الطائفية أو القومية أو العشائرية. ومنذ ذلك الحين، بقيت تلك العناوين حاضرة في نقاشات وسجالات تقاسم المؤسسات على أساس نفوذها السياسي ومواردها الاقتصادية وغُيّب تماماً عنوان الدولة.

وفي معركة العراقيين ضدّ قوى الإرهاب، كان حضور الدولة في هذه المعركة هو الأضعف. إذ لم يتم تسويق أيديولوجيا الدولة ومحاولة رفع رايتها، وإنما كانت الكثير من القوى الفاعلة في المجال السياسي تعتبرها حرباً بين المكونات الطائفية، ومعركة بين من يرفض معادلة الحكم الجديدة باعتبار السلطة قد أصبحت بيد شيعية، في قبال قوى سنيّة متطرفة ترفض الاعتراف بهذا الواقع الجديد، وتريد العودة بالتاريخ إلى ما قبل 2003.

وحتى في الحرب ضد تنظيم داعش الإرهابي كان خطاب التحشيد لهذه الحرب بعنوان حرب الدولة ضد الجماعات الإرهابية هو الأضعف!

رغم ذلك، بقي العراقيون يستشعرون الحاجة إلى وجود الدولة بعد أن تلمسوا مأساة غيابها. ولذلك بدأ التحول في خطاب الطبقة السياسية، لكنه لم يتحول إلى سلوك عملي في المواقف السياسية.

وقد يبدو نوعاً من السذاجة والبلاهة تصديق تلك الخطابات، فالمافيات السياسية لا يمكن لها أن تحمل مشروع بناء الدولة؛ لأن غياب الدولة عن المجال العام هو الفردوس بالنسبة لها، ووجود الدولة القوية يعني نهاية نفوذها وهيمنتها.

في تاريخ تشكل الدولة في الشرق الأوسط، كانت القوى التي تهيمن على الدولة، كما يصفها المفكر اللبناني غسان سلامة، تشبه إله الإغريق (جانوس) الذي يحمل وجهَين، فهي، بالوجه الأول، تشيّد المؤسسات، وتحمي القطاع العام، وتقوي المؤسسة العسكرية، وتدافع عن الوطن، ولكنها أيضاً، وفي الوجه الثاني لها، لا سيما عندما يداهمها خطر انزلاق السلطة من بين يديها، تعود وتنكفئ على ذاتها، وتضرب من حولها ذات اليمين وذات اليسار، فتستغل مؤسسات الدولة حتى تعريضها للخطر، وتركب حصان العسكر للدفاع عن نفسها لا عن الوطن، وتعيث فساداً في الاقتصاد.

القوى السياسية التي هيمنت على مقاليد السلطة في العراق، بعد 2003، احتفظت بالوجهين، لكنها غيَّرت في وظيفتهما، إذ غُيّبَ تماماً الوجه الذي يقوم بوظيفة ببناء المؤسسات وتقديم الخدمات للمواطن، وبات لها وجه تنحصر وظيفته في خلق كيانات موازية تقوم بسلب الدولة، ووظيفتها تعمل على تدمير ثقة المواطن بالدولة. أما الوجه الثاني، فوظيفته سلب ونهب الدولة لصالح مافيات سياسية تعظم مواردها من خلال التعامل مع اقتصاد الدولة بمنطق الغنيمة.

وأصبحت وسائل القوى السياسية بالهيمنة على الدولة ومصادرة وظائفها، تتم من خلال تهجين الأمن بخلق كيانات مسلّحة موازية لمؤسسات الدولة الأمنية، ودخولها حلبة التنافس السياسي والحصول على مقاعد في البرلمان ومناصب عليا في الحكومة. ولذلك أصبح من يأتي إلى السلطة أسيراً لمعادلة نفوذ الزعامات السياسية التي تملك المال والسلاح.

قوى اللادولة التي حوَّلت مؤسسات الدولة إلى هياكل خاوية وديكورات فقط، لأن من يتحكم بالقرار السياسي في العراق هم زعامات قوى اللادولة. ومن ثم، بالتأكيد سترفض تلك القوى وزعاماتها أي مشروع للاحتواء السياسي والحكومة الأمنية، لأنها تعتقد أن نهاية نفوذها وسطوتها على الدولة ستكون بتنازلها عن سلاحها الخارج عن القانون.

ولذلك لا يمكن الوثوق بالنفاق السياسي، الذي يبدو واضحاً في خطابات الطبقة السياسية عندما تتحدث عن (هيبة الدولة) أو (بناء الدولة) أو (سيادة الدولة)، فهذه المفردات للترويج الإعلامي، ولا مكان لها في الجلسات والاجتماعات بين القوى السياسية، إذ يتم استبدالها بحوارات ونقاشات تدور حول تقاسم الموارد الاقتصادية للدولة ومؤسساتها السياسية.

ووفقاً لهذه المعطيات لا يمكن الحديث عن استنساخ تجارب من دول أخرى لكسب معركة استعادة الدولة، لأن هذه المعركة ذات طابع مركب؛ لأن معطياتها أمنية وعسكرية، وأبعادها سياسية. ولذلك حلولها لا تنحصر بنزع سلاح الجماعات المسلحة والجماعات الخارجة عن القانون واعتماد سياسات التسريح وإعادة الدمج. ورغم أنها قد تمثّل البداية الصحيحة، لكنها لن تكون ممكنة التطبيق إلا بالمواجهة المسلحة مع جميع الكيانات التي تحمل السلاح خارج إطار الدولة.

ويبدو أن تكلفة المواجهة المسلحة مع الجماعات الموازية للدولة ستكون عالية، لكن ما يمكن أن يخفض من تكاليفها وخسائرها هو التحالف بين قائد سياسي يؤمن بمشروع الدّولة وبين قائد عسكري يؤمن بضرورة استعادة وظيفة المؤسسة العسكريّة في حفظ أمن الدولة ومؤسساتها بعيداً عن الطموح السياسي ويرفض خضوعها لقوى اللادولة.

خارطة الطريق لاستعادة الدولة ليست بالمهمة المستحيلة، لكنها لا يمكن أن تكون معركة رابحة إلا بتحقيق التوزان بين استخدام أذرع الدولة الأمنية برمزية الانتصارات على قوى الإرهاب وتنظيم داعش، وبالتوازي مع ثلاث خطوات رئيسة، الأولى: كسب ثقة المواطن وجعله شريكاً وحليفاً للحكومة في معركتها ضد قوى اللادولة بكل عناوينها. أما الثانية: فهي تقوم على أساس استدراج القوى السياسية التي ترفض البقاء ضمن ثنائية الصراع بين الهيمنة على الدولة ومحاولة إضعفاها واستلاب وظيفتها ودورها في المجتمع. والخطوة الثالثة: هي إقناع القوى الإقليمية أن دعم الحكومة سيكون أكثر جدوى من الرهان على توفير الإسناد للقوى التي تعمل على إضعاف الدولة.

المصدر: الحرة


أخبار ذات صلة

وول ستريت جورنال: ترامب يسعى لتحفيز التعاون العربي ـ الإسرائيلي [...]
د. عبد الرحمن البزري لـ mtv: اللقاحات ستعطى في لبنان [...]
وفاة النائب الثالث لرئيس حزب الكتائب بمضاعفات كورونا