بيروت - لبنان 2020/08/11 م الموافق 1441/12/21 هـ

ذكرى عام الطوفان والعبرة بالخواتيم

آليات عسكرية عراقية مدمرة في صحراء الكويت (أ.ف.ب)
حجم الخط

في الثاني من آب عام 1990 اجتاحت جحافل الجيش العراقي بقيادة صدام حسين دولة الكويت العربية الجارة، واحتلتها وأعلنتها محافظة تابعة لها، هكذا وبمبررات واهية تلاشت سريعاً بعدما كشفت الصدامية عن وجهها الحقيقي بالتوسع والنهب المباشر لخيرات ومقدرات دولة شقيقة صغيرة طالما كانت له السند والعضد إبان حربة التي شنها على إيران عام 1980، وأصر الخميني على استمرارها ثماني سنوات من أجل تحرير القدس عبر بغداد.

يصدق في ذلك اليوم وفي تلك الذكرى المشؤومة أن تسمى "عام الطوفان"، فلقد كان ذلك العدوان السافر إيذانا بالنهاية لنظام عربي واهن وضعيف، كان عام الطوفان هو البداية في ولوج المنطقة بالخراب والتشظي وتفشي أحقاد وضغائن معظمها كان كامناً، فظهرت وجوه المنطقة على حقيقتها- قبح وتخلف وبطش وقهر وفجائع تثير الغثيان وتزرع الشيب في رؤوس الصبيان.

لم تعد المنطقة بعد ذلك الطوفان كما كانت قبله، فلقد تم تدويلها والتدخل في شؤونها، وحوصر العراق بعد دحر عدوان صدام، واستمر ذلك الحصار إلى أن سقط صدام حسين ونظامه بلا رجعة عام 2003، ومع سقوط النظام، تكشفت القروح والدمامل الطائفية البغيضة تنز دماً وصديداً، ودخلت المنطقة في حروب واحتقانات مذهبية دامية تنبش في التاريخ الذي أعلن براءته من مرحلتنا، وتجتر غابر الأزمان لتبرير الغث وتسويق الخزعبلات.

ولى صدام حسين، ولكن الصدامية بدمويتها ورغبتها الجامحة الخائبة بالتمدد والعدوان ما زالت حية نابضة تعيش بين ظهرانينا، فمن طموح إيراني تغلغل في العراق وبلاد الشام واليمن، إلى تدخل تركي سافر بشمال العراق والشام وليبيا.

ثلاثون عاماً مضت على عام الطوفان، لكان آثار الطوفان ما زالت بائنة للعيان، عراق يئن منذ ذلك العام تحت وطأة الحصار، فالغزو الأميركي، فالاحتلال الأميركي، ثم يعيش اليوم الاحتلال "الأمريراني" (الأميركي+الإيراني)، ويتعثر بهوّات من الاقتتال الطائفي والحزبي بين مكونات شعبه من دون بارقة أمل باسترداد عافيته. يحدث ذلك للعراق اليوم لأن دكتاتوراً لا يمكن لفت نظره لما يمكن أن يحيق ببلاده وشعبه إن غزا جاره وشقيقه، صحا من النوم يوماً مثقلاً بأحمال مغامراته، فقرر حلها بآخر الحلول: الكي الحارق مباشرة. لم ينتظر مشاريع تنموية، ولا برامج تنموية، ولا خطط اقتصادية، ولا مفاوضات مرعية من قبل السعودية، ولا هم يحزنون. قرر غزو جارته المسالمة الثرية لنهبها وحل كل مشكلاته بالدبابة والمدفع، وبالعدوان الصارخ والخارق لكل الأعراف، وراح يسوق عدوانه بمبررات ممجوجة ومكررة: تحرير فلسطين وتوحيد الأمة والانتصار على قوى الاستعمار.

هذيان لا يصمد في عالم الواقع دفع المجتمع الدولي للتوحد ضد العدوان ودحره خلال سبعة شهور، لكنها شهور عجاف ما زالت بقاياها تنزف حروباً واقتتالاً وتخلفاً وتراجعاً ليس للعراق وحده، ولكن للمنطقة برمتها.

وما أشبه الليلة بالبارحة!

تكرار إيراني وتركي ممل ومدمر يحاول إحياء الميت من حوادث التاريخ متجاهلاً أن "تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون"، غطرسة إيرانية وتركية وانتهازية لحالة الضعف العربي لاحتلال العراق والشام واليمن وليبيا بأياد عربية: شيعة سياسية تركبها إيران بحجة الدفاع عن الشيعة وحمايتهم ولا يدرون ممن، وسنة سياسية يقودهم الإخوان المسلمون يمتطيهم أردوغان للهروب من استحقاقات الداخل وتصدير مشكلاته الداخلية وإرضاء جبروته وجنون عظمته الصدامية.

ثلاثون عاماً مرت على "تسونامي" المنطقة الذي فجره صدام حسين بغزوه للكويت، فقتل ودمر ونهب وانسحب هارباً ذليلاً مكسوراً.

كانت السعودية ودول الخليج ومصر العظيمة رأس حربة الإرادة والتضحية في التصدي للعدوان والانتصار للحق، فلولا تضحيات السعودية ودول الخليج، ولولا نصرة وإرادة مصر ودول عربية وصديقة أخرى، لما استطاع الحشد العسكري الدولي غير المسبوق تحرير الكويت من ذلك العدوان الصدامي الظالم.

وتدور السنون، وتبقى جبهة السعودية ومصر ودول الخليج قدراً في مواجهة الصدامية التوسعية بوجهيها الجديدين: إيران وتركيا. هذا هو قدر المملكة العربية السعودية ومصر وقدرنا في الخليج، فلم تعتد هذه الدول على أحد، ولم يدخل الجيش المصري أراضي أحد، ولم تحتل السعودية دولة أخرى، فلم يجتاح الجيش السعودي عربستان، ولم يدخل الجيش المصري للاسكندرون التركية، لكن قدر السعودية أن تساند الشعب اليمني بمواجهة الميليشيات الإيرانية - الحوثية، وأن تحمي جنوبها من العدوان المدعوم إيرانياً، وأن تتصدى مصر مكرهة لعدوان تركيا على ليبيا بمساندة القوى الليبية الرافضة للاعتداء والاحتلال هناك، نصرة للحق ودفاعاً عن حدودها الغربية.

عسى أن يكون في ذكرى عام الطوفان، درس للصدّاميين بأنقرة وطهران، وعسى أن تكون هذه الذكرى عبرة ونيشاناً، لعل الذكرى تستجدي العقلاء بالعاصمتين وتستصرخ الضمائر هناك:

لن تكونوا صداميين أكثر من صدام نفسه، والأمور بخواتيمها، فانظروا كيف صارت خاتمة صدام إن كنتم تعقلون.

وزير الإعلام السابق في الكويت
المصدر: "اندبندنت عربية"


أخبار ذات صلة

كتلة التنمية والتحرير: للاسراع في تشكيل حكومة جامعة واقرار قانون [...]
الرئيس عون يلتقي وزير الخارجية وشؤون المغتربين الأردني، أيمن الصفدي [...]
افرام ينشر مستندات بشأن مواد معمل الذوق.. وهذا ما كشفه