بيروت - لبنان 2020/06/01 م الموافق 1441/10/09 هـ

«كورونا» كارثة طبيعية أَم مؤامرة؟

حجم الخط

على حين غرة، ضجت وسائل الإعلام حول العالم بالفيروس القاتل كورونا، الذي تفشى بين سائر البشر بسرعة غير مسبوقة، وليس له دواء كونه مستجداً في عائلة الإنفلونزا. لذلك، نبّهت منظمة الصحة العالمية من خطورته، التي خشيت أن يتحول إلى وباء، لكنه صار جائحة اكتسحت معظم بلدان القارات.

وخلال الأشهر الثلاثة المنصرمة ظهرت كتابات ودراسات ومقابلات، يرى البعض أن كورونا حالة طبيعية نتاج فيروس (COVID-19) المتطور أو المستجد عن (SARS-CoV-2). البعض الآخر يعدّه نتاج عمل مختبري تسرب نحو الخارج. واللافت للانتباه أن غالبية ضحاياه تمركزت أولاً في الصين ثم فاقت عليها أوروبا، وازدادت عليهما الولايات المتحدة الأميركية.

التحليل الطبيعي

من الجانب الطبي، توصل الفريق المكون من كرستين أندرسن في مؤسسة أبحاث سكريبس، وأندرو رامبوت في جامعة أدنبره، اللذين اعتمدا على التحليل الموروث (الجيني)، إلى احتمالين، إما أن يكون الفيروس وصل إلى شكله الحالي الجامح من خلال عملية تطور طبيعي في الحيوان ثم انتقل إلى الإنسان؛ أو طوّرَ نفسه داخل خلايا جسم الإنسان.

وأثبتت الأبحاث والدراسات الأخيرة، التي نشرتها مجلة (nature medicine) في مارس (آذار) الفائت، أن الفيروس هو نتاج طبيعي لتطور دورة الحياة لفيروسات كورونا، التي تكابد طفرات وراثية بين الفينة والأخرى، ومنها في عام 2003 في الصين، وعام 2012 في السعودية، وفي أواخر عام 2019 في مدينة ووهان في الصين. لذلك، يتوقع العلماء طفرات وراثية قاسية، بل ثورات لهذا النوع من الفيروس، وهو ما نعانيه الآن.

وبما أن فيروس كورونا شديد المقاومة وينتقل بسرعة جراء الاحتكاك بين الأشخاص، ويفتك بالضعفاء من كبار السّن والمرضى، ويسبب مشاكل صحية عويصة، يتوجب التباعد الاجتماعي. إلا أن هذه الوقاية البشرية العامة سبَّبت خسائر عالمية هائلة، خصوصاً بتعطيل النشاط الاقتصادي والتجاري في أرجاء العالم.

وتجاه تحمل هذه المسؤولية العالمية سارعت السعودية، بصفتها رئيس مجموعة دول العشرين (G20)، إلى عقد قمة استثنائية افتراضية ترأسها الملك سلمان بن عبد العزيز، الذي نص في خطابه على أن هذه الأزمة "إنسانية تتطلب استجابة عالمية". وتميّزت هذه القمة في الرياض بكون رسالتها "الإنسان أولاً".

وعلى الرغم من تصاعد الإصابات البشرية فوق 900 ألف شخص، والوفيات إلى أكثر من 43 ألفاً، لغاية كتابة هذه السطور، فإنها ما زالت لم تتخطّ حاجز الواحد بالألف من مجموع سكان الأرض.

نظرية المؤامرة

ظهرت بعض الاتهامات بأن فيروس كورونا من إنتاج مختبرات الحرب الجرثومية. فكتب الجانب الصيني، المتحدث باسم الخارجية الصينية ليجيان زهاو، في صفحته على موقع تويتر، "ربما جنود أميركيون جلبوا الوباء إلى ووهان". في حين مجموعة من الباحثين الفرنسيين اتهموا معهد باستور الفرنسي بإنتاج الفيروس بالتعاون مع باحثين صينيين في مختبرات في مدينة ووهان، وعرض المتحدث على وسائل التواصل الاجتماعي وثائق رسمية تثبت ذلك.

وأعلنت وزارة العدل الأميركية، في بيان، إلقاء القبض على بعض الباحثين الأميركيين والصينيين من جامعتي هارفارد وبوسطن بسبب تهريب مواد جرثومية من مختبرات عسكرية أميركية إلى الصين.

كذلك، تناولت بعض الأخبار عن تورط أجهزة المخابرات الدولية مع باحثين في جامعة هارفارد في إنتاج فيروس كورونا.

ما يثير الريبة عند الذين يؤيدون نظرية المؤامرة، هو أن مقاطعة خوبي ومركزها مدينة ووهان، تضم أكبر المختبرات البحثية العلمية، وهذه المختبرات تأسست عام 2000، وفق استثمار صيني أميركي أوروبي، من مهماتها دراسة أنواع الفيروسات المتجمدة داخل الحفريات القديمة، التي يتم البحث عنها في أطراف مقاطعة خوبي، جنوب شرقي الصين. إذ جذبت انتباه العلماء إليها بعد اكتشاف أقدم هيكل لحيوان الماموث في العالم، وازداد الاهتمام في عام 2002، عندما كشفت حفريات بشرية تعود إلى 360 ألف سنة، وليس إلى حوالى 250 ألف سنة بحسب نظريات الأحياء السابقة.

وعملت هذه المختبرات العلمية على فك رموز هذه الحفريات، والبحث عن أسباب انقراض بعض أنواع الجنس البشري، في فترة زعزعة القشرة الأرضية. فحسب رأي علماء الأحياء، قبل 150 ألف سنة جراء عمليات لسلاسل موروثة من الجراثيم، أدت إلى ظهور نوع جرثومي قاتل، سبب في إبادة بشرية هائلة بلغت 3 مليارات إنسان.

في عام 2003 استطاع العلماء في مختبرات ووهان من إعادة تفعيل جرثومة متجمدة داخل خلية حيوانية ضمن مجموعة الحفريات التي عثروا عليها، فعلى الرغم من أنها أحدثت ذهولاً علمياً منقطع النظير، إلا أنها لم تشكّل خوفاً كبيراً كونها أحادية الخلية لا تصيب خلايا الإنسان. لكن، ماذا لو تم تفعيل جراثيم شديدة التدمير قد زالت وانتهت منذ آلاف السنين؟

عليه، عندما تكون ووهان البؤرة الأولى لفيروس كورونا، فإن أصحاب نظرية المؤامرة، ومنهم الكاتب الإنجليزي ديفيد آيك، يكون شكّهم في محله، خصوصاً أن في 19 نوفمبر (تشرين الثاني) 2019 نبّه جانغ كيجيان، أستاذ علم الأمراض الجرثومية في جامعة ووهان الوطنية، إلى ظهور هذا الفيروس الخطير، في تقرير رفعه إلى الإدارة الصحية العليا في مقاطعة خوبي. وفي ذلك اليوم، حدث أمران، الأول تسجيل رسمي للإصابة الأولى بهذا الفيروس، والثاني إعلان وفاة كيجيان، بسبب "هبوط حاد في الدورة الدموية"، وفق تقرير الطب الشرعي. لكن، أُشير لاحقاً إلى أنها قد تكون عملية اغتيال نفذتها المخابرات الصينية تفادياً لإشاعة تشوه سمعة المقاطعة، التي تُعدّ مركزاً مهماً في الصين، ما يؤدي إلى ضرر اقتصادي جسيم.

استنتاج

وفيما يؤكد كل من أندرسن ورامبوت وغيرهما من العلماء والباحثين، أن الفيروس ليس سلاحاً جرثومياً أُنتج مختبرياً، وعدّوا نظرية المؤامرة هراء، يكشف التحليل العلمي أن طفرة طوّرت هذا الفيروس. وهناك فيروسات شائعة أصابت وقتلت أعداداً أكثر مما هو عليه الآن. متلازمة (SARS) نموذجاً، لكن خطورة كورونا تكمن في سرعة انتشاره، ولا تظهر أعراضه بتلك السرعة.

وعلى الرغم من قبولية هذا التحليل العلمي، إلا أنه يعتمد على الاحتمالية والافتراضية أكثر من تقديم البرهان الداعم له بالمشاهدة والتجربة. وإذا كان من المبكر الوصول إلى هذه الدرجة من الإثبات، فإن باب الشك والريبة يبقى مفتوحاً.

أمَّا التطرق إلى خلق سلاح جرثومي وما يتصل بالحرب الجرثومية، التي لا تقل فتكاً بالبشرية من الحرب النووية، خصوصاً أن المختبرات العلمية ذات الاستثمار الصيني الأوروبي الأميركي في ووهان، وسبب تمركز الضحايا في تلك البلدان، تدفع البعض إلى التفكير في نظرية المؤامرة.

وبما أنّ الوضع يسمح بطرح مختلف الآراء والأفكار، وفق تفسيرات وتحليلات تدعم نظريات متنوعة علمية وبحثية وطبية، فإن التوازن بين تلك الطروحات ضروري في هذه المرحلة. والمهم للجميع الالتزام بالإرشادات الصحية والإجراءات الوقائية، إذ إنها الطريقة الأمثل في الحدّ من الانتشار، حتى تتبلور النتائج بشكلها النهائي ونعرف إذا ما كان كورونا تطور طبيعياً أو حبك مؤامرة.

المصدر: اندبندنت


أخبار ذات صلة

الغريب بعد لقائه بري: لن نتساهل في موضوع التعيينات
بري إستقبل السفير البريطاني ورئيس جمعية المصارف
رئيسة هيئة القضايا تردّ على حبيش